الوقت- تشهد العاصمة السورية دمشق أزمة سكن خانقة تتجلى في ارتفاع حاد وغير مسبوق في أسعار الإيجارات، بلغت وفق تقارير محلية موثقة نسباً تراوحت بين 100 و300 بالمئة خلال فترة قصيرة نسبياً، لتصل الفجوة بين الإيجار ودخل الموظف العادي إلى مستويات صادمة تتراوح بين خمسة وعشرة أضعاف الراتب الشهري. فبحسب مصادر عقارية محلية، وصل إيجار الشقق في منطقة المزة فيلات الراقية إلى خمسة ملايين ليرة سورية شهرياً وأحياناً أكثر، فيما بلغ إيجار المنازل في الضواحي البعيدة كقدسيا نحو مليون ونصف المليون ليرة، بينما لا يتجاوز إيجار المناطق الطرفية الأكثر بعداً عن مركز المدينة 600 ألف ليرة، وهي مبالغ تفوق بأضعاف مضاعفة القدرة الشرائية لغالبية الموظفين السوريين، ما يجعل تأمين سكن لائق داخل العاصمة تحدياً يومياً حقيقياً لأغلب الأسر.
عودة اللاجئين ونزوح المهجرين: طلب متزايد على عرض محدود
يجمع خبراء عقاريون ومتابعون للشأن الاقتصادي السوري على أن السبب الرئيسي المباشر لهذه الأزمة يكمن في اختلال العلاقة بين العرض والطلب، إذ أدى سقوط النظام السابق وما تلاه من عودة أعداد كبيرة من اللاجئين والمهجرين السوريين من الخارج، خصوصاً من تركيا ولبنان، إلى تصاعد حاد في الطلب على السكن داخل دمشق وريفها، في وقت لا تزال فيه مناطق واسعة من محافظتي دمشق وريفها تعاني من دمار كامل أو شبه كامل خلّفته سنوات الحرب الطويلة، ما يقلص بشكل كبير عدد الوحدات السكنية الصالحة فعلياً للسكن. وقد بدأت هذه الموجة التصاعدية في الارتفاع منذ منتصف عام 2024 مع تصاعد الأحداث في لبنان ونزوح مئات العائلات باتجاه دمشق، قبل أن يتضاعف الطلب أكثر عقب سقوط النظام وعودة موجات إضافية من المغتربين الراغبين في الاستقرار داخل بلادهم من جديد.
عوائق البناء الجديد تعمّق أزمة السكن المزمنة
لا تقتصر أسباب الأزمة على تزايد الطلب فحسب، بل تمتد لتشمل عوائق هيكلية عميقة تحول دون توفير عرض سكني كافٍ يواكب هذا الطلب المتصاعد. فترخيص البناء في دمشق يُعد من أصعب الإجراءات في سوريا بأكملها، فيما ترتفع كلف البناء والإنشاءات ارتفاعاً حاداً نتيجة تصاعد أسعار مواد البناء في السوق المحلية، ما يثني كثيراً من المستثمرين والمقاولين عن ضخ مشاريع سكنية جديدة قادرة على استيعاب الطلب المتنامي. وقد فاقم قرار رفع الحد الأدنى للأجور مؤخراً من حدة الأزمة بطريقة غير مباشرة، إذ استغل بعض ملاك العقارات هذه الزيادة كذريعة لرفع قيمة الإيجارات إلى مستويات، وفق وصف سكان محليين، "فلكية" لا تتناسب فعلياً مع الزيادة المحدودة في الأجور، ما يعكس غياب رقابة حكومية فعالة على السوق العقارية في ظل حالة من الاحتكار غير المعلن يمارسه بعض أصحاب العقارات. ولا تقتصر هذه الزيادات على قطاع الإيجارات وحده، إذ يشير مراقبون اقتصاديون إلى أن متوسط الإيجار المبلغ عنه في بعض الأحياء الدمشقية التي كانت إيجاراتها لا تتجاوز الخمسين إلى مئة دولار شهرياً تجاوز اليوم الأربعمئة دولار، في مؤشر إضافي على أن الأزمة تتجاوز حدود العشوائية الفردية لتشكل نمطًا سوقياً عاماً يطال معظم أحياء العاصمة دون استثناء يُذكر.
