الوقت - يُعد إحكام “أنصار الله” سيطرتها على مضيق باب المندب والجزر الاستراتيجية في البحر الأحمر، تحولاً جيوسياسياً تتجاوز تداعياته حدود اليمن بكثير. وبالنسبة للكيان الصهيوني، فإن تحولاً كهذا من شأنه أن يقلب المعادلات الأمنية والاقتصادية في إحدى أكثر الجبهات البحرية حساسيةً حول الأراضي المحتلة.
ولا تقتصر أهمية باب المندب على موقعه الجغرافي فحسب؛ إذ يقع هذا المضيق عند ملتقى البحر الأحمر وخليج عدن والمحيط الهندي، وأي فاعل قادر على التأثير في أمنه وحركة الملاحة فيه، سيمتلك أداةً جيوسياسيةً بالغة الأهمية لممارسة الضغط. ومن هذا المنطلق، يمثل ترسيخ قدرات أنصار الله في هذه المنطقة تهديداً استراتيجياً خطيراً للكيان الصهيوني، الذي يعتمد جزء كبير من تجارته الخارجية على الممرات البحرية.
الشريان الحيوي للكيان الصهيوني في مرمى أنصار الله
لعل أول وأكثر مخاوف الكيان الصهيوني إلحاحاً، يتمثل في البُعد الاقتصادي لهذه القضية. فالنقل البحري يُعد أحد الركائز الأساسية لتجارة هذا الكيان الخارجية، والبحر الأحمر هو ممره البحري الجنوبي للوصول إلى المحيط الهندي والأسواق الآسيوية. وقد تجلت أهمية هذا المسار أكثر من أي وقت مضى عندما وضعت أنصار الله، رداً على حرب غزة، استهداف السفن المرتبطة بالكيان الصهيوني وفرض قيود على حركتها ضمن جدول أعمالها. وأثبتت هذه التطورات أن المسافة الجغرافية بين اليمن والأراضي المحتلة لا تعني بالضرورة وجود مسافة استراتيجية.
ويُعد مضيق باب المندب، وهو ممر يبلغ عرضه عشرين ميلاً بين اليمن وجيبوتي، أحد أهم المضائق الملاحية في التجارة العالمية. إذ يمر عبره ما يقرب من 12 إلى 15 بالمائة من إجمالي التجارة العالمية، بما في ذلك 12 بالمائة من نفط العالم و30 بالمائة من بضائع الحاويات. وتأتي حوالي 60 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي للكيان الصهيوني من التجارة، ويتم تأمين 99.6 بالمائة منها (من حيث الوزن، و65 بالمائة من حيث الحجم) عن طريق البحر. وتستحوذ ثلاثة موانئ، هي حيفا وأسدود وإيلات، على 80 بالمائة من حركة الملاحة البحرية الإسرائيلية.
لذلك، فإن أي تقدم على الساحل الغربي يعني بالنسبة لـ "إسرائيل" ضغطاً على شريانها الاقتصادي. ومع إحكام أنصار الله سيطرتها المتزايدة على السواحل اليمنية عند باب المندب والجزر الاستراتيجية المحيطة به، لن يواجه الكيان الصهيوني مجرد خلل مؤقت في مساراته البحرية فحسب، بل قد يجد نفسه أمام قيود استراتيجية ومستدامة في أحد أهم مساراته التجارية. ويشير المسؤولون الصهاينة إلى أن المسار البديل للبحر الأحمر هو الإبحار حول الطرف الجنوبي لإفريقيا، مما سيزيد من مدة رحلة السفن إلى البحر الأبيض المتوسط من أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع. ومن شأن هذا الوضع أن يرفع من تكاليف التأمين والشحن وتأمين سلامة السفن. وعلى الصعيد الاستراتيجي، ستكون نتيجة هذا المسار زيادة هشاشة اقتصاد الكيان الصهيوني أمام التطورات الإقليمية؛ تطورات تقع على بُعد آلاف الكيلومترات من الأراضي المحتلة.
دعم المقاومة اليمنية لفلسطين؛ تصاعد الضغوط في باب المندب
يتعلق القلق الثاني للكيان الصهيوني بشكل مباشر بالتطورات في فلسطين. فقد أثبتت أنصار الله سابقاً، خلال الحصار البحري المفروض على "إسرائيل" إبان حرب غزة، استعدادها لربط التطورات في اليمن بالوضع في غزة. وعليه، فإن ترسيخ موقع هذه الحركة حول باب المندب من شأنه أن يضاعف من قدرتها على تحويل الدعم السياسي لفلسطين، إلى ورقة ضغط استراتيجية ومستمرة.
