الوقت - في حين شهد الجنوب اليمني في الشهرين الماضيين تطورات ميدانية متسارعة ألقت بظلالها السياسية على مصير حكومة سالم بن بريك التي طوى الزمن صفحتها باستقالتها في السادس عشر من يناير، جاءت هذا الأسبوع ولادة حكومة جديدة برئاسة شائع الزنداني، معلنةً عن بدء عملها من الرياض، لا من عدن.
بيد أن هذه الحكومة، التي وُصفت بأنها حكومة “منفى” و"وصاية"، لم تكن في حقيقتها إيذاناً بمرحلة جديدة من إعادة البناء السياسي والمؤسسي، بل هي انعكاس واضح لإعادة ترتيب موازين القوى في الجنوب، ومحاولة من القوى الخارجية، وعلى رأسها السعودية، لاحتواء تداعيات انهيار النظام القديم، حكومةٌ كُتب لها أن تولد في الرياض لا في عدن، حاملةً منذ لحظة إعلانها تناقضاً جوهرياً: فهي مكلّفة بفرض سلطة على أرض سُلبت أدوات الحكم فيها، وأضحت ميداناً تتنازعه الأطراف المحلية والإقليمية المتنافسة.
ورغم أن الإعلان عن الحكومة الجديدة جاء بعد ثلاثة أسابيع من مشاورات مكثفة، وجرى الترويج لها على أنها محاولة لإحياء المؤسسات الحكومية، وتوحيد القرار، وترسيخ الشراكة، إلا أن التركيبة الوزارية التي ضمّت 35 وزيراً، والإبقاء على 10 وزراء من الحكومة السابقة، إلى جانب تعيين 5 وزراء بلا حقائب، كشفت أن هذه الحكومة ليست إلا حكومة لإدارة الأزمات، لا لحلّها من جذورها، إنها نتاج توازنات قوى مفروضة، وليست وليدة مشروع سياسي حقيقي للانتقال نحو مستقبل مستقر.
حكومة المحاصصة في ثوب التكنوقراط: انعكاس التحولات الميدانية في جنوب اليمن
إنّ من أبرز ما يكتنف حكومة عدن الجديدة من زوايا خفية، ذلك التناقض الصارخ بين الخطاب المعلن عن التكنوقراطية والواقع الكامن في تقسيم الحصص السياسية والمناطقية، فمنذ استقالة حكومة سالم بن بريك وتكليف شائع الزنداني بتشكيل حكومة جديدة، ساد الوهم بأن عدن على أعتاب ميلاد حكومة مهنية بعيدة عن التجاذبات السياسية، إلا أنّ هذا التصور سرعان ما تبدّد مع الكشف عن قائمة الوزراء، التي عرّت واقعاً مخالفاً تماماً لتلك المزاعم.
يرى المحللون اليمنيون، عن حق، أن هذه الحكومة لم تُبنَ على أساس الكفاءة البحتة، وإنما جاءت وليدةً لتوازنات مستجدة أفرزتها التحولات العسكرية والسياسية في جنوب اليمن وشرقه، فقد عكست التشكيلة الوزارية هذا الواقع بجلاء، حيث كان تمثيل المحافظات الشرقية واضحاً بوجود ستة وزراء ينتمون إليها، مع تمكين كيانات مثل المجلس الوطني الحضرمي، فضلاً عن شخصيات مقرّبة من المجلس الانتقالي الجنوبي، وما هذا إلا دليل على أن حكومة الزنداني ليست “حكومة انتقال”، بل هي أشبه بحكومة مصالحة وتسكين للتوترات بين القوى الجنوبية المتصارعة.
وفي هذا الإطار، جاءت تصريحات مصطفى نعمان، نائب وزير الخارجية في حكومة عدن، لتؤكد عمق الأزمة التي تعصف بهوية هذه الحكومة، إذ أشار إلى أن إطالة أمد المشاورات لتسمية الوزراء كانت بسبب الجدل حول “المساواة بين الشمال والجنوب”، وهي مسألة أفصحت عن أزمة هوية عميقة جعلت الحكومة أوسع من المتوقع، وأثقل من أن تستجيب لتطلعات الرأي العام.
