الوقت - على الرغم من إدخال تعديلات على القوانين المتصلة بالعنف الجنسي، لا تزال باكستان تواجه أزمةً خطيرًة في مسار التعامل القضائي مع قضايا الاغتصاب؛ إذ تُظهر دراسة أعدّتها منظمة حقوق الإنسان «Equality Now» أن نسبة الإدانة في قضايا الاغتصاب في هذا البلد لا تتعدى 0.5 في المئة.
ويبيّن تقرير «العربي الجديد» أنّ طول أمد التحقيقات والمحاكمات، وضعف تنفيذ القوانين، والاختلالات في إجراءات الفحوص الطبية والطبّ الشرعي، فضلاً عن التسويات غير القانونية خارج أروقة المحاكم، تُعدّ من أبرز العوامل التي حالت دون وصول كثير من الضحايا إلى العدالة.
وتقول سحر بنديال، المحامية الباكستانية والمسؤولة عن إعداد تقرير منظمة Equality Now، إنّ باكستان شهدت خلال العقد الماضي إصلاحات قانونية في مجال مكافحة العنف الجنسي، غير أنّ هوّةً عميقةً ما زالت تفصل بين النص القانوني وتطبيقه على أرض الواقع.
وتؤكد بنديال: «إنّ القوانين التي أُقرّت ثم ظلّت تُهمَل ولا تُطبَّق، لا بدّ من إنفاذها». وتضيف أنّ بعض المفاهيم الحديثة المتعلقة بالرضا الجنسي والعنف الجنسي لم تُرسَّخ بعد بصورة صحيحة لدى الشرطة، والعاملين في الطب الشرعي، والجهاز القضائي.
وكانت باكستان قد حظرت، عام 2021، ما يُعرف بـ«اختبار الإصبعين» لتحديد عذرية الضحايا، غير أنّ التقرير يشدّد على أنّ الإصلاحات القانونية وحدها لم تفلح في معالجة الاختلالات البنيوية داخل جهاز العدالة.
وتُعدّ إطالة أمد الإجراءات القضائية من أبرز المشكلات. فبحسب بنديال، ينبغي في الظروف الطبيعية البتّ في قضية الاغتصاب خلال نحو ثلاثة إلى أربعة أشهر، لكنّ هذا المسار يستغرق عملياً بين عامين وثلاثة أعوام.
وينصّ قانون الإجراءات الجنائية في باكستان على إنجاز التحقيقات خلال 14 يوماً، إلا أنّ التحقيقات في كثير من القضايا تمتد لأشهر طويلة، كما يتأخر بدء المحاكمة إلى حين انتهاء التحقيقات.
ولا يقتصر أثر بطء التقاضي على إنهاك الضحايا نفسياً، بل يحمّلهم أيضاً أعباء قانونية باهظة. كما أنّ محدودية الوصول إلى المساعدة القانونية تدفع كثيراً من الضحايا أو أسرهم، في نهاية المطاف، وتحت وطأة الضغوط المالية أو التهديد أو الإرهاق من ملاحقة القضية، إلى القبول بتسويات خارج المحكمة.
وتشير بنديال إلى إنشاء محاكم خاصة واستحداث مراكز لمكافحة الاغتصاب، لكنها تقول إنّ هذه الآليات تواجه، في التطبيق العملي، مشاكل جدّية.
وتوضح: «كل هذه القوانين موجودة على الورق، لكن الإرادة السياسية لدى الحكومة لتطبيقها غير متوافرة».
وبحسب هذه المحامية، فإنّ دعم الضحايا، وحماية الشهود، وتوفير الرعاية النفسية، وإنشاء دور إيواء، هي أيضاً من التدابير المنصوص عليها في القانون، إلا أنّ تنفيذها يعتريه قصور بالغ.
ولإظهار عمق الأزمة، يشير تقرير «العربي الجديد» إلى قضية مختار مائي، الناشطة الباكستانية في مجال حقوق النساء. فقبل نحو 24 عاماً، وبعد تعرّضها لاغتصاب جماعي، لجأت إلى القضاء ضد الجناة، وخاضت معركةً امتدت 17 عاماً طلباً للعدالة.
وقد أُدين ستة من المتهمين في البداية، غير أنّ المحكمة العليا في باكستان عادت في نهاية المطاف فبرّأت خمسة منهم، مستندةً إلى عدم كفاية الأدلة المؤيدة، ووجود ثغرات في المسار القضائي، والشك في قدرة الضحية على التعرّف إلى المعتدين، فيما أبقت حكم السجن المؤبد بحق متهم واحد فقط.
وبعد اطّلاع مختار مائي على نتائج تقرير Equality Now، قالت إنه يعكس واقعاً عايشته بنفسها على مدى سنوات.
وتقول: «تبقى القوانين حبيسة الكتب؛ لا تُستخدم أبداً. وعندما تعود الضحايا من المحاكم، يعانين كما لو أنّهن هنّ من ارتكبن الخطيئة».
وحذّرت أيضاً من أنّ الفقراء، مقارنةً بالأثرياء، يملكون فرصاً محدودةً جداً للوصول إلى العدالة، مؤكدةً أنّ الوضع لن يتغير ما لم تُنفَّذ القوانين تنفيذاً حقيقياً.
وتتمثل مشكلة أخرى بالغة الأهمية في النظرة السائدة لدى جزء من المجتمع ومنظومة العدالة الجنائية في باكستان. إذ تقول بنديال إنّ ثمة «ثقافة انعدام ثقة» راسخة، وإنّ الاعتقاد بأن كثيراً من النساء اللواتي يتقدمن بشكاوى بشأن العنف الجنسي يكذبن، لا يزال واسع الانتشار.