وتكتسب هذه المسألة أهميةً مضاعفةً في ظل عرقلة الكيان الصهيوني لتنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، ومواصلته سياسة الضغط والاحتلال العسكري والقتل اليومي للفلسطينيين في القطاع، بالتزامن مع تصعيد وتيرة القمع والتهجير القسري للفلسطينيين في الضفة الغربية خلال الأسابيع الماضية. وفي ظل هذه الظروف، فإن تشكل نقطة ضغط مستدامة أخرى في البحر الأحمر، من شأنه أن يزيد من تعقيد الحسابات الأمنية لهذا الكيان. ولا يكمن القلق الرئيسي للكيان الصهيوني بالضرورة في فتح جبهة حرب تقليدية؛ بل في احتمال تبلور آلية ضغط استراتيجية دائمة، تتحول فيها الممرات البحرية والموانئ والجزر والبنية التحتية الساحلية، إلى جزء من معادلة أوسع لدعم اليمن للفلسطينيين.
إن التموضع الجديد لـ “أنصار الله” في الجغرافيا اليمنية يتيح لها التأثير على البيئة الأمنية لأحد أهم الممرات البحرية المؤدية إلى الأراضي المحتلة، وفي الوقت ذاته، مواصلة دعمها السياسي والعسكري للقضية الفلسطينية.
توسيع هندسة الحرب غير المتكافئة لإيران
يتعلق القلق الثالث للكيان الصهيوني بإيران ومحور المقاومة في المنطقة. إذ يمكن أن يمثّل تعزيز موقع أنصار الله في باب المندب نموذجاً آخر لكيفية تحويل الموقع الجغرافي إلى أداة عسكرية وسياسية في إطار استراتيجية الحرب غير المتكافئة التي تنتهجها إيران. فإيران لا تحتاج بالضرورة إلى التفوق العسكري التقليدي لرفع تكاليف المواجهة مع أعدائها. إن تطوير القدرات المترابطة بين فصائل المقاومة يمكن أن يخلق شبكةً من نقاط الضغط في مناطق جغرافية مختلفة.
ومن هذا المنظور، فإن موقع أنصار الله في باب المندب ليس مجرد شأن يمني خالص، بل يمكن أن يتحول إلى جزء من شبكة أوسع من القدرات الاستراتيجية التي تمتد من الخليج الفارسي إلى البحر الأحمر وشرق البحر الأبيض المتوسط. بالنسبة للكيان الصهيوني، يثير هذا الوضع مخاوف من أن أي صراع محتمل في المستقبل مع إيران، لن يقتصر بعد الآن على الأراضي الإيرانية أو ساحة معركة محددة. فالممرات البحرية، ومنشآت الطاقة، والموانئ، والسفن التجارية قد تصبح هي الأخرى عرضةً للضغط والتعطيل الناجم عن قدرات غير متكافئة وموزعة جغرافياً. لذا، فإن تعزيز قوة أنصار الله لا يعني مجرد زيادة في القوة العسكرية لفاعل يمني؛ بل من وجهة نظر الكيان الصهيوني، يمكن أن يعني توسيع العمق الاستراتيجي المتاح لإيران وحلفائها الإقليميين.
شرق إفريقيا؛ قلق يتجاوز باب المندب
يتمثل القلق الآخر للكيان الصهيوني، في احتمال امتداد نفوذ أنصار الله نحو شرق إفريقيا والدول المطلة على البحر الأحمر. فباب المندب ليس مجرد ممر بين اليمن والأراضي المحتلة؛ بل هو نقطة التقاء استراتيجية بين شبه الجزيرة العربية والقرن الإفريقي. وأي فاعل ينجح في بسط نفوذ ملموس على هذا المضيق، سيحظى بلا شك بأوراق ضغط سياسية أقوى في التطورات على ضفتي البحر الأحمر.
على مدى السنوات الماضية، قامت القوى الإقليمية والدولية باستثمارات ضخمة في الموانئ والمنشآت العسكرية ونسج العلاقات السياسية حول البحر الأحمر والقرن الإفريقي. وقد سعت دولة الإمارات العربية المتحدة، على وجه الخصوص، إلى بناء شبكة من النفوذ حول الموانئ والممرات البحرية الاستراتيجية. أما بالنسبة لـ "إسرائيل"، فقد برز القرن الإفريقي في السنوات الأخيرة كساحة محورية في سياستها الخارجية، لا سيما في خضم التنافس مع تركيا الصاعدة، والمثال على ذلك زيارة وزير خارجية هذا الكيان، جدعون ساعر، إلى إثيوبيا في أوائل شهر مايو من عام 2025، وكذلك الاعتراف باستقلال "أرض الصومال" في عام 2026.
إن صعود أنصار الله كقوة مهيمنة على الجانب اليمني من باب المندب، قد يقلب هذا التوازن الذي خُصصت هذه الاستثمارات لإرسائه. فزيادة نفوذ أنصار الله يمكن أن يحوّل هذه الحركة إلى فاعل أكثر تأثيراً في التطورات السياسية للدول المحيطة بالبحر الأحمر والقرن الإفريقي، بما في ذلك إريتريا وجيبوتي والصومال. ونتيجةً لذلك، قد يتحول البحر الأحمر من فضاء يخضع بشكل أساسي لنفوذ القوى الأجنبية، إلى ساحة تشكّل فيها أنصار الله أحد الفاعلين الحاسمين.