وقد أفضى هذا النهج إلى تشكيل حكومة يتجلى فيها التفاوت الواضح في مستوى الكفاءة العلمية والخبرة التنفيذية والتخصص الوزاري، ما لا يثير الشكوك حول قدرتها على الإنجاز فحسب، بل يحوّلها إلى ساحة مفتوحة لاستمرار المساومات السياسية بين أعضائها.
وفي هذا السياق، فإن الإبقاء على ثمانية وزراء مثار جدل من الحكومة السابقة لا يمكن اعتباره دليلاً على الاستقرار، بل هو نتيجة صفقات سياسية هدفت إلى تحييد الفاعلين المؤثرين ومنعهم من عرقلة عمل الحكومة، لكن تكلفة هذه الصفقات قد تكون باهظةً، إذ ستؤدي إلى شلّ قدرة الحكومة على اتخاذ القرارات في المستقبل، وهو ما يجعلها أقرب إلى كيان سياسي هشّ منه إلى حكومة فاعلة قادرة على مواجهة التحديات.
دولة بلا أرض: أزمة أمن عدن وانهيار هيبة السلطة الميدانية
إن أعمق ما تعانيه الحكومة الجديدة في اليمن من أزمات، يكمن في عجزها عن فرض وجودها الميداني الفاعل في العاصمة المؤقتة عدن، تلك المدينة التي من المفترض أن تكون مركز سيادتها المعلنة، حكومة وُكل إليها إحياء مؤسسات الحكم، لكنها تقف عاجزةً حتى عن تحقيق استقرار آمن في معقل يُفترض أنه قلب سلطتها. والحقيقة أن استمرار عمل الحكومة من خارج البلاد، وإن بدا في الأجل القريب خياراً لا مفر منه، فإنه في الأجل المتوسط ينهش من شرعيتها ويبدّد فعاليتها، حتى تصبح كياناً منزوياً لا يملك سوى الاسم.
إن أمن عدن لا يزال رهيناً بأيدي قوى مسلحة، بعضها يدين بالولاء للحركات الانفصالية، مثل المجلس الانتقالي الجنوبي السابق، وبعضها الآخر يتغذى على صراعات القوى الإقليمية، وفي مشهدٍ يعكس هشاشة السيطرة الأمنية، انفجرت سيارة مفخخة يوم الأربعاء، الحادي والعشرين من يناير، مستهدفةً موكباً عسكرياً يخصّ العميد حمدي شكري الصبيحي، قائد اللواء الثاني من “ألوية العمالقة” الموالية للحكومة المنفية، في مدينة عدن، ما أدى إلى إصابته بجروح طفيفة، ومقتل وإصابة عدد من مرافقيه.
إن هذا الحادث لم يكن مجرد عمل أمني عابر، بل كان رسالةً صارخةً تفصح عن عبثية مشروع توحيد القوى العسكرية، وعن عجز الحكومة عن بسط سيطرتها على الميدان، فالهجوم، الذي جاء بعد أسابيع قليلة من انسحاب المجلس الانتقالي الجنوبي من محافظتي حضرموت والمهرة، أكد أن الهزيمة العسكرية لا تعني انطفاء قدرة القوى المنهزمة على زعزعة الأمن وإحداث الفوضى.
وتفاقمت الأزمة مع تصاعد الهجمات الممنهجة على الإعلام، مثل اقتحام مقر صحيفة “عدن الغد”، إلى جانب إنزال علم الجمهورية اليمنية في سيئون بالتزامن مع إعلان الحكومة الجديدة، ما يعكس مواجهة حكومة الزنداني أزمةً في هيبتها الرمزية، التي باتت تتآكل مع مرور الوقت، وفي ظل هذه الأجواء المتوترة، فإن نقل السفارات والمؤسسات الدولية إلى عدن، دون ضمانات أمنية راسخة، لن يكون سوى مخاطرة سياسية وأمنية قد تزيد الأوضاع تعقيداً.