أعباء خفية تضاعف معاناة الأسر النازحة داخلياً
يضطر عدد متزايد من الأسر السورية، أمام استحالة تحمل تكاليف السكن في مركز العاصمة، إلى الانتقال قسراً نحو الأحياء والضواحي الطرفية الأبعد عن وسط المدينة، حيث تنخفض الإيجارات نسبياً لكن ترتفع في المقابل أعباء أخرى أقل ظهوراً في عقد الإيجار المباشر، كتكاليف المواصلات والطاقة والمياه والخدمات وتغيير مدارس الأبناء، فضلاً عن استهلاك ساعات إضافية يومياً في التنقل قد تصل إلى ساعة أو أكثر ذهاباً وإياباً لمناطق تبعد أحياناً خمسة عشر كيلومتراً عن وسط دمشق. وتزيد معاناة المستأجرين تعقيداً مطالبة المكاتب العقارية بعمولات مرتفعة قد تصل إلى نصف قيمة الإيجار الشهري الواحد، حتى في العقود قصيرة الأمد، وهو ما يضاعف العبء المالي الفوري على الأسر الباحثة عن سكن، خصوصاً في ظل موسمية ارتفاع الإيجارات المرتبطة ببدء العام الدراسي وموسم الأعياد الذي يستقطب مغتربين إضافيين راغبين في قضاء عطلاتهم داخل البلاد.
غياب حلول حكومية فعلية أمام أزمة متفاقمة
تعترف أوساط عاملة في قطاع العقارات والإنشاءات بأن الحلول المطروحة حالياً لمعالجة أزمة السكن الخانقة في دمشق لا تزال محدودة الأثر ومتأخرة عن وتيرة تفاقم الأزمة، إذ يتركز النقاش حول ضرورة إطلاق مشاريع سكن اجتماعي وشبابي حكومية، وإشراك القطاع الخاص عبر نظام "المحاصصة" لتمويل مشاريع عمرانية كبرى، وتفعيل آليات التمويل العقاري طويل الأجل، إلى جانب دعوات لاستثمار المقاسم الحيوية المتاحة لدعم فئات ذوي الدخل المحدود. غير أن غياب أي تحرك حكومي ملموس حتى الآن لضبط السوق العقارية أو فرض رقابة فعلية على تسعير الإيجارات يترك المواطن العادي وحيداً أمام تقلبات سوق يتحكم فيها العرض والطلب دون أي ضابط تنظيمي واضح يحمي المستأجرين من الاستغلال.
أزمة سكن تختبر قدرة الدولة الجديدة على العدالة الاجتماعية
في نهاية المطاف، تكشف أزمة الإيجارات المتصاعدة في دمشق عن بُعد آخر من أبعاد التحديات المعيشية المركبة التي تواجه السوريين في مرحلة ما بعد سقوط النظام، إذ يجد كثير من العائدين والمقيمين أنفسهم عالقين بين رغبتهم في الاستقرار داخل وطنهم من جديد، وبين واقع اقتصادي قاسٍ يجعل من هذا الاستقرار حلماً بعيد المنال بالنسبة لشريحة واسعة منهم. وإذا كانت جذور هذه الأزمة مرتبطة جزئياً بعوامل موضوعية كالدمار الهائل الذي خلفته الحرب ومحدودية العرض السكني، فإن استمرار غياب أي تدخل حكومي فعلي لضبط السوق وحماية المستأجرين يحوّل هذه الأزمة تدريجياً إلى اختبار حقيقي لقدرة الحكومة الانتقالية على تحقيق عدالة اجتماعية ملموسة، لا تقتصر على الخطاب السياسي المتفائل، بل تلامس أبسط حقوق المواطنين في مأوى كريم يليق بمرحلة يُفترض أنها بداية جديدة لسوريا.