الارتقاء بالقوة الإقليمية لأنصار الله
البعد الخامس لهذه التطورات هو الجانب السياسي. فالسيطرة على الجزر الاستراتيجية والموانئ والمدن الساحلية، يمكن أن تعزّز قوة أنصار الله ليس فقط على صعيد التطورات الداخلية، بل أيضاً من حيث الثقل الإقليمي والدولي. وتكتسب هذه المسألة أهميةً بالغةً خاصةً إذا ما انتقل وضع أنصار الله من حالة سلطة أمر واقع غير معترف بها من قبل الأمم المتحدة، إلى واقع مستدام وراسخ في الساحة الدولية والعلاقات مع الدول.
وفي ظل هذه الظروف، يمكن أن تتحول هذه الحركة من لاعب قوي في الحرب اليمنية إلى فاعل إقليمي بارز ضمن محور المقاومة، يتمتع بنفوذ على واحد من أهم المضائق الملاحية وطرق التجارة البحرية في العالم. ونتيجةً لذلك، لن تقتصر قوة أنصار الله التفاوضية على المحادثات اليمنية الداخلية فحسب، بل يمكن أن يصبح أمن البحر الأحمر والملاحة الدولية والعلاقات مع دول الجوار جزءاً من معادلة أوسع لقوة هذه الحركة.
فشل مشروع احتواء أنصار الله
من هذا المنظور، يمكن اعتبار التطورات الأخيرة انتكاسةً كبرى لاستراتيجية الكيان الصهيوني في جنوب اليمن أيضاً. فخلال السنوات الماضية، سعى الكيان الصهيوني، بالتعاون مع دولة الإمارات وعبر القوات الموالية للمجلس الانتقالي الجنوبي الذي تم حله الآن، إلى توسيع وجوده ونفوذه السياسي والعسكري في جنوب اليمن ومحيط باب المندب. ومنذ بداية عدوان التحالف السعودي-الإماراتي على اليمن في عام 2015، كان الكيان الصهيوني أحد الفاعلين الرئيسيين المشاركين في الحرب، وكان الهدف الأساسي من هذه المشاركة هو درء التهديد عن أمن واقتصاد الكيان في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، وإقامة سدّ لاحتواء أنصار الله.
وقد استمر هذا التعاون في السنوات اللاحقة، وفي أواخر 2025 أفادت وسائل الإعلام الصهيونية بقیام تل أبيب، بالتنسيق مع أبو ظبي، بإنشاء شبكة من المطارات الجديدة في الجزر والسواحل اليمنية الاستراتيجية (مثل عبد الكوري، وميون “بريم”، وزقر، والمخا، وسمحة). إلا أن التطورات الأخيرة والتقدم الذي أحرزته أنصار الله، قد أحبط هذا الشَرَك المطاري بأكمله، والذي صُمم لفرض حصار جوي على موانئ الحديدة والصليف ورأس عيسى، حيث سقطت هذه المناطق، ولا سيما جزيرة ميون (بريم) ومدينة المخا، تحت سيطرة أنصار الله.
وبالتالي، فإن ترسيخ موقع أنصار الله أسفر عن نتيجة عكسية تماماً. فبدلاً من إبعاد أنصار الله عن هذا المضيق البحري، تتجه هذه الحركة نحو إحكام سيطرتها على محيط مضيق باب المندب. كما أنه بدلاً من أن يتحول جنوب اليمن إلى منصة لتحجيم أنصار الله، قد تصبح هذه المنطقة جزءاً من العمق الاستراتيجي لهذه الحركة. وتكمن أهمية الموضوع بالنسبة للكيان الصهيوني في هذه النقطة بالذات.
فالقلق لا يقتصر على مجرد فقدان موقع عسكري أو حليف سياسي؛ بل يكمن في احتمال انهيار استراتيجية إقليمية واسعة النطاق تم انتهاجها لسنوات بهدف السيطرة على الجغرافيا البحرية المحيطة بالمدخل الجنوبي للبحر الأحمر. وفي النهاية، إذا تحولت هذه التطورات إلى واقع مستدام، فإن هذا الوضع سيعني بالنسبة للكيان الصهيوني أن سنوات من الاستثمار والجهود الرامية لاحتواء أنصار الله قد أدت إلى نتيجة عكسية تماماً؛ بمعنى أنه بدلاً من الحدّ من نطاق نفوذ هذه الحركة، وفّرت تطورات السنوات الأخيرة الأرضية لبروزها كأحد الفاعلين الحاسمين في الجغرافيا الاستراتيجية للبحر الأحمر.
