الوقت – قال السيد مصيب نعيمي، الخبير في شؤون غرب آسيا ولبنان إن المنطقة تمرّ حالياً بمنعطف بالغ الدقة من التحولات الإقليمية، حيث باتت الأوضاع، لا سيما في لبنان والأراضي المحتلة، أشدّ حساسيةً من أي وقت مضى. وتكتسب هذه الحالة أهميةً مضاعفةً داخل الكيان الصهيوني، منبثقةً من عدة عوامل: أولها، إخفاقات الكيان الصهيوني في مواجهة إيران؛ وثانيها، توجّس الصهاينة من رد فعل المقاومة في المنطقة؛ وثالثها، اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية (الكنيست) المزمع إجراؤها في غضون 40 إلى 50 يوماً.
نتنياهو في مأزق سياسي خانق
في المشهد الراهن، لا يحظى رئيس وزراء الكيان الصهيوني، بنيامين نتنياهو، بمكانة مريحة في استطلاعات الرأي. ويُعزى هذا التراجع، من جهة، إلى إخفاقاته المتتالية أمام إيران، ومن جهة أخرى، إلى عجزه عن توفير مظلة أمنية داخل الأراضي المحتلة. وعلاوةً على ذلك، فإن أسلوب تعاطيه وأدائه مع “ترامب” قد زاد من طين مشكلاته السياسية بلةً. بل إن نتنياهو بات متهماً بممارسة الخداع والمراوغة مع ترامب حتى في ملف وقف إطلاق النار في غزة، لتتضافر هذه التطورات مجتمعةً وتضع مكانته الداخلية في مهبّ تحديات عاصفة.
الهروب إلى الأمام في الساحة اللبنانية
مدفوعاً بوضعه المتأزم داخلياً وخارجياً، انزلق نتنياهو نحو اتخاذ خطوات باهظة التكلفة إقليمياً. فخلال الأسابيع المنصرمة، شهدنا مراراً وتكراراً تصعيداً في وتيرة العمليات الصهيونية في لبنان، حيث وُضع المدنيون في بنك الأهداف بمناطق متفرقة من الجنوب اللبناني؛ في حين تتذرع تل أبيب عادةً باستهداف مقرات ومواقع تابعة لحزب الله. وفي غضون اليومين الماضيين فحسب، تجلى هذا التصعيد في قصف عنيف طال أحد المستشفيات وهجمات استهدفت أنحاء متفرقة من مدينة النبطية. وتندرج هذه الخطوات، على ما يبدو، ضمن مساعي نتنياهو لتأجيج المناخ الأمني في المنطقة، وتلميع صورته في الداخل الصهيوني بصفته رئيس وزراء جريء ومتعطش للقتال. غير أن هذه الرعونات لم تنجح حتى اللحظة في ترميم مكانته المتصدّعة في أوساط الرأي العام الإسرائيلي.
مرتفعات “علي الطاهر”: ذريعة تل أبيب الجديدة
لطالما لوّح الصهاينة خلال الأشهر الماضية بمسألة احتلال مرتفعات “علي الطاهر” الواقعة في الجنوب اللبناني، والتي تكتسب أهميةً عسكريةً استراتيجيةً نظراً لموقعها الجغرافي وإشرافها على المناطق المحيطة بها. ويزعم الصهاينة وجود شبكة من الأنفاق في هذه المرتفعات، متذرعين بأن هدفهم هو السيطرة على المنطقة وتدمير تلك الأنفاق. غير أنه لم تُنشر حتى الآن أي صور أو أدلة مستقلة تثبت صحة هذه المزاعم. ورغم أنه لا يمكن استبعاد احتمالية وجود تحصينات عسكرية لحزب الله في تلك البقعة تماماً، إلا أن الطريقة التي يسوّق بها المسؤولون الصهاينة لهذه القضية، وحملاتهم الدعائية المكثفة حول أهمية السيطرة عليها، تفتح الباب واسعاً أمام احتمالية أن تكون حكومة نتنياهو بصدد استغلال هذا الملف إعلامياً لاختلاق انتصار عسكري وهمي.
صمت المقاومة المدروس
في خضم هذه الأجواء، آثر حزب الله النأي بنفسه عن الردود الانفعالية أو المتسرعة على الادعاءات الصهيونية المتعلقة باحتلال مرتفعات “علي الطاهر”. فهذا الصمت التكتيكي المدروس يمنح المقاومة مساحةً كافيةً لتفنيد المزاعم الصهيونية وكشف أبعادها في التوقيت المناسب. وحتى يومنا هذا، انصبّت جُل بيانات حزب الله ومواقفه على فضح جرائم الكيان الصهيوني وهجماته، متجنباً الانجرار المباشر إلى مستنقع الجدل حول تلك المرتفعات. ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة صمت حزب الله كجزء لا يتجزأ من الإدارة الإعلامية والعملياتية الحكيمة لمسرح الأحداث.
تلاشي ثقة بيروت بتل أبيب
ويبدو أن الحكومة اللبنانية، من جانبها، باتت تنظر بعين الريبة، أكثر من أي وقت مضى، تجاه سلوكيات الكيان الصهيوني. ففي الأيام الأخيرة، وعلى الرغم من إفراج الكيان عن خمسة أسرى لبنانيين، إلا أن نيرانه طالت في الوقت عينه عشرات المواقع الأخرى في لبنان. هذه المفارقة رسّخت قناعةً لدى بيروت بأن مسار المفاوضات وحده أضعف من أن يلجم جموح تل أبيب. وتستحضر هذه التجربة في الذاكرة اللبنانية تاريخ المفاوضات الفلسطينية-الصهيونية في اتفاقيات كـ “أوسلو”؛ وهي اتفاقيات يرى المنتقدون أنها طالما تعرضت للتقويض والانتهاك إثر إبرامها بفعل الإجراءات الصهيونية الأحادية.
