الوقت- تكشف التطورات المتلاحقة في محافظة السويداء جنوبي سوريا عن مشهد فوضوي متصاعد، إذ لم تعد الاشتباكات مقتصرة على مواجهات ميليشيا الحرس الوطني التابعة لحكمت الهجري مع القوات الحكومية السورية، بل امتدت لتشمل اقتتالاً داخلياً بين مجموعات متنافسة ضمن الميليشيا ذاتها، في مؤشر صارخ على انهيار أي تماسك تنظيمي أو عقائدي حقيقي يجمع هذه الفصائل. فقد وثّقت تقارير محلية وقوع ما لا يقل عن 25 اشتباكاً مسلحاً بين مجموعات متنافسة داخل صفوف هذا الحرس نفسه، وهي أرقام تفضح حقيقة أن ما يُروَّج له إعلامياً بوصفه "حماية للأقلية الدرزية" ليس في جوهره سوى تجمع مصالح متضاربة ومسلحة، سرعان ما تنقلب على بعضها البعض حين تغيب سلطة مركزية موحدة أو هدف جامع حقيقي يتجاوز حماية النفوذ والموارد الشخصية لقادتها. وتحمل هذه المشاهد دلالة رمزية عميقة، إذ تتحول الجهة التي طالما قدّمت نفسها كحامية للأقلية الدرزية إلى مصدر خطر مباشر على أبناء هذه الأقلية أنفسهم، في مفارقة تعكس الفجوة الواسعة بين الخطاب المعلن لهذه الميليشيا وممارساتها الفعلية على الأرض.
من "حماية الدروز" إلى ارتزاق مكشوف بغطاء إسرائيلي
يستمد الحرس الوطني في السويداء دعمه الأساسي من الحماية اللوجستية والعسكرية التي يوفرها له الاحتلال الإسرائيلي، والذي يوظف هذه الميليشيا كأداة نفوذ إقليمي داخل الأراضي السورية، مستغلاً الحساسية الطائفية المرتبطة بوجود أقلية درزية مؤثرة داخل الجيش الإسرائيلي ذاته لتبرير هذا التدخل بذريعة التضامن مع الدروز. غير أن الوقائع الميدانية تفضح الطبيعة الحقيقية لهذا المشروع، إذ تشير تقارير موثقة إلى أن مناطق واسعة من السويداء باتت فعلياً خارج سيطرة الحكومة السورية الانتقالية، وتحولت إلى ساحة نفوذ لميليشيات متورطة، بحسب تحقيقات صحفية، في أنشطة تهريب المخدرات على نطاق واسع، فضلاً عن ممارسات قمعية بحق السكان المحليين أنفسهم، شملت اختطاف رجال دين وشخصيات وطنية درزية، من بينهم رجال الدين رائد المتني وعاصم أبو فخر وماهر فلحوط، الذين تعرضوا للاحتجاز والتعذيب على يد عناصر الحرس الوطني ذاته بعد تسريب أنباء عن مساعيهم للقاء ممثلي الحكومة السورية، ما يكشف أن هذه الميليشيا لا تتورع حتى عن استهداف أبناء الطائفة التي تدّعي حمايتها إن تعارضت مصالحهم مع أجندتها.
دماء متجددة على خطوط تماس هشة
تتوالى الاشتباكات الميدانية بوتيرة شبه أسبوعية على محاور متعددة في ريف السويداء الغربي، من بلدة تل حديد إلى منطقة المعامل، مروراً بمحوري ريمة حازم وولغا وبلدة عرى، حيث يستخدم مقاتلو الحرس الوطني أسلحة رشاشة ثقيلة وقذائف هاون في مواجهات متكررة مع قوى الأمن الداخلي السورية والقوات الرديفة لها. وقد خلّفت هذه المواجهات ضحايا مدنيين مباشرين، من بينهم راعيا أغنام قُتلا في كمين نصبه عناصر الحرس الوطني بريف السويداء الغربي بعد أن تجاوزا نقاط الأمن الداخلي أثناء ممارستهما عملهما اليومي البسيط، إلى جانب أضرار مادية واسعة لحقت بمنازل مدنيين في بلدة عرى نتيجة سقوط قذائف وأعيرة نارية متفجرة قرب خطوط التماس، ما أثار حالة من الذعر والخوف الشديدين بين السكان المحليين الذين وجدوا أنفسهم رهائن لصراع لا ناقة لهم فيه ولا جمل. ويؤكد سكان محليون أن هذه الاشتباكات المتكررة أجبرت كثيراً من العائلات على الاحتماء داخل منازلها لأيام متواصلة، وسط انقطاع متكرر للخدمات الأساسية وإغلاق للطرق الرئيسية الرابطة بين قرى المحافظة، ما فاقم معاناة سكان منطقة أصلًا منهكة اقتصاديًا وإنسانيًا جراء سنوات من عدم الاستقرار.
