الوقت- بعد أشهر من التحضيرات والترتيبات اللوجستية المكثفة، والضجة الإعلامية والسياسية الأمريكية، عُقد الاجتماع الأول لمجلس سلام غزة يوم الخميس برئاسة ترامب، في ظل غياب الدول الأعضاء في مجلس الأمن، ومشاركة ضعيفة من العديد من الدول المدعوة، وحتى من دون حضور وفد فلسطيني.
خلال الاجتماع، تحدث دونالد ترامب عن التزام بلاده و"المجتمع الدولي" بجعل غزة "مكانًا أفضل" وإصلاح نظام الحكم فيها، وأعلن عن تخصيص 10 مليارات دولار للمنطقة عبر "مجلس السلام"، وهو مبلغ يُضاف إلى 7 مليارات دولار من المساعدات التي وعدت بها عدة دول أعضاء أخرى، وقال ترامب: "كل دولار يُنفق في غزة هو استثمار في الأمل".
ومع ذلك، تحدث ترامب عن إحياء الأمل في مستقبل الفلسطينيين، في حين أن الطريقة التي عُقد بها المجلس والقضايا التي طُرحت في جولته الأولى كانت مليئة بالتحديات والعقبات التي تحول دون تحقيق سلام حقيقي والتقدم نحو التطلعات الحقيقية لشعب غزة والشعب الفلسطيني.
ويُظهر استعراض التجارب السياسية السابقة - من مدريد وأوسلو إلى الاتفاقيات اللاحقة - أن هذه الوعود تُذكّر بالتزامات قديمة بشأن إعادة الإعمار والازدهار؛ وعود تكررت مرارًا وتكرارًا، ويؤكد النقاد أن السلام لا يمكن تحقيقه دون عدالة، وأن أي مسار يتجاهل هذا المبدأ مُعرّض للفشل والتعثر.
من الناحية الاقتصادية، ورغم المناورات الواسعة التي قام بها ترامب بشأن حجم المساعدات الضخمة المخصصة لإعادة إعمار قطاع غزة المدمر بالكامل (بما في ذلك الازدهار الاقتصادي والطاقة والتوظيف، إلخ)، فإن الفجوة بين الأرقام المعلنة وحقيقة حجم الدمار كبيرة، فالالتزامات المقدمة لا تزال أقل بكثير من تقديرات الأمم المتحدة، التي قدرت تكلفة إعادة إعمار غزة بعد تدمير نحو 90% من البنية التحتية المدنية بنحو 70 مليار دولار، إضافةً إلى ذلك، سيُنفق جزء من الميزانية المعلنة على هيكلة المجلس وتكاليفه الإدارية، ما سيؤدي إلى محدودية الموارد المتاحة لإعادة الإعمار المباشر وتوفير الخدمات الأساسية، إن رقم إعادة الإعمار مخيب للآمال لدرجة أنه لو أراد ترامب تخصيص المبلغ نفسه الذي قدمته الحكومة الأمريكية للصهاينة لقصف وتدمير سكان غزة وبنيتها التحتية خلال عامين من الحرب، لكان المبلغ أضعاف الرقم الحالي.
في حين لا ينبغي لنا أن نأمل في تحقيق هذه الوعود المترددة، إذ لا تزال القيود الصارمة المفروضة على دخول الغذاء والدواء والمعدات الطبية مستمرة منذ بداية ما يُسمى وقف إطلاق النار، ولا يسمح الصهاينة حتى بدخول معدات إزالة الأنقاض، ما يعني أن إتمام عملية إزالة الأنقاض ستستغرق سنوات بهذا المعدل.
في الواقع، ورغم التشاؤم السائد بشأن نتائج القرارات، فإن القضية الأساسية لا تقتصر على التمويل فحسب، بل على جدية واشنطن ومستوى الضغط الذي تمارسه على الكيان الصهيوني لوقف الحرب تمامًا وتسهيل دخول المساعدات الإنسانية، ويستند غياب دول مجلس الأمن عن هذا الاجتماع إلى هذا، لأن هذه الدول تعتبر "مجلس السلام" بديلاً عن الأمم المتحدة.
