الوقت - وفق هذا التقرير، فإن أكثر من 90% من سكان العالم يستهلكون اللحوم بشكلٍ أو بآخر، ما يعني أن أي خللٍ في سلسلة الإنتاج سينعكس مباشرةً على الأسواق وموائد الأسر.
وتشير إحصاءات وزارة الزراعة الأميركية إلى أن عدد الأبقار والعجول في الولايات المتحدة بلغ في مطلع عام 2026 نحو 86.2 مليون رأس، وهو أدنى مستوى تاريخي على الإطلاق. كما بلغ عدد الأبقار الحلوب المنتجة 27.6 مليون رأس، بانخفاضٍ نسبته 1% عن العام الماضي.
ولا تختلف الحال كثيراً في البرازيل والصين، إذ تشهدان بدورهما تراجعاً في أعداد المواشي. فبحسب تقديرات وزارة الزراعة الأميركية، بلغ قطيع الأبقار في البرازيل نحو 177.4 مليون رأس في عام 2026، أي أقل بنحو 8% مقارنةً بعام 2024. أما في الصين، فقد تراجع عدد المواشي من 105 ملايين رأس عام 2024 إلى نحو 94 مليون رأس في عام 2026.
وقد انعكس هذا التراجع مباشرةً على حجم إنتاج اللحوم؛ إذ تتوقّع وزارة الزراعة الأميركية أن ينخفض إنتاج لحوم الأبقار في البرازيل بنسبة 2% تقريباً خلال عام 2026، وفي الولايات المتحدة بنسبة تقارب 4%. كما يُتوقَّع أن يتراجع إنتاج لحوم الأبقار في الصين بنسبة 12% تقريباً مقارنةً بعام 2024.
وتزيد موجات الجفاف الطين بلّةً؛ إذ نقلت “الجزيرة” عن مؤسسة “S&P Global” أن نحو 60% من مناطق تربية المواشي في الولايات المتحدة باتت متأثرةً بالجفاف. وقد أدّى تراجع المراعي إلى ارتفاع تكاليف الأعلاف، ما دفع كثيراً من المربّين إلى تقليص أحجام قطعانهم.
ولا تقتصر المعضلة على اللحوم الحمراء وحدها؛ فقد شهدت صناعة الدواجن في الهند خلال الأشهر الأخيرة ارتفاعاً حاداً في أسعار الأعلاف، حيث قفز سعر كسب فول الصويا في هذا البلد بنسبة 41% خلال شهرٍ واحد فقط، ما دفع رابطة مربّي الدواجن الهندية إلى الإعلان عن خطةٍ لخفض الإنتاج بنسبة 25%.
في غضون ذلك، تتوقّع منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ومنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (OECD وFAO) أن يرتفع الإنتاج العالمي من اللحوم بنحو 12% بحلول عام 2035، غير أن تركيبة هذا الإنتاج ستتبدّل جذرياً؛ إذ سيستحوذ لحم الدجاج على نحو ثلثَي الزيادة في الاستهلاك العالمي للحوم، بينما ستواجه لحوم الأبقار والخنازير قيوداً أكثر صرامةً.
وعليه، فإن ما يتشكّل في الأفق ليس بالضرورة “نفاد اللحوم” من العالم، بل هو احتمالٌ قائم لارتفاع الأسعار، وتراجع استهلاك اللحوم الحمراء، وانتقال شريحةٍ من المستهلكين نحو الدجاج وسائر مصادر البروتين البديلة.
وفي الوقت ذاته، تُعدّ الأوبئة الحيوانية من أبرز المخاطر التي تتهدّد السوق العالمية؛ إذ حذّرت منظمتا OECD وFAO من أن أمراضاً كإنفلونزا الطيور شديدة الإمراض، وحمّى الخنازير الأفريقية، والدودة اللولبية الجديدة، قد تُلقي بظلالها على إنتاج وتجارة اللحوم لسنواتٍ مقبلة.
وفي الولايات المتحدة، أدّى انتشار الدودة اللولبية الجديدة وتوقّف استيراد المواشي من المكسيك إلى تفاقم الضغوط. وقد أفادت “رويترز” بأنه حتى مع استئناف جزءٍ من واردات المواشي المكسيكية، فمن غير المرجّح أن تنخفض أسعار لحوم الأبقار سريعاً، ذلك أن إعادة بناء القطعان الحيوانية عمليةٌ تستغرق وقتاً طويلاً.
وهكذا، تبدو الأزمة المقبلة أقرب إلى أزمةٍ في “العرض والسعر وسبل الوصول”؛ أزمةٌ قد تُعيد تشكيل السلّة الغذائية للأسر تدريجياً، وتوسّع الفجوة بين المستهلكين الميسورين وذوي الدخل المحدود في القدرة على الحصول على اللحوم.