ولتجنب هذا المأزق، منح الزنداني في حكومته الجديدة ست حقائب وزارية لقوى المجلس الانتقالي المنحل، في محاولة لاحتواء الغضب وتهدئة الأوضاع، إلا أن هذا المجلس، الذي كان يسيطر سابقاً على نصف الوزارات، لن يرضى بهذا التنازل المحدود، وخصوصاً مع ذهاب الوزارات السيادية مثل الداخلية (التي أُسندت إلى إبراهيم حيدان من أبين)، والدفاع (التي تولاها اللواء طاهر العقيلي من عمران في شمال اليمن)، والاقتصاد (التي أُعطيت لمروان بن غانم من حضرموت) إلى تيارات أخرى، ما يثير مزيداً من التوترات.
وفي خضم هذه الأزمات، تعتمد الحكومة اعتماداً شبه كلي على السعودية لإعادة توحيد الهياكل العسكرية والأمنية، بينما تسعى الرياض في الوقت ذاته لتقليص النفوذ الإماراتي في الجنوب، بيد أن هذا التنافس السعودي-الإماراتي حول النفوذ في جنوب اليمن، والذي يتمحور حول الموانئ والجزر والموارد، جعل الحكومة أشبه برهينة في ساحة صراع بالوكالة، حيث تقف مكبلة الأيدي، عاجزةً عن ممارسة سيادتها المستقلة، بينما يتلاعب الفاعلون الإقليميون بمقدرات البلاد ومصيرها.
المهام المستحيلة
ليست التحديات التي تواجه الحكومة الجديدة في عدن مقتصرةً على أبعادها الأمنية والسياسية فحسب، بل هي تتعداها إلى إرث اقتصادي مثقلٍ بأعباء عقدٍ من الحرب، وفسادٍ متجذرٍ في أركان الدولة، وتشرذمٍ ألقى بظلاله على مؤسسات الحكم، حتى أوشكت أن تؤول إلى الانهيار، إن تثبيت سعر الصرف، تحسين الخدمات العامة، إحياء الموارد السيادية، ومكافحة الفساد، هي أولوياتٌ طرحتها حكومة الزنداني في وثائقها الرسمية، ولكن السؤال الجوهري يظل: كيف لحكومة تفتقر إلى السيطرة الحقيقية على الموانئ، والموارد النفطية، وقرارات المؤسسة العسكرية أن تنتشل اقتصاداً مترنحاً على شفا الانهيار؟
إن استعادة السيطرة على الموانئ البحرية والجوية، واسترجاع الموارد المالية المشتتة بين أيدي القوى المحلية المتصارعة، وتوحيد القرار العسكري، هي اختباراتٌ شاقة تضع الحكومة وجهاً لوجه أمام حقيقة موازين القوى في جنوب اليمن، فوزارة المالية التي لا تصل إلى موارد الدولة الحقيقية، ووزارة الدفاع التي لا تملك قيادةً موحدةً، ليستا سوى هيئاتٍ رمزية لا تُغني ولا تُسمن من جوع.
کما أن إعادة تشغيل حقول النفط والغاز في مسيلة وصافر، وضمان تصديرها عبر موانئ الضبة وبلحاف، ليست مجرد حاجة اقتصادية ملحة، بل هي معركة أمنية وسياسية شاملة، فهذه البنى التحتية تقع في مرمى نيران الحركات الانفصالية، وتتموضع في قلب التنافس الاستراتيجي بين السعودية والإمارات، ومن دون حلٍّ لهذه المعادلة المعقدة، فإن أي محاولة للإصلاح الاقتصادي ستبوء بالفشل الذريع.
وعلى صعيد آخر، تجد حكومة الزنداني نفسها أمام مهمة شاقة لتحقيق التوازن بين التوجهات السياسية والاجتماعية المتباينة، لا بين الشمال والجنوب فحسب، بل داخل الجنوب ذاته، حيث إن الواقع العسكري المفروض على القوى الجنوبية هشّ ومؤقت، ولهذا، يرى العديد من المراقبين أن هذه الحكومة ليست سوى أداةٍ لإدارة النزاعات وشراء الوقت لمصلحة اللاعبين الخارجيين، حكومةٌ تعجز عن تنفيذ المهام الموكلة إليها، لا لعجزٍ في كفاءة أفرادها، بل لأن عطب هيكل السلطة في جنوب اليمن قد جعل الفشل قدراً محتوماً.
