الوقت- في خطوة مثيرة للجدل وتتناقض مع المبادئ المعلنة للسياسات الأمريكية تجاه حرية التعبير وحقوق الإنسان، فرضت وزارة الخزانة الأمريكية مؤخرًا عقوبات على منظمة "الضمير" الفلسطينية الرائدة في مجال الدفاع عن حقوق الأسرى الفلسطينيين، إلى جانب خمسة مؤسسات خيرية في الشرق الأوسط وأوروبا وعدد من الأفراد، بزعم دعمهم لحركتي حماس والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ،(PFLP) ويأتي هذا القرار ضمن حملة متواصلة لربط النشاط المدني والحقوقي الفلسطيني بـ"الإرهاب"، ما يثير تساؤلات عميقة حول دوافع واشنطن وأهدافها الحقيقية من وراء هذه الإجراءات.
من هي "الضمير" ولماذا استُهدفت؟
تأسست مؤسسة الضمير لرعاية الأسير وحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وتحديدًا في رام الله، وهي تُعد من أبرز المنظمات الحقوقية التي تقدم خدمات قانونية وإنسانية للأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال الإسرائيلي، وتوثّق الانتهاكات الممنهجة التي يتعرضون لها، مثل التعذيب وسوء المعاملة والحرمان من الحقوق الأساسية، كما أنها تُعنى أيضًا بالأسرى لدى السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، ما يجعلها جهة مستقلة نسبيًا في مراقبة الانتهاكات أيًا كان مصدرها.
وحسب بيان وزارة الخزانة الأمريكية، فإن "الضمير" متهمة بـ"الارتباط بجبهة الشعبية لتحرير فلسطين"، وتقديم دعم لها على مدى سنوات، ولكن البيان لم يقدم أي أدلة واضحة أو موثقة تثبت هذا الاتهام، بل استند إلى المزاعم الإسرائيلية القديمة التي لم تُقنع حتى الأمم المتحدة نفسها، حين قام الكيان الإسرائيلي عام 2022 بإغلاق مكاتب الضمير وعدد من منظمات المجتمع المدني في الضفة الغربية، دون تقديم أي أدلة قانونية.
اللافت في بيان وزارة الخزانة الأمريكية هو تبنّيه الكامل للرواية الإسرائيلية، دون تحقيق مستقل أو استماع إلى وجهة نظر الطرف المتهم، حيث استخدم البيان عبارات مثل "الفرع العسكري للجبهة الشعبية نفذ هجمات قاتلة ضد الإسرائيليين"، في محاولة لتبرير العقوبات ضد منظمة الضمير، رغم أنها ليست منظمة سياسية أو عسكرية، بل حقوقية محضة.
إن هذه الخطوة تُمثل انزلاقًا خطيرًا في تعريف "الإرهاب" ليشمل ليس فقط الجماعات المسلحة، بل حتى الجهات الحقوقية والمدنية التي تدافع عن ضحايا الاحتلال، وبذلك، يتم وصم العمل الإنساني بالدعم للإرهاب، في حين يمنح الكيان الإسرائيلي غطاءً دبلوماسيًا لارتكابها جرائم ضد الإنسانية، دون محاسبة.
يأتي قرار العقوبات الأمريكي هذا في ظل سياق سياسي شديد الحساسية:
- الحرب المستمرة في غزة منذ الـ 7 من أكتوبر 2023، والتي شهدت انتهاكات واسعة النطاق موثقة من منظمات دولية، من ضمنها استهداف المدنيين، ومنع دخول المساعدات، وتجويع السكان عمداً.
- محاولات الكيان الإسرائيلي المتكررة لتجريم العمل الحقوقي الفلسطيني، ووصم المنظمات الحقوقية بأنها "واجهات للجماعات الإرهابية".
- التصاعد في جهود دولية لتوثيق الجرائم الإسرائيلية، خاصة من قبل المحكمة الجنائية الدولية، التي باتت تتعرض لضغوط وتهديدات أمريكية وإسرائيلية.
- الانقسام الأمريكي الداخلي بشأن دعم الكيان الإسرائيلي، حيث بدأت أصوات في الكونغرس والمجتمع المدني تنتقد الدعم المطلق لتل أبيب، وخصوصًا في ظل المجازر التي ترتكب في غزة.
إن استهداف منظمات مثل "الضمير" لا يمكن فصله عن هذا السياق، وهو بمثابة رسالة تحذير لكل من يجرؤ على فضح انتهاكات "إسرائيل."