يتمحور هيكل "مجلس السلام" حول رئيسه بشكل كبير؛ بحيث يحتفظ ترامب بسلطة دعوة القادة أو إقالتهم، وحق النقض (الفيتو) على القرارات، بل ربما الاحتفاظ برئاسة المجلس بعد مغادرته البيت الأبيض، يأتي هذا في الوقت الذي تتابع فيه إدارة ترامب عن كثب نهج البيت الأبيض تجاه سياسات الاحتلال الصهيوني في القدس المحتلة والضفة الغربية وقطاع غزة خلال العقود الأخيرة.
المعضلة الخطيرة لـ"القوة الدولية"
من بين جميع القضايا التي طُرحت في الاجتماع الأول لـ"مجلس سلام غزة"، لا توجد قضية تحمل قدراً من الغموض والتناقض والخطر المحتمل مثل فكرة نشر "قوة دولية"، خطة تُقدّم ظاهرياً على أنها "ترسيخ للأمن" و"مساعدة في المرحلة الانتقالية"، لكنها في جوهرها تُثير تساؤلات جوهرية حول طبيعتها ومهمتها وحدود سلطتها، بل حتى أهدافها النهائية.
في اجتماع يوم الخميس، أعلن الجنرال جاسبر جيفرز، قائد القوات الدولية المتمركزة في غزة، أن خمس دول - إندونيسيا والمغرب وكازاخستان وكوسوفو وألبانيا - قد أبدت استعدادها للمشاركة في هذه المهمة، أعلنت إندونيسيا استعدادها لإرسال أكثر من 8000 جندي، وطُرحت إمكانية رفع هذا العدد إلى 20000، كما تعهدت مصر والأردن بتدريب هذه القوات، في غضون ذلك، أعلن نيكولاي ملادينوف، منسق مجلس السلام، بدء عملية تجنيد عناصر لتشكيل جهاز شرطة جديد في غزة، يُفترض أن يكون "مستقلاً عن نفوذ حماس".
لكن التركيز على نزع سلاح حماس دون وجود آلية واضحة لإجبار الكيان الإسرائيلي على سحب قواته من غزة يزيد من غموض وتحديات أداء مهام القوة الدولية، ووفقًا لخطة ترامب لوقف إطلاق النار في المرحلة الثانية، ستكون "قوة الاستقرار الدولية" بديلاً عن الجيش الإسرائيلي الذي يسيطر حاليًا على نحو نصف قطاع غزة، ظاهريًا، قد يُنظر إلى هذا الإطار على أنه تقليص للوجود العسكري الإسرائيلي المباشر؛ لكن في الواقع، الواقع على الأرض أكثر تعقيدًا من هذه الصورة الرسمية.
العقبة الجدية الأولى هي استمرار العمليات العسكرية للجيش الإسرائيلي رغم إعلان وقف إطلاق النار في الـ 10 من أكتوبر/تشرين الأول، لم تفشل الهجمات شبه اليومية في الحفاظ على الأمن الهش للمنطقة فحسب، بل ألقت بظلال من الشك على أي خطة انتقالية، إذ تستمر في قتل المدنيين وإراقة دماءهم، وتمنع عودة اللاجئين، أما العقبة الثانية، فهي غياب ضمانات واضحة وملزمة لانسحاب القوات الإسرائيلية الكامل من المناطق الخاضعة لسيطرتها في غزة، فمن دون هذه الضمانات، قد يصبح نشر قوة دولية مكملاً للاحتلال بصورة جديدة، لا بديلاً عنه؛ ولا سيما إذا بقيت خطوط التماس والمناطق الأمنية والسيطرة على المعابر في يد تل أبيب.
