الوقت – لم تمض مدة طويلة على انتخاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الشخص المعروف بنزعته الشعوبية، حتى استشعرت البلدان الاوروبية الخطر الناجم عن توجهات وحركات مشابهة.
في هذا الصدد أعلن رئيس الوزراء الايطالي، ماتيو رينزي استقالته اثر فشله في تشريع الاصلاحات التي طالب باجرائها على دستور البلاد، وهو ما يعد في الدرجة الأولى انتصارا للقوى الشعبوية في ايطاليا، ويهدد بأزمة مالية قد تضرب ثالث أكبر اقتصاد في اوروبا.
وأشارت صحيفة واشنطن بوست الى أن انتصار الشعوبيين في ايطاليا ما يزال غير مؤكد، لان حزب رينزي أي الحزب الديمقراطي الذي يعد من الأحزاب اليسارية المعتدلة ما يزال يسيطر على البرلمان، فيما لن تشهد البلاد انتخابات حتى العام المقبل، ولكن حاليا يعتمد كل شيء على تشكيلة الحكومة الجديدة ومدى نجاح الأحزاب المعارضة لاستقبال المهاجرين والبقاء في الاتحاد الأوروبي.
وخلال احصاء الأصوات يوم أمس، وبعد احصاء أكثر من 90 في المائة من الأصوات، اتضح أن 60 في المائة من المشاركين في الاقتراع قد رفضوا رأي رينزي. وبنظرة اكثر دقة يمكننا القول إن هذه الأصوات تعني بقاء الحالة القائمة وعدم اجراء تغيير مهم، حيث أن الدستور سيبقى على حاله ولن يُمس.
رغم ذلك، فإن الاستفتاء من اجل تغيير البنية السياسية للبلاد والحد من دور البرلمان، كان قد تحول منذ مدة الى اقتراع حول الثقة برينزي، الرجل الذي ظهر بدور المقاتل الوحيد في مواجهة معارضي الاتحاد الأوروبي. وثابر رينزي الذي استلم السلطة في فبراير عام 2014 من أجل التغلب على البطالة وتحسين الأوضاع الاقتصادية لبلاده.
وتعد حركة النجوم الخمسة، أهم معارضي رينزي، حيث كانت قد اطلقت حملة واسعة ضد رئيس الوزراء، استطاعت أن تحصل على دعم عدد من أعضاء الحزب الحاكم. ويرى بعض السياسيين أن تعديل الدستور أمر عام في ظل الظروف القائمة والمشاكل التي تواجهها البلاد مثل امواج المهاجرين. فيما يوجه البعض انتقادات لهذه التعديلات حيث يرون أنها تلغي الاشراف على أداء رئيس الوزراء ومراقبته.
وقد حكمت ايطاليا خلال السنوات السبعين الماضية 63 حكومة مختلفة، وهي بلد تجرع انعدام الاستقرار السياسي مرارا. وإن ما سيحصل لاحقا يعتمد الى درجة كبرية على الرئيس الايطالي سيرجيو ماتاريلا الذي يجب أن يعين شخصا جديدا لتشكيل الحكومة كما يتعين عليه اتخاذ قرار حول اجراء انتخابات مبكرة أو لا. ويعد اجراء الانتخابات المبكرة من المطالب الرئيسية لحركة النجوم الخمسة التي تعد حاليا ثاني أهم الاحزاب السياسية في الساحة الايطالية.
ولكن يضاف الى الجوانب السياسية للأمر، احتمال وجود تبعات اقتصادية ايضا، حيث تضرب المصارف الايطالية أمواج ناجمة من الاوضاع الحالية المجهولة. فبمجرد أن اعلن رينزي عن استقالته، تراجع سعر صرف اليورو أمام الدولار بنسبة واحد في المائة، فيما لا يزال الخبراء يتكلمون بحذر عن التأثيرات الاقتصادية لهذا الأمر.
والآن بعد استقالة رينزي، من المحتمل أن تحاول الأحزاب السياسية الرئيسية في ايطاليا أن تغير قانون الانتخابات مما يجعل تشكيل الحكومة من دون تكوين ائتلاف واسع امرا بعيد المنال وبذلك ستمنع استلام السلطة من قبل أي حركة معارضة للبنية السياسية.
لقد حاول معارضو رينزي ركوب موجة النظرات السلبية الى قدرة الطبقة السياسية الحاكمة في مواجهة التأثيرات السلبية للعولمة والأزمة الاقتصادية في العقد الماضي. وفي هذا الصدد ترى حركة النجوم الخمسة المعروفة برفضها للاتحاد الاوروبي ونيلها دعما من عناصر يمنيين ويساريين، ترى ان انتصار دونالد ترامب في الانتخابات الأمريكية أمر ايجابي لهذه الحركة.
وأعلنت حركة النجوم الخمسة رغبتها بتنفيذ تعديلات رئيسية ومبدئية، حيث تطالب هذه الحركة بخفض الضرائب وكذلك ضمان دفع رواتب المواطنين. كما تطالب الحركة بالغاء القيود التي وضعها الاتحاد الاوروبي على التكاليف، ومن أهم مطالب هذه الحركة اجراء اقتراع عام – مشابه لاقتراع بريكست في بريطانيا- للخروج من الاتحاد الأوروبي.
ورغم كل ما ذُكر فإن نتائج دراسات اجرتها مؤسسة "بيو" مطلع العام الميلادي الجاري، أظهرت سخط ثلثي الشعب الإيطالي على اداء الاتحاد الاوروبي في الشؤون المالية، إلا أن أغلب هؤلاء ينظرون الى الاتحاد الأوروبي بايجابية. ولكن بالنظر الى التطورات التي شهدتها البلدان الأوروبية الأخرى، فقد تراجعت شعبية الاتحاد الاوروبي في ايطاليا.