الوقت - أظهرت تحولات الأيام الأخيرة في الخليج الفارسي والأنباء المتواترة عن مواجهة القوات البحرية لحرس الثورة الإسلامية في إيران مع البوارج الأمريكية، أن جذوة المواجهة العسكرية لم تنطفئ تماماً تحت رماد وقف إطلاق النار المعلن عقب الحرب المفروضة الثالثة علی هذا البلد. إننا نشهد استمراراً للصراع بأشكال أخرى، لا سيما في مياه الخليج الفارسي ومضيق هرمز، ضمن ما يمكن وصفه بـ "حرب الإرادات" المحتدمة.
تسعى الولايات المتحدة، عبر فرض حصار بحري لعرقلة التجارة الخارجية الإيرانية وخاصةً صادرات النفط، ومحاولة فتح ممر ملاحي آمن خاضع لسيطرتها، إلى انتزاع ورقة القوة الرابحة من يد طهران في مضيق هرمز؛ تلك الورقة التي منحت الجمهورية الإسلامية موقعاً سيادياً في تحديد قواعد اللعبة ضمن صراع الإرادات هذا.
وفي المقابل، تمكنت القوات المسلحة الإيرانية، عبر انتهاج تكتيكات عسكرية نوعية وتحركات ميدانية خاصة، من إحكام قبضتها على المضيق وفرض إدارة صارمة على حركة السفن في الخليج الفارسي، مما وضع البحرية الأمريكية أمام تحديات متكررة أدت عملياً إلى شل قدرتها على تنفيذ إملاءات البيت الأبيض.
وقد أدى هذا التدافع إلى نشوب مناوشات مقطعية ومحدودة شهدتها مياه الخليج الفارسي خلال الأيام الماضية، مما دفع باتفاق وقف إطلاق النار إلى حافة الانهيار؛ وهي اشتباكات، رغم صغر حجمها الميداني، إلا أنها تحمل في طياتها دلالات عميقة ورسائل استراتيجية كبرى.
عزيمة التصدي للحصار البحري؛ إيران في أهبة الاستعداد للحرب
تتلخص الرسالة الأولى للتحركات الأخيرة للقوات المسلحة الإيرانية في مياه الخليج الفارسي في أن "الأصابع لا تزال على الزناد"؛ فإيران لا ترى في المشهد الراهن هدنةً مستقرةً، بل تعتبره استمراراً لحالة الحرب. وبناءً على هذه الرؤية، تأتي ردودها الحاسمة على تحركات القوات الأمريكية خارج حدود الخليج الفارسي، لا سيما ما يتعلق باستمرار الحصار البحري غير القانوني واستهداف السفن الإيرانية.
وفي بيان له، صرح قائد القوة البحرية لحرس الثورة في إيران قائلاً: "إثر خرق الهدنة واعتداء الجيش الأمريكي الإرهابي على ناقلة نفط تابعة للجمهورية الإسلامية الإيرانية بالقرب من ميناء جاسك، واقتراب مدمرات ذلك الجيش من مضيق هرمز، نفذت قواتنا عمليةً مركبةً، واسعة النطاق ودقيقةً، استخدمت فيها أنواعاً من الصواريخ الباليستية والجوالة المضادة للسفن، وطائرات مسيرة انتحارية برؤوس حربية شديدة الانفجار، حيث تم توجيه نيران كثيفة نحو مدمرات العدو".
وقد وصفت وكالات الأنباء الأمريكية هذا الهجوم بالعنيف للغاية، حيث أفادت شبكة "سي بي إس" بأن المدمرتين "يو إس إس تراكسون" و"يو إس إس ميسون" تعرضتا لهجوم إيراني ضارٍ، وصفه المسؤولون الأمريكيون بأنه كان أشدّ وطأةً وأطول أمداً من الهجمات التي شنت عليهما قبل أيام.
وتشير المواقف المستجدة للقادة العسكريين الإيرانيين، إلى وجود إرادة صلبة لتكرار هذه الضربات وبزخم أكبر ضد البوارج الأمريكية. وفي هذا الصدد، أكد العميد السيد مجيد الموسوي، قائد القوة الجوفضائية لحرس الثورة في إيران، في رسالة حازمة: "إن الصواريخ والمسيرات الجوفضائية قد أقفلت أهدافها على العدو، ونحن بانتظار أوامر الرمي".
إن هذه التطورات والمواقف تبرهن على أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية لا ترفض الحصار البحري والضغوط على شريان تجارتها الحيوية فحسب، بل تبعث برسالة واضحة عبر استعراض متزامن لقدراتها الصاروخية والمسيرة والبحرية، مفادها أن أي محاولة لتغيير موازين القوى في الخليج الفارسي، ستواجه بردع مباشر ومتعدد الطبقات. وفي هذا الإطار، لا يعد إعلان "إقفال الصواريخ على الأهداف" مجرد شعار دعائي، بل هو جزء أصيل من استراتيجية "الردع النشط" التي تنتهجها طهران؛ وهي استراتيجية تقوم على الجاهزية اللحظية للانتقال السريع من حالة المراقبة إلى حالة الاشتباك.
