الوقت - لا تزال أزمة الغذاء في غزّة تُلقي بظلالها الثقيلة على حياة الأسر الفلسطينية؛ حتى غدت أسرٌ ذات دخلٍ ضئيلٍ أو بلا دخلٍ على الإطلاق رهينةً للمطابخ الخيرية والمساعدات الغذائية، سعياً لتأمين وجبةٍ واحدةٍ يومية. وترصد «الجزيرة»، في تقريرٍ لها، حياة أسرةٍ من سبعة أفراد في غزّة، حيث تحوّل تأمين الطعام إلى واحدٍ من أشدّ الهواجس التي تلازمهم يوماً بيوم.
فـ«مروة رضوان»، البالغة من العمر 45 عاماً، ترعى إلى جانب والدها السبعيني وشقيقتها الأربعينية ثلاثةَ أطفالٍ فقدوا والديهم في غارةٍ إسرائيلية شُنّت في أكتوبر 2024. وتعيش هذه الأسرة الآن في خيمةٍ بمدينة دير البلح، دون أن يتوفّر لأيٍّ من العائلين فيها دخلٌ ثابت، فتظلّ رهينة المساعدات الإنسانية لتلبية حاجاتها اليومية.
وتقول «الجزيرة» إن المطابخ الجماعية تُعدّ من أهمّ مصادر الغذاء للأسر ذات الدخل المحدود في غزّة، لكن نشاطها تراجع بشدّة خلال الأشهر الأخيرة. وتشير بيانات مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة إلى أن عدد الوجبات التي كانت تُنتجها هذه المطابخ تراجع من نحو 1.5 مليون وجبةٍ يومياً، توزّعها 165 مطبخاً في منتصف مارس، إلى نحو 698 ألف وجبةٍ فقط، يوفّرها 102 مطبخ في شهر يوليو. ويُعزى هذا التراجع الحادّ في المقام الأول إلى شحّ التمويل وتصاعد التكاليف التشغيلية.
وتقول رضوان إن الطعام الذي يحصلون عليه من المطبخ لا يكفي في العادة سبعة أفراد، فتضطرّ إلى إضافة السمك المعلّب أو الفاصولياء أو الحمّص لتكثير الوجبة. أما المطبخ القريب من مكان إقامتهم، فقد ظلّ مغلقاً نحو شهرين، وبعد إعادة تشغيله لا يعمل إلا يومين فقط في الأسبوع.
ولا يقف النقص عند حدود الوجبات المطبوخة. فقد أوردت «الجزيرة» أن اللحوم تحوّلت، بالنسبة لكثيرٍ من الأسر، إلى سلعةٍ من الكماليات، في حين أصبح تأمين الخضروات الطازجة أمراً عسيراً بسبب شحّها وارتفاع أسعارها. فسعر الكيلوغرام الواحد من الخيار في أسواق غزّة يبلغ نحو 15 شيكلاً، أي ما يعادل 4.5 دولارات، بينما يتراوح سعر الطماطم بين 10 و12 شيكلاً.
كما أعلن برنامج الأغذية العالمي في يوليو أن نحو 77 بالمئة من الأسر في غزّة تواجه صعوبةً في تأمين الخضروات الطازجة والفاكهة ومصادر البروتين؛ لأن دخلها المحدود لا يستطيع مجاراة الأسعار الباهظة لهذه المواد.
وقد امتدّت آثار هذا الوضع إلى صحّة الأطفال أيضاً. فأحد أطفال الأسرة، «حبيب»، الذي يعاني من إصاباتٍ بالغة جرّاء الحرب، يُصارع منذ نحو عامٍ حصوات الكلى، وقد أرجع الأطباء سببها إلى نظامٍ غذائيٍّ غير ملائم وغنيٍّ بالملح. واعتماد الأسرة على الأغذية المعلّبة، وصعوبة الوصول إلى المواد الطازجة، حَدّا من إمكانية تعديل نظامه الغذائي.
وتقول مروة رضوان إنه عندما يشحّ الطعام، يتنازل الكبار عن وجباتهم لتوفير حصّةٍ أكبر للأطفال. وأخبرت «الجزيرة» أن والدها المسنّ لا يأكل شيئاً حتى يتيقّن من أن أحفاده قد شبعوا.
ويقدّم تقرير «الجزيرة»، في نهاية المطاف، صورةً لأسرٍ لم تعد أزمة الغذاء بالنسبة لها حالةً عابرةً، بل تحوّلت إلى جزءٍ من نسيج حياتها اليومية؛ أسرٌ تتنقّل، سعياً وراء وجبةٍ واحدة، بين المساعدات الإنسانية والمطابخ الخيرية وأسواقٍ ترتفع فيها الأسعار ارتفاعاً موجعاً.
