الوقت - في حين تواصل الحكومة الأمريكية رفضها تقديم التقرير النهائي حول الهجوم الذي استهدف مدرسة «الشجرة الطيبة» للبنات في "ميناب"، كشفت شبكة «سي إن إن» في تقرير حصري عن وجود تأخير غير مبرر في سير عملية التحقيق في هذا الهجوم؛ تأخيرٌ، حسب مصادر مطلعة، ناجم عن تردد القادة العسكريين الأمريكيين في الشروع بإحدى أهم مراحل التحقيقات الاستخباراتية.
ووفقًا للتقرير، وبعد أشهر على الهجوم، لم يصدر قادة الجيش الأمريكي حتى الآن أمرًا بإجراء مراجعة استخباراتية معيارية، وهي مرحلة تتم عادةً عقب العمليات العسكرية الكبرى لفحص دقة المعلومات، وطريقة اختيار الأهداف، وحجم الأضرار، وتحديد الأخطاء المحتملة. وأفادت ثلاثة مصادر مطلعة لشبكة «سي إن إن» أن هذا الإجراء توقف عمدًا، وبعكس ما هو متبع في الجيش الأمريكي، لم تُجرَ أي تقييمات استخباراتية شاملة حول هذا الهجوم.
وتطرح شبكة «سي إن إن» تساؤلًا محوريًا: لماذا امتنع القادة العسكريون الأمريكيون عن السماح بإجراء مراجعة استخباراتية كاملة، مخالفين بذلك الإجراءات المتعارف عليها؟ ووفقًا للمصادر، تُجرى مثل هذه المراجعات عادةً لاستخلاص الدروس العملية، وكشف الأخطاء، ومنع تكرارها، لكن في قضية مدرسة ميناب، ظل هذا الإجراء متوقفًا لأشهر، ما أثار انتقادات واسعة حول التستر والرقابة التي تحيط بتحقيقات الجيش الأمريكي.
ماذا تقول الشواهد المستقلة؟
صدر تقرير شبكة «سي إن إن» في وقت سبقته فيه تحقيقات مستقلة من وسائل إعلام مثل «نيويورك تايمز»، و«إن بي آر»، و«سي بي سي»، و«بي بي سي»، التي استخدمت صور الأقمار الصناعية، وبقايا الذخائر، والتحليلات الميدانية، لتؤكد مسؤولية الولايات المتحدة عن الهجوم على مدرسة ميناب. وأظهرت هذه التحقيقات أن الموقع الذي طالته الضربة كان جزءًا من منطقة عمليات الجيش الأمريكي، وأن الأدلة تتوافق مع استخدام صواريخ كروز «توماهوك» من قبل القوات الأمريكية.
كما نقلت وكالة «رويترز» عن نتائج أولية للتحقيق الداخلي في الجيش الأمريكي تفيد بأن صاروخًا أمريكيًا أصاب المدرسة، وأن السبب الرئيسي للحادث هو الاعتماد على معلومات استهداف قديمة.
وخلص تحقيق «نيويورك تايمز» الذي استند إلى صور الأقمار الصناعية والبيانات الميدانية والتحليل العسكري، إلى أن المدرسة كانت ضمن نطاق هجوم دقيق شنته أمريكا على قاعدة بحرية تابعة للحرس الثوري المجاورة لها، مشيرًا إلى أن التحقيق الداخلي للجيش الأمريكي أقر بمسؤولية الولايات المتحدة. وقد أظهرت الصور المنشورة من موقع الحادث قطعًا من نظام توجيه الصاروخ تحمل اسم شركة أمريكية، وأظهرت الفحوصات اللاحقة ارتباط هذه القطع بعقد أبرمته البحرية الأمريكية مع شركة «ريثيون» لصناعة صواريخ «توماهوك».
ورغم تحذيرات خبراء الاستخبارات من قدم بيانات الاستهداف، أقر القادة العسكريون الأمريكيون تنفيذ العملية.