وما شهده الميدان العملياتي يؤكد هذا التوجه؛ إذ إن اقتراب القطع البحرية الأمريكية من المناطق الحساسة ورد الفعل الإيراني المركب باستخدام الزوارق السريعة والمسيرات والصواريخ المضادة للسفن، أظهر أن طهران تمتلك خطةً عملياتيةً جاهزةً ومحكمةً لمواجهة سيناريوهات الضغط المتدرج أو الحصار المحدود. وبعبارة أخرى، لا تكتفي إيران بالتهديد اللفظي في حرب الإرادات، بل أثبتت قدرتها على تحويل الإرادة السياسية إلى فعل ميداني في أقصر زمن ممكن. وهذا ما يجعل أي حسابات أمريكية لممارسة ضغوط محكومة في مياه المنطقة محفوفة بمخاطر خروج الأوضاع عن السيطرة، وتكبد تكاليف عسكرية ومعنوية باهظة.
من هذا المنطلق، تتبلور الرسالة المركزية لطهران في أن أمن الخليج الفارسي لا يمكن صياغته بصورة أحادية أو قسرية تحت القيادة الأمريكية المطلقة. وأي إجراء يرمي إلى عرقلة صادرات الطاقة الإيرانية أو الإخلال بتوازن الملاحة البحرية لغير صالح طهران، سيعد اجتيازاً لخط أحمر استراتيجي. وبناءً عليه، فإن استعداد إيران للحرب، ليس دليلاً على الرغبة في توسيع رقعة الصراع، بقدر ما هو رمز للجاهزية لمنع فرض الحرب وإرغام الطرف الآخر على الإذعان للحقائق الجيوسياسية الجديدة في المنطقة.
إيران.. الحاكم الأوحد لمضيق هرمز
لقد أعادت التطورات الأخيرة تسليط الضوء على حقيقة أن مضيق هرمز ليس مجرد ممر اقتصادي عابر، بل هو ميدان جيوسياسي وأمني فصل؛ ميدان تضطلع فيه الإرادة الإيرانية والإشراف العملياتي بالدور المحوري الأوحد. ورغم مساعي الولايات المتحدة، عبر حشد أساطيلها وعمليات المرافقة واستعراض القوة، للإيحاء بقدرتها على ضمان أمن الملاحة في هذا الشريان المائي، إلا أن الواقع الميداني يبرهن على أن زمام المبادرة في هذه المنطقة لا يزال حصرياً بيد إيران. إن الموقع الجغرافي الفريد، والانتشار الساحلي المكثف، والقدرات الصاروخية المتطورة، والحضور الدائم للقوات البحرية والجوفضائية، قد شكلت جميعها منظومةً من التفوق المتشابك الذي يجعل أي تحرك خارجي مقيداً للغاية وتحت المراقبة اللصيقة.
فلا يمثّل مضيق هرمز بالنسبة لإيران مجرد أداة ضغط آنية، بل هو جزء أصيل من العمق الاستراتيجي للبلاد في مواجهة التهديدات العابرة للإقليم. ومن هذا المنطلق، تبعث طهران برسالة واضحة للأطراف المقابلة مفادها أن إيران، من الآن فصاعداً، هي من يرسم القواعد النهائية لإدارة الميدان في هذا الممر الحيوي.
وتأتي الاشتباكات الأخيرة لتؤكد هذا المبدأ؛ إذ أثبت رد الفعل الإيراني السريع والحازم تجاه تحركات المدمرات الأمريكية والاعتداء على ناقلة النفط الإيرانية، أن طهران لا تمتلك إشرافاً استخباراتياً كاملاً على تحولات المضيق فحسب، بل تملك أيضاً الإرادة الفولاذية لتنفيذ القرارات الميدانية دون إبطاء. وهذا المستوى من الهيمنة يحول عملياً دون قدرة واشنطن على إعادة تعريف خطوط الملاحة بما يخدم مصالحها بمعزل عن حقائق القوة في المنطقة. ولعل هذا هو السبب في أنه كلما حاولت واشنطن، عبر التموضع العسكري أو الحرب النفسية، العبث بالقواعد الجيوسياسية للخليج الفارسي في مرحلة ما بعد الحرب، اصطدمت برد فعل إيراني أعاد الأمور إلى نقطة الإدارة الذكية التي تفرضها طهران.
في ظل هذه المعطيات، سيظل مضيق هرمز الأداة الاستراتيجية الأهم لإيران في حرب الإرادات؛ وهي الأداة استمدت معناها وقوتها ليس من تضاريس الطبيعة فحسب، بل من الاقتدار العملياتي للقوات المسلحة للجمهورية الإسلامية. وبناءً عليه، فرغم أن وقف إطلاق النار الظاهري قد يخفف من وطأة المواجهة المباشرة، إلا أن هذا الصراع سيستمر بأشكال شتى ما دامت الولايات المتحدة تسعى لتقويض دور إيران في الخليج الفارسي وسلبها قدرة التأثير على مضيق هرمز. إن ما حدث هو ترسيخ متجدد للحقيقة القائلة: في معادلات الأمن لهذا الممر المائي، إيران ليست لاعباً هامشياً، بل هي اللاعب الرئيسي وصاحب الكلمة الفصل.