حدود القوة الإسرائيلية
على النقيض من الآلة الدعائية الصهيونية الضخمة، تكشف الوقائع الميدانية عن قيود تكبّل يدي تل أبيب وتمنعها من ممارسة ضغط حاسم على حزب الله. فالمجتمع اللبناني أثبت، في محطات تاريخية عدة، استعداده لتحمل الأثمان الباهظة في مواجهة الاحتلال والعدوان الخارجي، وهو ليس في وارد التنازل عن مقاومته ومطالبه المشروعة كضريبة لوقف الهجمات. وعليه، فإن شن الكيان الصهيوني لعمليات عسكرية في لبنان لا يُترجم بالضرورة إلى تحقيق أهدافه السياسية والاستراتيجية؛ فثمة بون شاسع بين امتلاك القدرة على شن الهجمات، والقدرة على قلب المعادلات السياسية والأمنية وتغيير قواعد اللعبة.
وحدة الساحات وتلاحم الجبهات
لا يمكن مقاربة التطورات المستقبلية في المنطقة بمنطق الجزر المعزولة لكل جبهة على حدة. فما يجري في المشهد الإيراني يلقي بظلاله حتماً على المعادلات في لبنان واليمن والعراق، وتطورات أي جبهة من هذه الجبهات تتفاعل عضوياً مع بقية الساحات. وفي الرؤية الاستراتيجية لتيار المقاومة، لا يُنظر إلى الولايات المتحدة والكيان الصهيوني كلاعبين منفصلين في الرقعة الإقليمية، ولذا، يتعاطى محور المقاومة مع أحداث المنطقة بوصفها منظومةً متشابكةً ومتلاحمة الأطراف.
لكل جبهة معادلتها
واليوم، تتفرد كل ساحة من ساحات الصراع بموقعها ومعادلاتها الخاصة. ففي اليمن، من شأن التحولات أن تنسج معادلات جديدة، وفي لبنان، يرسم صمود المقاومة جانباً مهماً من الملامح المستقبلية للمنطقة. وفي غضون ذلك، يستميت الكيان الصهيوني لإطالة أمد الأزمة وإدامة حالة الحرب، إلا أن الداخل الإسرائيلي يطفح، في الوقت عينه، بمؤشرات التخبط والضغط الخانق؛ بدءاً من شبح الهجرة المعاكسة، وهروب رؤوس الأموال، وصولاً إلى انحسار حركة الوافدين الأجانب. هذه العوامل مجتمعةً أحالت ظروف هذا الكيان إلى مأزق حقيقي.
اللعب على وتر الزمن
انطلاقاً من هذه الزاوية، يلهث الكيان الصهيوني وراء إطالة أمد الحرب، متوهماً قدرته على تطويع الظروف لصالحه مستقبلاً. غير أن استمرار رحى الحرب يفرض ضرائب باهظة على كاهل واشنطن وتل أبيب معاً، وبات الحديث عن عودة الأوضاع بسلاسة إلى ما تشتهيانه ضرباً من الخيال. وهذا لا يعني بالضرورة حتمية الانهيار المباغت والشامل؛ بل نحن بصدد مسار تدريجي استنزافي من شأنه أن ينخر في عظام الطرف الآخر ويضعفه يوماً بعد يوم، حتى وإن ظلت بعض أبعاده متواريةً عن أنظار الرأي العام. وفي هذا الإطار، يمكن قراءة التقارير التي تتحدث عن مساءلة عدد من العسكريين الأمريكيين، وتصاعد حملات الاعتقال والملاحقات الأمنية داخل الكيان الصهيوني، كمؤشر ساطع على حجم الضغوط المتعاظمة التي تحاصر الطرف الآخر.
الزمن يعمل لصالح المقاومة
في المقابل، يبدو أن عقارب الساعة تدور في صالح تيار المقاومة، وهو ما ستجلّيه التحولات المستقبلية بوضوح أكبر. ولأجل ذلك، لا ينبغي اتخاذ الأحداث العابرة والموضعية، كاستهداف سفينة في مياه الخليج الفارسي أو السيطرة على تلة، معياراً أوحد للحكم على مآلات الحرب. فهذه التطورات، وإن كانت تكتسي أهميةً تكتيكيةً، إلا أنها لا تعني حكماً إحداث تغيير جذري في معادلات الحرب، ومن المجازفة استباق النتائج النهائية للصراع استناداً إلى نجاحات سطحية ومؤقتة.
انسجام محور المقاومة
وفي نهاية المطاف، يبقى الرصيد الأثمن هو صمود الشعوب وتلاحم صفوف محور المقاومة. ففصائل المقاومة في العراق واليمن وإيران ولبنان، جنباً إلى جنب مع القوى الحليفة في سوريا، ترصد التطورات بعيون ساهرة، وكل جبهة تلقي بثقلها وتؤثر في المسار العام للأحداث، كلٌّ وفق طاقاتها وموقعها الاستراتيجي. وهذا التناغم والترابط الوثيق بين شتى الجبهات، سيلعب دوراً مفصلياً في صياغة المعادلات المستقبلية للمنطقة؛ لا سيما في ظل ظروفٍ تجاوزت فيها الحرب نطاق المواجهة المحدودة بين طرفين، لتستحيل إلى منظومة معقدة من الجبهات المتلاحمة والمترابطة عضويّاً.
