الوقت- في وقتٍ كان يُفترض أن يشهد فيه قطاع غزة هدوءًا نسبيًا بعد أشهر طويلة من الحرب المدمرة، تتصاعد التحذيرات الدولية من استمرار الانتهاكات والعمليات العسكرية التي تحصد أرواح المدنيين يوميًا، وسط واقع إنساني يزداد قتامة مع استمرار الحصار وتراجع المساعدات وتعطل جهود إعادة الإعمار.
وفي أحدث المواقف الدولية، أكد مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في فلسطين أن جرائم الحرب في قطاع غزة لم تتوقف رغم اتفاق وقف إطلاق النار، مشيرًا إلى أن الحصيلة الإنسانية للانتهاكات التي يرتكبها الكيان الإسرائيلي أصبحت “مرعبة” بكل المقاييس.
الأمم المتحدة: الفلسطينيون يُقتلون في كل مكان
المتحدثة باسم مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في فلسطين، مي الشيخ، كشفت في تصريحات إعلامية عن أرقام صادمة تعكس حجم المأساة المستمرة في قطاع غزة منذ بدء سريان اتفاق وقف إطلاق النار قبل سبعة أشهر. وأوضحت أن أكثر من 880 فلسطينيًا قتلوا بنيران قوات الاحتلال خلال هذه الفترة، في وقت كان من المفترض أن تتراجع فيه العمليات العسكرية بشكل كامل.
وأكدت المسؤولة الأممية أن الأطفال والنساء والمدنيين لا يزالون يتعرضون للقتل في مختلف أنحاء القطاع، سواء داخل الخيام التي تؤوي النازحين أو في الشوارع والمناطق السكنية. وأضافت أن القصف البحري والجوي والهجمات بواسطة الطائرات المسيّرة لم تتوقف، بل استمرت بوتيرة تُظهر أن وقف إطلاق النار لم يتحول إلى حماية حقيقية للسكان المدنيين.
وأشارت الشيخ إلى أن الكيان الإسرائيلي استخدم الهدنة كغطاء لمواصلة عمليات الاستهداف والقتل، معتبرة أن ما يحدث لا يتوافق بأي شكل مع مفهوم وقف إطلاق النار أو الالتزام بالقانون الدولي الإنساني.
جرائم حرب متواصلة وسط صمت دولي
تصريحات الأمم المتحدة أعادت ملف جرائم الحرب في غزة إلى واجهة النقاش الدولي، خاصة مع استمرار سقوط الضحايا المدنيين بصورة شبه يومية. ويرى مراقبون أن ما يحدث في القطاع يمثل انتهاكًا واضحًا لاتفاقات الهدنة وللقوانين الدولية التي تحظر استهداف المدنيين أو تعريضهم للعقاب الجماعي.
وعلى الرغم من الإدانات الحقوقية المتكررة، فإن المجتمع الدولي لا يزال عاجزًا عن فرض آليات حقيقية لوقف الانتهاكات أو محاسبة المسؤولين عنها. وتتهم منظمات حقوقية عديدة الكيان الإسرائيلي بممارسة سياسة ممنهجة تقوم على إنهاك السكان المدنيين عبر القصف والحصار والتجويع والتضييق على حركة المساعدات الإنسانية.
وتؤكد تقارير أممية أن آلاف العائلات الفلسطينية لا تزال تعيش في ظروف كارثية داخل مراكز إيواء مؤقتة أو خيام تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة، في ظل استمرار الدمار الواسع للبنية التحتية والمنازل والمستشفيات والمدارس.
كارثة إنسانية مركبة تهدد حياة السكان
التحذيرات الأممية لم تقتصر على الجانب الأمني فقط، بل امتدت إلى الوضع الإنساني الذي يزداد سوءًا يومًا بعد يوم. فبحسب مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، فإن قطاع غزة يواجه “كارثة إنسانية مركبة” تشمل الغذاء والدواء والمياه والإيواء وإعادة الإعمار.
وأكدت مي الشيخ أن الكيان الإسرائيلي يتعمد خنق القطاع إنسانيًا عبر فرض قيود صارمة على دخول الغذاء والدواء والوقود، الأمر الذي أدى إلى تفاقم معاناة السكان، خاصة في ظل اعتماد غالبية أهالي غزة على المساعدات الإنسانية بعد فقدان مصادر الدخل وتدمير قطاعات اقتصادية كاملة.