حصيلة إنسانية مأساوية تعيد فتح جراح يوليو الدامي
يستحضر هذا التصعيد المستمر ذاكرة المجازر الدامية التي شهدتها السويداء في يوليو/تموز 2025، حين أودى أسبوع كامل من الأعمال العدائية العنيفة بحياة ما يصل إلى 1700 شخص، عقب اندلاع صراع محلي بين ميليشيات درزية وعناصر من القبائل البدوية، استدعى تدخلاً حكومياً مسلحاً تلاه سلسلة من عمليات الانتقام الوحشية، وصولاً إلى تدخل مباشر لسلاح الجو الإسرائيلي دعماً لميليشيات الحرس الوطني. وقد خلص تحقيق أممي مستقل في تلك الأحداث إلى تورط جميع الأطراف المتصارعة، من قوات حكومية وقبائل بدوية وميليشيات درزية، في ارتكاب جرائم حرب موثقة، مع تحميل الحكومة السورية القسط الأكبر من المسؤولية. هذه الخلفية الدموية تجعل من الاقتتال الداخلي الراهن بين فصائل الحرس الوطني ذاته امتداداً طبيعياً لدورة عنف لم تتوقف، بل تتغذى باستمرار على غياب أي سلطة موحدة قادرة على فرض الاستقرار وضبط السلاح المنفلت.
مأزق استراتيجي يهدد رهان إسرائيل على الميليشيات الوكيلة
يضع هذا الاقتتال الداخلي المتصاعد إسرائيل ذاتها أمام مأزق استراتيجي حقيقي، إذ يكشف أن رهانها على ميليشيا الحرس الوطني كأداة نفوذ موثوقة داخل الجنوب السوري بدأ يتصدع من الداخل، بعدما تحولت هذه الميليشيا من قوة موحدة مفترضة إلى تجمع فصائل متناحرة تتقاتل على النفوذ والموارد والمكاسب الشخصية أكثر مما تتقاتل من أجل أي قضية جماعية حقيقية. فحين يعجز طرف مسلح مدعوم خارجياً عن ضبط صفوفه الداخلية، ويصل الأمر به إلى اختطاف رجال دين من طائفته وقتل رعاة أغنام أبرياء، فإن ذلك يفضح هشاشة بنيوية عميقة تجعل من الرهان الإسرائيلي على هذه القوى الوكيلة استثماراً محفوفاً بالمخاطر، قد ينقلب في أي لحظة إلى عبء أمني وسياسي يصعب التحكم فيه، تماماً كما تنقلب هذه الميليشيات اليوم على بعضها البعض.
دروس من اقتتال المرتزقة: مشروع بلا مستقبل
في نهاية المطاف، يقدّم مشهد الاقتتال الداخلي بين فصائل الحرس الوطني في السويداء درساً بليغاً حول طبيعة المشروعات القائمة على الارتزاق والدعم الخارجي، إذ تكشف الوقائع أن الولاء الذي تشتريه القوى الخارجية بالمال والسلاح والغطاء الجوي غالباً ما يكون ولاءً هشاً، سرعان ما ينهار حين تتضارب المصالح الشخصية لقادة هذه الفصائل، تاركاً خلفه ضحايا مدنيين أبرياء يدفعون ثمن صراع لا علاقة حقيقية لهم به. ويبقى السؤال المطروح اليوم أمام السكان المحليين والمجتمع الدولي على حد سواء: إلى متى ستستمر السويداء رهينة لهذا المشروع المتصدع، وهل يمكن للحكومة السورية الانتقالية، بدعم إقليمي ودولي جاد، أن تستعيد سيطرتها الكاملة على هذه المحافظة قبل أن يتحول اقتتال المرتزقة الداخلي إلى فوضى شاملة تعصف بما تبقى من استقرار هش في جنوب البلاد؟