منظمات الإغاثة والمؤسسات المستهدفة: عمل خيري أم "تمويل للإرهاب"؟
بالإضافة إلى الضمير، شملت العقوبات الأمريكية أيضًا خمس منظمات خيرية في الشرق الأوسط وأوروبا، وعدد من الأفراد بزعم تمويلهم لحماس تحت غطاء العمل الإنساني، ومن اللافت أن البيان الأمريكي اتهم هؤلاء بتمويل "الفرع العسكري لحماس"، لكنه لم يوضح طبيعة هذا التمويل أو كيفية التحقق من انتقال أموال المساعدات إلى أنشطة عسكرية، في ظل الحصار الشديد المفروض على القطاع والرقابة الدولية على التحويلات.
مثل هذه المزاعم تكرس سياسة تجريم التضامن مع الفلسطينيين، وتجعل أي دعم إنساني لغزة خاضعًا للشكوك والاتهامات، حتى وإن كان مصدره منظمات أوروبية مرخصة.
موقف الأمم المتحدة والمجتمع الدولي
عندما داهم الكيان الإسرائيلي مكاتب الضمير في 2022، خرجت الأمم المتحدة وعدد من الدول الأوروبية (مثل النرويج وبلجيكا وإيرلندا) ببيانات تنديد، مشيرة إلى أن الكيان الإسرائيلي لم يقدم أي أدلة تُثبت ارتباط هذه المنظمات بالجبهة الشعبية أو أي فصيل عسكري، بل ذهبت بعض الدول إلى استئناف تمويل هذه المنظمات بعد تعليق مؤقت، عقب مراجعة داخلية لم تجد أي شبهة فساد أو ارتباط عسكري.
إن هذا التناقض بين الموقف الأمريكي والأوروبي يعكس ازدواجية في تعريف الإرهاب واستخدامه كأداة سياسية لتصفية الحسابات، وليس بناءً على معايير قانونية نزيهة.
التبعات القانونية والحقوقية
تضع هذه العقوبات منظمات المجتمع المدني الفلسطينية في مرمى الاستهداف المالي والقانوني، وتُقيّد من قدرتها على العمل بحرية، وخاصة أن البنوك والمؤسسات المانحة الدولية تتخوف عادة من التعرض للعقوبات الأمريكية، حتى لو كانت الادعاءات دون أدلة.
كما أن هذه الخطوة تُنذر بتضييق الخناق على العمل الحقوقي الفلسطيني في الساحة الدولية، عبر منع وصول الموارد، وتخويف المتعاونين مع هذه المنظمات، وتخريب صورتها في الرأي العام.
واشنطن: حامية الاحتلال ومُجرّمة الضحايا؟
تتحدث واشنطن كثيرًا عن دعم "حل الدولتين" و"احترام القانون الدولي"، لكنها في الواقع تتخذ مواقف تتناقض تمامًا مع هذه الشعارات، وتمنح الكيان الإسرائيلي حصانة سياسية وقانونية، حتى في أكثر مراحل عدوانها شراسة، كما يحدث في غزة.
إن معاقبة منظمة "الضمير" الحقوقية، التي لا ترفع السلاح، ولا تنتمي لأي فصيل سياسي، تُظهر بوضوح أن ما يُستهدف هو صوت الفلسطينيين نفسه، لا "دعم الإرهاب" كما يُدعى، فكل صوت يُعارض السردية الإسرائيلية يُعتبر خطرًا يجب إسكاته.
من يدافع عن الضمير؟
إن تسمية المنظمة الفلسطينية بـ"الضمير" لم تكن مصادفة، بل انعكاس لوظيفتها كمرآة تعكس المعاناة الفلسطينية داخل سجون الاحتلال، واليوم، يُراد لهذا الضمير أن يُسحق تحت وطأة العقوبات، بحجة حماية العالم من الإرهاب.
ولكن الحقيقة أن الإرهاب الحقيقي هو في حصار غزة وتجويع أطفالها، وحرمان الأسرى من حقوقهم، وقصف المدارس والمستشفيات، وليس في من يدافع عن الضحايا، أو يوثق الجرائم، أو يُطالب بالمحاسبة.
إن الصمت أمام استهداف المنظمات الحقوقية سيُشجع الكيان المجرم الصهيوني على ارتكاب المزيد من الانتهاكات، وسيُعمّق فقدان الثقة العالمي في مؤسسات العدالة الدولية، وسيُثبت مرة أخرى أن حقوق الإنسان في نظر القوى الكبرى مرهونة بالسياسة لا بالمبادئ.