الوقت - بعد مضي أكثر من ستة أشهر على اندلاع الحرب الأمريكية-الصهيونية على إيران، يبرز سؤالٌ من أهم الأسئلة المطروحة أمام المنطقة: ما هي المكانة التي ستحتلها طهران في النظام السياسي والأمني والاقتصادي الجديد للشرق الأوسط بعد الحرب؟ ويكشف تحليلٌ حديث لصحيفة “العربي الجديد” أنه خلافاً لتصورات واشنطن حول تراجع النفوذ الإيراني، لا يمكن رسم مستقبل المنطقة دون احتساب دور طهران فيه.
وبحسب تقرير “الوقت”، يورد هذا التحليل أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أطلق في الأشهر الأخيرة تصريحاتٍ حول ما وصفه بهزيمة إيران، إلا أن هذه التصريحات لا تتماشى مع الوقائع على الأرض.
فقد زعم ترامب، خلال لقائه رئيس الوزراء العراقي الجديد، أن الشرق الأوسط يمر بحالة تكاتفٍ لم يشهدها من قبل، معتبراً هذا التحول نتيجةً مباشرةً لتراجع النفوذ الإيراني. غير أن النهج الإيراني في مرحلة ما بعد الحرب لا ينحصر في إعادة تشكيل العلاقات القديمة، بل يتجاوز ذلك إلى محاولة صياغة بنيةٍ إقليمية تتحمل فيها دول الشرق الأوسط الدور الرئيسي في تأمين أمنها الخاص.
وفي هذا السياق، تكتسب علاقات إيران بالعراق والدول الخليجية وسائر القوى الإقليمية أهميةً متزايدةً، حيث ستعمل طهران على ترسيخ موقعها في معادلات المنطقة من خلال أوجه التعاون الاقتصادي والدبلوماسي والأمني.
في الوقت نفسه، يبدو أن الدول العربية، بعد تجربتها مع هذه الحرب، تسعى أكثر من أي وقتٍ سابق إلى تحقيق توازنٍ في علاقاتها بين واشنطن وطهران وسائر القوى العالمية. وتُظهر تحليلاتٌ أخرى لـ"العربي الجديد" أن الدول الخليجية تتحرك بين نهجَي الردع والدبلوماسية تجاه طهران، ولا تريد أن يؤدي أي تصادمٍ مباشر مع إيران إلى زعزعة استقرار المنطقة على المدى الطويل.
ووفق هذا التقرير، لا تزال إيران تحتفظ بموقعٍ جغرافي متميز وقدراتٍ عسكرية وموارد طاقةٍ وعلاقاتٍ سياسية واسعة في المنطقة. ومن جهةٍ أخرى، قد تدفع تجربة الحرب طهران إلى إعادة النظر في أسلوب ردعها وعلاقاتها الإقليمية.
كما شدد تحليلٌ آخر لموقع "العربي الجديد" على أن الحرب أثبتت أن البرنامج الصاروخي الإيراني سيبقى أحد العناصر الأساسية في الاستراتيجية الدفاعية والردعية لطهران بعد الحرب.
لهذا السبب، من المرجح أن تسعى العواصم العربية، في مرحلة ما بعد الحرب، إلى إيجاد توازنٍ بين علاقاتها بواشنطن والحفاظ على قنوات التواصل مع طهران في آنٍ واحد.
وقد يؤدي هذا المسار إلى تعزيز دور الدبلوماسية الإقليمية، وتراجع نزعة الدول العربية نحو الانحياز الكامل إلى المعسكر الأمريكي.
ولمضيق هرمز أيضاً مكانةٌ خاصة في هذه المعادلة؛ فإيران، بامتلاكها موقعاً جغرافياً على الطرف الشمالي لهذا الممر المائي، تظل لاعباً رئيسياً في أمن الطاقة والملاحة بالخليج الفارسي.
وتكشف مواقف المسؤولين الإيرانيين حيال مضيق هرمز، أن طهران لا تزال ترى في هذا الموقع أداةً من أدوات قوتها التفاوضية. غير أن استمرار أي أزمةٍ في هرمز قد يزيد من تعقيد علاقات إيران بالدول الخليجية.
وفي ختام تحليلها، تخلص “العربي الجديد” إلى أن مكانة إيران في النظام ما بعد الحرب ستتوقف إلى حدٍّ كبير على مدى نجاح طهران في بناء علاقاتٍ أمنية واقتصادية أعمق مع دول الجوار، وعلى مدى تقبّل عواصم المنطقة لنفوذها.
وفي الجانب الآخر، يبدو أن الدول العربية لا تريد أيضاً ربط أمنها ومستقبلها الاقتصادي بقرارات واشنطن وحدها، وهو ما قد يمهّد الطريق لبروز نظامٍ أكثر تعدديةً في الشرق الأوسط؛ نظامٌ تحظى فيه إيران والدول العربية وتركيا وسائر القوى الإقليمية بحصةٍ أكبر في رسم قواعد اللعبة.