تجتمع هذه الأدلة، من تقارير وسائل الإعلام الغربية والتحقيقات الأولية للمصادر الداخلية الأمريكية، لتشكل صورةً متكاملةً تؤكد الدور المباشر واللا وسيط للولايات المتحدة في الهجوم على مدرسة ميناب.
جيشٌ اعتاد التعتيم
ومع ذلك، لا بد من التنويه أن التعتيم على جريمة ميناب ليس الحالة الأولى للرقابة والتستر داخل الجيش الأمريكي، إذ تحفل سجلاته بحالات متعددة من التعتيم، والتأخير في نشر المعلومات، وسرد روايات أولية مضللة، ومنع تسريب الوثائق.
تُعد قضية مذبحة «الحديثة» في العراق عام 2005 إحدى أشهر نماذج التستر في الجيش الأمريكي. فقد أعلن الجيش في البداية مقتل 15 مدنيًا جراء انفجار عبوة ناسفة وهجوم للمتمردين، لكن بعد أشهر، كشف تقرير لمجلة «تايم» مع نشر صور وشهادات شهود عيان أن 24 مدنيًا عراقيًا، بينهم نساء وأطفال، قتلوا على يد مشاة البحرية الأمريكية. وأظهرت تحقيقات لاحقة للجيش نفسه أن القادة في سلسلة القيادة تجاهلوا علامات واضحة على المخالفات، وأن التقارير الأولية لم تكن مطابقةً للواقع.
خلال التحقيق في هذه القضية، برزت قضايا أخرى تتعلق بالتعتيم، إذ تبين فقدان صفحات سجل العمليات في يوم الحادث من مكاتب الوحدة العسكرية، كما لم يُمنح المحققون لفترة طويلة وصولًا إلى تسجيلات طائرات بدون طيار كانت يمكن أن تسهم في توضيح أبعاد الحادث، وقد لاقت هذه القضايا تغطيةً في تقارير «نيويورك تايمز» و«سي بي سي».
مثال آخر هو فضيحة سجن أبو غريب في العراق عام 2004، حيث استمرت عمليات التعذيب وسوء المعاملة لأشهر، ولم يطلع الرأي العام عليها إلا بعد نشر صور هذه الانتهاكات من قبل «سي بي سي» ووسائل إعلام أخرى. وكشفت الوثائق اللاحقة أن تقارير اللجنة الدولية للصليب الأحمر وشكاوى متعددة بشأن الانتهاكات كانت موجودةً سابقًا، لكن لم تُعلن للعامة، مما اضطر الجيش الأمريكي لإجراء تحقيقات موسعة بعد نشر الصور.
وفي عام 2010، كشف تسريب مئات الآلاف من الوثائق العسكرية عبر موقع «ويكيليكس» عن أوجه جديدة من أساليب اطلاع الجيش الأمريكي، حيث أظهرت هذه الوثائق أن العديد من الخسائر المدنية لم تُسجل في التقارير الرسمية، وأن هناك تقارير عن تعذيب السجناء على يد القوات الأمريكية لم تُتابع بشكل فعال، مما أثار نقاشًا واسعًا حول مستوى الشفافية وأساليب التوثيق في الحروب التي خاضها الجيش الأمريكي في العراق وأفغانستان.
وفي السنوات الأخيرة، أجرت «نيويورك تايمز» مراجعةً لآلاف الصفحات من وثائق البنتاغون الداخلية، ووجد أن العديد من حالات القصف الجوي التي أسفرت عن قتل مدنيين تم رفض تقاريرها بسبب مراجعات ناقصة، كما أشار إلى أن بعض هذه التقارير لم تُحقق باستخدام أدوات بسيطة متاحة مثل صور الأقمار الصناعية العامة أو الخرائط الإلكترونية، مما زاد من الانتقادات الموجهة إلى طريقة التحقيق في خسائر المدنيين خلال عمليات الجيش الأمريكي.