كما أشارت إلى أن حالة النزوح الجماعي لا تزال تؤثر على معظم سكان القطاع، حيث تعيش مئات الآلاف من العائلات في ظروف قاسية على طول الشريط الساحلي وفي مناطق مكتظة تفتقر للخدمات الأساسية. وتسبب هذا الواقع في انتشار الأمراض ونقص الرعاية الصحية وتراجع القدرة على توفير المياه النظيفة والغذاء الكافي.
تقليص المساعدات يعمّق المأساة
وفي موازاة التحذيرات الأممية، أصدر مكتب الإعلام الحكومي في غزة بيانًا حذر فيه من استمرار تقليص المساعدات الإنسانية والوقود، معتبرًا أن ذلك يهدد بتوسيع دائرة المجاعة والانهيار الصحي في القطاع.
ووفق البيان، فإن حركة السفر عبر معبر رفح خلال الفترة بين 15 و21 مايو لم تتجاوز 28% فقط من العدد المستهدف، حيث سُمح لـ403 مسافرين بالمغادرة من أصل 2400 حالة كان يفترض سفرها، ما يعكس استمرار القيود المفروضة على تنقل المرضى والطلاب وأصحاب الاحتياجات الإنسانية.
أما فيما يتعلق بالمساعدات، فقد دخل إلى غزة خلال الفترة نفسها 2287 شاحنة فقط، من أصل أكثر من 4200 شاحنة كانت متوقعة، بعجز تجاوز 70%. ويعني ذلك أن كميات الغذاء والدواء والمواد الأساسية التي تصل إلى السكان تبقى أقل بكثير من الاحتياجات الفعلية لسكان القطاع.
ويرى مسؤولون محليون أن استمرار هذه القيود يحول دون أي فرصة لتعافي القطاع أو استقرار الأوضاع الإنسانية، خصوصًا مع تدمير شبكات الكهرباء والمياه والصرف الصحي وغياب الإمكانيات اللازمة لإعادة الإعمار.
انهيار القطاع الصحي وتفاقم معاناة الجرحى
القطاع الصحي في غزة يُعد من أكثر القطاعات تضررًا بفعل الحرب والحصار المستمرين. فقد أكدت منظمة الصحة العالمية أن آلاف الجرحى لا يتلقون العلاج الكافي بسبب نقص الأدوية والمعدات الطبية، إضافة إلى خروج عدد كبير من المستشفيات والمراكز الصحية عن الخدمة.
وتواجه الطواقم الطبية ظروفًا شديدة الصعوبة، مع استمرار الضغط الهائل على المستشفيات القليلة العاملة، في وقت يعاني فيه المرضى من نقص الوقود اللازم لتشغيل الأجهزة الطبية وسيارات الإسعاف.
كما حذرت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “أونروا” من أن أزمة غزة تجاوزت حدود السياسة، لتتحول إلى أزمة شاملة تمس الغذاء والصحة والمياه والإيواء والتعليم. وأكدت الوكالة أن استمرار الوضع الحالي يهدد بحدوث انهيار إنساني كامل إذا لم يتم التدخل بشكل عاجل.
غزة بين الألم والصمود
ورغم حجم الدمار والمعاناة، يواصل سكان غزة التمسك بالحياة في ظروف بالغة القسوة. فالأحياء المدمرة والخيام المنتشرة على امتداد القطاع باتت شاهدة على مأساة إنسانية غير مسبوقة، بينما يعيش الأطفال والنساء وكبار السن تحت تهديد دائم من القصف والجوع والمرض.
وفي كل يوم، تتجدد القصص المؤلمة لعائلات فقدت أبناءها أو منازلها أو مصادر رزقها، وسط شعور متزايد بأن العالم لا يفعل ما يكفي لوقف هذه الكارثة.
ومع استمرار التحذيرات الأممية من تدهور الأوضاع، يبقى السؤال الأكبر: إلى متى سيظل قطاع غزة يدفع ثمن الحرب والحصار والانقسام الدولي، بينما تتآكل فرص الحياة الكريمة لملايين الفلسطينيين؟
