الوقت - فاقمت الحرب الطويلة في أوكرانيا أحد أهم التحديات التي تواجه البلاد، ألا وهو أزمة القوى العاملة في الجيش؛ وهي أزمة تتجلى بوادرها في ازدياد حالات الفرار من الخدمة العسكرية، والانسحاب من الوحدات، ومقاومة التجنيد، بل وحتى فرار بعض الجنود أثناء دورات التدريب خارج أوكرانيا. وبينما لا تزال كييف بحاجة إلى قوات جديدة لتعويض الخسائر والحفاظ على خطوط المواجهة، أصبح استنزاف القوات القديمة وصعوبة تجنيد قوات جديدة من المشكلات الهيكلية للجيش.
الفرار من الجبهة؛ ناقوس الخطر في الجيش الأوكراني
يشهد الجيش الأوكراني هذه الأيام ظاهرة الفرار من الجبهة بشكل متكرر. من أكثر الأمثلة إثارةً للجدل اللواء الميكانيكي 155، المعروف باسم "آن كييف"، وهي وحدة كان من المفترض أن تكون نموذجًا ناجحًا لإعادة بناء الجيش الأوكراني وفقًا لمعايير حلف شمال الأطلسي (الناتو) بالتدريب والمعدات الغربية. إلا أن اللواء واجه موجة من حالات الغياب والفرار غير المصرح بها. وذكر المركز البولندي للدراسات الشرقية في تقرير له أن ملفات اللواء سجلت حالات فرار حتى أثناء التدريب خارج أوكرانيا، بما في ذلك في فرنسا وبولندا.
وفي ديسمبر/كانون الأول 2024، نقلت صحيفة فايننشال تايمز عن مسؤول أمني بولندي أن ما معدله 12 جنديًا أوكرانيًا يختفون أو يفرون شهريًا أثناء التدريب العسكري في بولندا. هذا الرقم يعود لعام 2024، ولكنه يُظهر أن حتى دورات التدريب خارج الميدان ليست بمنأى عن أزمة فرار الأفراد في الجيش الأوكراني.
اللواء الهامشي الذي كشف الأزمة
لم تقتصر قصة اللواء 155 على بولندا. فرّ عدد من الجنود خلال تدريب اللواء في فرنسا، وأكد مسؤولون فرنسيون هذه الحالات، مع تأكيدهم على أن عدد الفارين ضئيل جدًا مقارنةً بإجمالي عدد القوات المدربة. في الوقت نفسه، فُتح تحقيق في أوكرانيا حول المشاكل التنظيمية للواء، ونُشرت تقارير عن ارتفاع معدل الغياب غير المصرح به خلال تشكيله وتدريبه.
لكن مشكلة الجيش الأوكراني اليوم أوسع بكثير من مجرد لواء واحد أو مركز تدريب واحد. فقد أفاد المركز البولندي للدراسات الشرقية في تقرير صدر في أبريل/نيسان 2026 أن أكثر من 80% من حالات الفرار تحدث خلال المرحلة التدريبية الأولية. ووفقًا للمركز، فإن أحد العوامل المساهمة هو نقل المجندين الجدد إلى الوحدات الهجومية في أصعب مناطق الجبهة؛ بالإضافة إلى ذلك، ساهم الاكتظاظ في مراكز التدريب، والظروف غير الملائمة، وسوء التنظيم، ونقص المدربين ذوي الخبرة في تفاقم هذه المشكلة.
حرب استنزاف. يواجه الجيش الأوكراني نقصًا حادًا في الأفراد.
ويشير تقرير صحيفة وول ستريت جورنال إلى حلقة مفرغة في الجيش الأوكراني، حيث يُفاقم نقص الأفراد الضغط على القوات الموجودة، مما يزيد بدوره من الإرهاق والاستياء، ويؤدي الإرهاق إلى زيادة حالات الفرار وانخفاض تدفق القوات الجديدة. كما أن غياب التناوب المنتظم للقوات يُزيد من الإجهاد البدني والنفسي على الجنود ويُقلل من فعاليتهم القتالية.