لهذا السبب، أصبحت الخطة "معضلة خطيرة": هل يُفترض أن تكون القوة الدولية مقدمةً لإنهاء الاحتلال فعلياً، أم درعاً لإدارته بتكلفة سياسية أقل على "إسرائيل" والولايات المتحدة؟
وتُظهر ردود فعل الفاعلين الفلسطينيين أن هذه الشكوك ليست مجرد نظريات، قال حازم قاسم، المتحدث باسم حماس، إن المقياس الحقيقي لأداء المجلس هو قدرته على إجبار "إسرائيل" على وقف عدوانها، وفتح الطريق أمام المساعدات، وبدء إعادة الإعمار، من جهة أخرى، انتقد منذر حايك، المتحدث باسم فتح، هيكلية الاجتماع، مصرحًا بأن مجلس السلام "لم يقبل السلطة الفلسطينية، بل قبل "إسرائيل" التي قتلت أكثر من 75 ألف فلسطيني"، كما حذر من أن هذه الآلية قد تتحول إلى أداة لفصل الضفة الغربية عن قطاع غزة، واستبدال الأمم المتحدة ومجلس الأمن فعليًا.
يكمن الغموض الرئيسي في طبيعة مهمة القوة، هل ستكون مسؤولة فقط عن حفظ الأمن، أم ستلعب دورًا في إدارة المرحلة الانتقالية السياسية؟ من سيشرف عليها؟ لمن ستكون مسؤولة؟ والأهم من ذلك، هل ستملك صلاحية مواجهة انتهاكات وقف إطلاق النار من جانب السلطة المحتلة، أم ستقتصر مسؤوليتها على احتواء الأطراف الفلسطينية؟
كشفت تصريحات بنيامين نتنياهو قبل الاجتماع عن الواقع، وأظهرت أن تل أبيب لا تعتبر نفسها ملزمة بقرارات المجلس بأي شكل من الأشكال، أعلن صراحةً أنه اتفق مع الولايات المتحدة على عدم بدء أي إعادة إعمار قبل "نزع سلاح" غزة، يُظهر هذا الموقف أن إعادة الإعمار أصبحت أداةً للضغط السياسي والأمني، في هذا الإطار، قد تتحول القوة الدولية إلى أداة لفرض شرط نزع السلاح نفسه، بدلاً من أن تكون ضمانةً لحماية المدنيين.
وثمة قلق آخر يتمثل في أن تقتصر مهمة القوة الدولية على إدارة التداعيات بدلاً من معالجة جذور النزاع. وبالعودة إلى حوادث "مؤسسة غزة الإنسانية"، حيث استُهدف مدنيون في طابور للحصول على الطعام، يحذر النشطاء الفلسطينيون من أن أي آلية أمنية جديدة، إذا نُفذت دون مساءلة شفافة وإطار قانوني دولي واضح، قد تؤدي إلى تكرار المآسي نفسها على نطاق أوسع.
كما تُثار تساؤلات هامة من منظور القانون الدولي. فنشر قوة دولية يتطلب عادةً تفويضاً صريحاً من مجلس الأمن الدولي؛ في حين أن غياب صلاحيات أعضاء مجلس الأمن في الدورة الأخيرة يُعدّ بحد ذاته مؤشراً على غياب توافق دولي حول هذه المبادرة، فمن دون هذا الدعم، قد تصبح شرعية المهمة ونطاق صلاحياتها موضع جدل دائم.
وأخيرًا، إذا افتقرت القوة المقترحة إلى أجندة سياسية واضحة، وجدول زمني محدد لإنهاء مهمتها، وضمانات لانتقال حقيقي للسلطة إلى مؤسسات فلسطينية منتخبة، فإنها تُخاطر بالتحول إلى شكل من أشكال "الإدارة القسرية" أو حتى الاحتلال غير المباشر؛ وجود قد لا يرفع العلم الإسرائيلي، ولكنه يُرسي فعليًا ميزان القوى نفسه.
لهذا السبب، فإن معضلة القوة الدولية ليست مجرد مسألة أمنية تقنية؛ بل تعود إلى جوهر القضية الفلسطينية: هل تهدف الخطط الجديدة إلى تمهيد الطريق لحق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم، أم أنها نسخة أكثر حداثة من الهندسة السياسية والأمنية على أرضهم ومصيرهم؟
