الوقت - تناولت صحيفة فايننشال تايمز هذه الظاهرة في مقالٍ لها، مشيرةً إلى أن صور الفرسان الذين تعلو أرديتهم الصلبان الحمراء، وملابس مستوحاة من محاربي العصور الوسطى، باتت رائجةً في صفوف اليمين المتطرف البريطاني. وإلى جانب هذه الصور، يُنشر محتوى رقمي يمزج تمجيد «الحرب المقدسة» بأفكار تفوق العرق الأبيض ومعاداة الإسلام.
وقد برزت هذه المسألة بوضوح خلال كأس العالم 2022 في قطر، حين منعت الفيفا بعض المشجعين الإنجليز من دخول عدد من الملاعب بسبب ارتدائهم أزياء مستوحاة من فرسان الحروب الصليبية.
وبرّرت الفيفا قرارها بالقول إن مثل هذه الأزياء قد تكون مسيئةً في السياق الثقافي للعالم العربي والشرق الأوسط، ولا سيما بالنسبة إلى المسلمين، نظراً إلى الارتباط التاريخي للحروب الصليبية بالغزو والحروب التي شهدتها هذه المنطقة في العصور الوسطى.
وتقول فايننشال تايمز إن بعض من يرتدون هذه الملابس يقدّمونها على أنها مجرد تعبير عن الهوية الإنجليزية أو تحية لـ«القديس جورج»، شفيع إنجلترا، لا رسالة سياسية أو دينية.
غير أن الصحيفة ترى أن الإشكال يبدأ حين يمنح هذا التفسير المتطرفين نوعاً من «الإنكار المقبول»؛ أي إمكانية تقديم هذه الرموز أمام الرأي العام بوصفها احتفالاً بريئاً لا ضرر فيه، بينما تحمل في دوائر متطرفة معانٍ أشدّ عدائيةً وعنصريةً.
ولفهم سرّ جاذبية هذه الرموز لدى اليمين المتطرف، تعود الصحيفة إلى تاريخ فرسان الهيكل. فقد كانت هذه الجماعة تنظيماً عسكرياً ـ دينياً كاثوليكياً تأسس بعد الحملة الصليبية الأولى واحتلال القدس عام 1099.
وكان الهدف الأول لهؤلاء الفرسان حماية الحجاج القادمين من أوروبا إلى الأرض المقدسة، غير أن التنظيم تحوّل تدريجياً إلى قوة واسعة النفوذ، ثرية ومؤثرة.
وبحلول أواخر القرن الثالث عشر، كان فرسان الهيكل يمتلكون أراضٍ في أنحاء أوروبا، ولديهم أسطول في البحر المتوسط، ويتمتعون بنفوذ كبير لدى الملوك والباباوات. كما أنشأوا شبكةً ماليةً قويةً. وفي عام 1307، بدأت حملة اعتقالات واسعة لأعضاء هذه الجماعة في أوروبا بتهمة الهرطقة، قبل أن تقرر الكنيسة في عام 1312 حلّ التنظيم نهائياً.
ورغم مرور أكثر من سبعة قرون، ما زالت صورة فرسان الهيكل حاضرةً بقوة في الثقافة الشعبية؛ من الأفلام والمسلسلات إلى ألعاب الفيديو. ومن أبرز الأمثلة على ذلك «أساسنز كريد»، و«إنديانا جونز»، و«شيفرة دافنشي».
وبحسب الصحيفة، تبدأ المشكلة حين تُنتزع هذه الرموز من سياقها التاريخي وتُوظّف لتقديم صورة عن أوروبا المسيحية باعتبارها حضارةً مهددةً من جديد؛ تهديد يُشار فيه، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى المسلمين والإسلام.
ولا تقتصر هذه الظاهرة على بريطانيا وحدها؛ فقد لجأت حركات اليمين المتطرف في القرن العشرين أيضاً إلى رموز مستمدة من العصور الوسطى والمسيحية، لتقديم نفسها بوصفها حاميةً لهوية أوروبية أو غربية متخيلة.
كذلك، تحوّلت منصات مثل إنستغرام وريديت ويوتيوب إلى فضاءات رئيسية لإعادة إنتاج هذه الرموز وترويجها.
وتوضح الصحيفة أن جزءاً من المحتوى المتعلق بفرسان الهيكل قد يكون نابعاً من اهتمام طبيعي بالتاريخ؛ إذ ينشر مؤرخون وهواة تاريخ مقاطع ومواد عن هذا التنظيم وحروبه. غير أن الطرف الآخر من هذا الطيف يضمّ حسابات تستخدم صور الفرسان والصلبان والحروب الصليبية لربطها بخطاب تفوق البيض والعداء للمسلمين، وتقدّم تاريخ أوروبا على أنه معركة دينية وحضارية متواصلة.
كما أظهرت دراسات سابقة حول نشاط اليمين المتطرف البريطاني على الإنترنت، أن جماعات مرتبطة بهذا التيار استخدمت رموز فرسان الهيكل ودعايات تُصوّر المسيحية في مواجهة الإسلام، واستفادت من شبكات التواصل الاجتماعي للوصول إلى جمهور واسع.
وفي الختام، تخلص فايننشال تايمز إلى أن عودة رموز فرسان الهيكل والحروب الصليبية على يد اليمين المتطرف لا تعكس بالضرورة اهتماماً حقيقياً بالتاريخ، بقدر ما تمثل محاولةً لاستخدام ماضٍ مُعاد تشكيله، بل وخيالي إلى حد بعيد، لصناعة صورة عن الحاضر؛ صورة تبدو فيها «أوروبا المسيحية» واقعةً تحت التهديد، لتصبح هذه الصورة جزءاً من خطاب قومي وعنصري ومعادٍ للمسلمين.