في الواقع، تسببت الحرب الطويلة في بقاء جزء كبير من القوات الأوكرانية في حالة عملياتية لسنوات. وفي ظل هذه الظروف، أصبح توفير الأفراد لاستبدال الوحدات المنهكة أمرًا بالغ الصعوبة.
التجنيد الإجباري؛ فجوة بين الدولة والمجتمع
من جهة أخرى، لا تقتصر الأزمة على الثكنات والجبهة فحسب، بل امتدت إلى المجتمع. ففي يوليو/تموز 2026، اندلعت اشتباكات عنيفة في مدينة لفيف بين مجموعة من المواطنين ومجندين، حيث قام المتظاهرون بقلب سيارة تابعة للمجندين. تشير هذه الحوادث إلى ازدياد الحساسية الاجتماعية تجاه آلية التجنيد الإجباري في أوكرانيا.
بعض الجنود الذين يلتحقون بالجيش الأوكراني اليوم ليسوا بالضرورة متطوعين أو يخدمون بدافع عسكري. تسمح قوانين التجنيد للحكومة باستدعاء الرجال المؤهلين في ظل الأحكام العرفية؛ إلا أن التقارير الإعلامية والاحتجاجات العديدة على آلية التجنيد تُظهر أن مقاومة التجنيد أصبحت مشكلة اجتماعية خطيرة. يجادل المسؤولون الأوكرانيون بأن البلاد في حالة حرب وتحتاج إلى قوة بشرية للدفاع عن نفسها؛ ومع ذلك، فإن ازدياد الاحتجاجات والتهرب من التجنيد ومحاولات البعض منعه تشير إلى اتساع الفجوة بين احتياجات الحكومة العسكرية واستعداد شريحة من المجتمع لمواصلة الحرب.
من الاحتجاجات الشعبية إلى التهرب من التجنيد
في أغسطس/آب 2026، أعلن جهاز الأمن الأوكراني عن تحديد عدة شبكات للتهرب من التجنيد وتلقي مبالغ مالية لإخراج الأفراد من عملية التجنيد. هذا يدل على أن قضية الفرار من الخدمة لم تعد مجرد سلوك فردي، بل أصبحت في بعض الحالات شبكات منظمة للالتفاف على نظام التجنيد.
أنشأت وزارة الدفاع الأوكرانية برنامجًا رسميًا لإعادة الجنود الذين غادروا وحداتهم دون إذن، يسمح لهم، بشروط معينة، بالعودة وحتى اختيار وحدة جديدة. ويشير وجود هذا البرنامج إلى الأبعاد الكبيرة لمشكلة الفرار من الخدمة العسكرية في المؤسسة العسكرية.
نقطة ضعف كييف: القوى العاملة
يأتي هذا الوضع في وقت يواجه فيه الجيش الأوكراني نقصًا حادًا في القوى العاملة، ومشاكل في المعدات، وضغطًا عملياتيًا شديدًا. وقد حذر المسؤولون العسكريون الأوكرانيون مرارًا وتكرارًا من نقص القوى العاملة وضرورة تجنيد جنود جدد، وحاولت كييف تعزيز عملية التجنيد من خلال تعديل قوانين التعبئة العامة واستخدام الحوافز المالية.
بشكل عام، لا يمكن اعتبار ما يُلاحظ في الجيش الأوكراني مجرد حالات فرار متفرقة. فقد خلقت حرب الاستنزاف، ونقص القوى العاملة، وفترات الخدمة الطويلة، والضغط المستمر على الجبهة، وعدم كفاية تناوب القوات، وصعوبة تجنيد جنود جدد، مجموعة من المشاكل التي تؤثر بشكل مباشر على معنويات الجيش وقدرته القتالية.
حالات الفرار أثناء التدريب في بولندا وفرنسا، والاحتجاجات على أسلوب التجنيد في المدن الأوكرانية، والتأكيد المتكرر من قبل المسؤولين العسكريين على نقص القوى العاملة، كلها مظاهر مختلفة لمشكلة واحدة، وتُظهر أن الجيش الأوكراني بحاجة إلى المزيد من الجنود لمواصلة حرب طويلة، لكن إيجاد أشخاص مستعدين للدفع مقابل ذلك بات أمرًا بالغ الصعوبة.
