الوقت - في الأيام الأخيرة، وبالتوازي مع تصاعد الهجمات على مختلف أنواع الطائرات العسكرية الأمريکية، وكذلك الردود المتبادلة والمتتابعة بالصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية على هجمات العدو الأمريكي الصهيوني ضد البنية التحتية، تزايدت التساؤلات والإبهام في وسائل الإعلام والرأي العام الأمريكي حول ادعاءات مسؤولي البيت الأبيض بشأن مسار الحرب والوقائع الجارية في الميدان ونقطة انتهائها.
كل يوم يمضي من الحرب تكشف وقائع أحدث عن تناقض رواية ترامب والفريق الاستشاري السياسي والعسكري للبيت الأبيض مع الأمريكيين مع الأخبار الحقيقية للحرب. وثمة آخر نموذج على ذلك هو إثبات بطلان ادعاء تدمير شبكة الدفاع الجوي الإيرانية بالكامل، إذ إن الأيام الأخيرة شهدت إسقاط عدة طائرات حربية ومروحيات وطائرات مسيرة متقدمة في الأجواء الإيرانية، في الوقت الذي كان فيه البنتاغون في كل مرة يؤكد وقوع الإصابة لكنه ينفي سقوط طائراته ويعلن عن هبوطها بنجاح.
غير أن نشر فيلم سقوط المقاتلة F-15 وصور مقعد الطيار الآخر لم يترك أي مجال لإنكاره أمام الجيش الأمريكي، وأُجبر على الاعتراف بأن إيران لا تزال تمتلك القدرة الدفاعية لاستهداف المقاتلات. وفي هذا السياق، كتبت شبكة "إن بي سي نيوز" على موقعها الإلكتروني: "أسقطت المقاتلة الأمريكية F-15 في الوقت الذي كان ترامب يقول فيه إن إيران قد "دُمِّرت".
ثم كتبت هذه الوسيلة الإعلامية الأمريكية أن الخبراء العسكريين يقولون إن هذه الإسقاطات تُظهر أنه حتى بعد أسابيع من الغارات الجوية، لا تزال إيران تمتلك منظومات دفاع جوي وقدرات عملياتية. والحالة المماثلة الأخرى من هذه الادعاءات الكاذبة، تتعلق بقدرة الإطلاق الصاروخي والطائرات المسيرة الإيرانية. ففي الوقت الذي أعلن فيه "بيتر هيغست" وزير الدفاع الأمريکي منذ الأسبوع الأول من الحرب، و"دان كين" رئيس هيئة الأركان المشتركة، و"براد كوبر" قائد سنتكوم، مراراً وتكراراً عن تدمير أكثر من ثمانين بالمائة من منصات إطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة وقصف مخزوناتها، وأعلنوا عن نفاد قدرات الإطلاق الإيرانية "خلال الأيام القادمة".
ومع ذلك، ومع مرور عدة أسابيع على تكرار هذه الادعاءات، تشير تقارير وسائل الإعلام الإقليمية وبيانات الجيش الصهيوني وتصريحات مسؤولي الدول المضيفة للقواعد الأمريكية، والأهم من ذلك بيانات القوات المسلحة الإيرانية، إلى تزايد موجات هذه الهجمات، بحيث وقعت أكبر موجة إطلاق منذ بداية الحرب في الأسبوع السادس وعشية عيد الفصح الصهيوني. كما تُظهر التقديرات الاستخباراتية الأمريكية، كما نقلتها شبكة CNN، أن نحو نصف منصات الإطلاق الإيرانية لا تزال تعمل.
تغيير النظام في البيت الأبيض
أصبح الوضع الراهن يُعزز بشكل متزايد احتمالية استنزاف مسار الصراع وعجز وزارة الحرب والجيش والمؤسسات الأخرى الأمريکية عن تحقيق الأهداف الاستراتيجية للعمليات بالشكل "القصير السريع والحاسم" الذي كان ترامب ينشده. وهو ما أدى إلى تعمّق الشرخ في إدارة ترمب وظهوره بشكل أكثر وضوحاً يوماً بعد يوم.
وفي هذا السياق، أعلنت رويترز مؤخراً أن دونالد ترامب يقوم بإعادة هيكلة واسعة في حكومته، وذلك لأن الضغوط السياسية الناجمة عن تصعيد الحرب مع إيران قد أثّرت عليه تأثيراً شديداً. وهو ما دفع البعض إلى السخرية بتحقق كلام ترامب عن تغيير النظام في الحرب؛ لكن ليس في إيران بل في البيت الأبيض. وفي الوقت نفسه، أدى ارتفاع أسعار الوقود الناجم عن استمرار إغلاق مضيق هرمز، إلى انخفاض شعبية ترامب والقلق المتزايد لدى الجمهوريين بشأن مصير الانتخابات التشريعية في نوفمبر المقبل.
وفي مثل هذه الظروف، أعلن شون بارنيل المتحدث باسم البنتاغون أن الجنرال راندي جورج رئيس أركان الجيش قد أُقيل. كما أفادت شبكة CBS News بأن هيغست طلب من هذا الجنرال تقديم استقالته. ووفقاً لتقرير صحيفة واشنطن بوست، فقد أجرى هيغست تغييرات في جميع الكوادر الإدارية بوزارة الدفاع الأمريكية خلال الأشهر الأخيرة. وكان السيناتور الديموقراطي عن ولاية كونيتيكت كريس مورفي قد كشف سابقاً على منصة التواصل الاجتماعي "إكس"، أن سبب هذه الإقالات يتعلق بمعارضة الجنرالات ذوي الخبرة في الجيش لخطة الحرب ضد إيران.
التوقعات الخاطئة وغضب ترامب من فريق الحرب
من الواضح تماماً من الشواهد والبيانات المتاحة أن ترامب لا يملك أذناً صاغيةً لقبول وقائع الحرب مع إيران من قبل الجنرالات المخضرمين الذين يعرفون قدرات إيران والقيود الكثيرة المفروضة على تنفيذ أوامر البيت الأبيض. وفي مثل هذه الظروف، يبدو أن جزءاً من غضب ترامب تجاه فريق المستشارين والوزراء في حكومته، مرتبط بالمعلومات والمشاورات غير الواقعية والخاطئة التي يقدمها له وزير الحرب والقيادات العسكرية المقترحة من قبل بيتر هيغست.
لقد كان ترامب قد أظهر مراراً في السابق أنه لا يتسامح مع معارضة الجنرالات لسياساته الحربية، وقد أكد في اجتماعه غير المسبوق مع القادة العسكريين الأمريكيين في بداية دخوله البيت الأبيض العام الماضي، أن المعارضين يمكنهم البحث عن عمل جديد لأنفسهم. فضلاً عن ذلك، وخلال الممارسات السابقة، فضّل ترامب أن يتولى شخص من مقدمي البرامج التلفزيونية في شبكته المفضلة فوكس نيوز منصب وزير الحرب بدلاً من جنرال ذي أربعة نجوم، وذلك بالطبع لأنه سيقدّم مقاومةً أقل لآرائه.
وأصبح هذا النهج تجاه القادة العسكريين مصدر متاعب له الآن، إذ إنه وقع فريسة المشاورات والآراء غير الواقعية والمتملقين من حوله، إلا أنه في الوقت الذي يتصارع فيه للخلاص من مستنقعات الحرب، لا يزال يرى المشكلة في الأصوات القليلة المتبقية للمعارضة بين كبار العسكريين.
