الوقت- وصول أحمد الشرع، المعروف سابقاً بأبي محمد الجولاني، إلى رئاسة المرحلة الانتقالية في سوريا لم يُستقبل في لبنان بوصفه حدثاً عادياً، بل كتحوّل يثير تساؤلات عميقة حول طبيعة المرحلة المقبلة، فالرجل الذي ارتبط اسمه لسنوات بقيادة فصيل مسلح ذي خلفية أيديولوجية صارمة، يجد نفسه اليوم على رأس دولة خارجة من حرب طويلة، هذا الانتقال من العمل الفصائلي إلى موقع رئاسة مؤقتة لا يمحو تلقائياً الإرث السابق، ولا يبدد المخاوف المرتبطة بطبيعة الشبكات العسكرية التي أوصلته إلى السلطة، بالنسبة إلى لبنان، الذي عانى تاريخياً من ارتدادات الصراع السوري، يبدو المشهد محفوفاً بالشكوك، فالتغيير في دمشق لا يعني بالضرورة تحولاً مؤسساتياً راسخاً، بل قد يكون إعادة تموضع لقوى مسلحة داخل إطار سياسي هش، ما يضع العلاقات الثنائية أمام اختبار دقيق يتداخل فيه الأمني بالسياسي.
إرث العلاقات الثقيلة بين البلدين
العلاقات اللبنانية السورية لطالما كانت أكثر من مجرد تواصل دبلوماسي بين دولتين متجاورتين، فقد شهد لبنان حقبة طويلة من النفوذ السوري المباشر في قراره السياسي والأمني، قبل أن يدخل الطرفان في مرحلة توتر بعد الانسحاب السوري عام 2005، ومع اندلاع الحرب السورية، عاد التداخل بصورة مختلفة، عبر الحدود المفتوحة وتدفق اللاجئين وتداخل القوى المسلحة، اليوم، ومع صعود قيادة انتقالية يقودها الجولاني، يتجدد القلق من إعادة إنتاج علاقة غير متوازنة، فلبنان لا يزال يعاني هشاشة داخلية، وأي تغير جذري في دمشق قد يعيد فتح ملفات النفوذ والتأثير، كما أن التحولات داخل سوريا قد تدفع بعض القوى اللبنانية إلى إعادة تموضعها، ما يهدد بإحياء انقسامات حادة حول طبيعة العلاقة مع السلطة الجديدة، ويضع الاستقرار اللبناني في دائرة التأثر المباشر.
الفصائل المسلحة: النفوذ الحقيقي خلف الواجهة السياسية
أحد أبرز مصادر القلق اللبناني يتمثل في استمرار حضور الفصائل المسلحة في المشهد السوري، فمهما حملت المرحلة الانتقالية من عناوين سياسية، يبقى الواقع أن هذه الفصائل كانت العمود الفقري للتحول الذي شهدته دمشق، انتشارها في مناطق مختلفة، وبعضها قريب من الحدود اللبنانية، يثير مخاوف جدية من انتقال التوترات أو عمليات التسلل وتهريب السلاح، كما أن تعدد الولاءات داخل هذه الفصائل، وتباين أجنداتها، قد يجعل من الصعب ضبطها بالكامل ضمن مؤسسات دولة موحدة، بالنسبة إلى لبنان، الذي عانى سابقاً من تسلل جماعات متشددة عبر الحدود الشرقية، فإن أي انفلات أمني في سوريا سينعكس سريعاً على أمنه الداخلي، من هنا، لا تبدو الطمأنات السياسية كافية ما لم تقترن بخطوات عملية لتفكيك البنى العسكرية غير النظامية وإخضاعها لسلطة مركزية واضحة.
تشابك الفصائل والتحالفات الإقليمية وانعكاسها على لبنان
لا تقتصر خطورة المشهد السوري على وجود فصائل مسلحة فحسب، بل تمتد إلى شبكة التحالفات الإقليمية التي ترتبط بها هذه القوى، فبعض الفصائل يحتفظ بعلاقات خارجية متفاوتة، ما يجعل القرار السوري عرضة لتوازنات إقليمية معقدة، هذا التشابك قد يحوّل الأراضي السورية إلى ساحة تجاذب نفوذ بين قوى متنافسة، الأمر الذي ينعكس تلقائياً على لبنان بحكم القرب الجغرافي والتداخل السياسي، وأي تصعيد بين هذه الأطراف قد يدفع لبنان إلى دائرة التأثر غير المباشر، سواء عبر توتر أمني أو ضغط سياسي، ما يزيد هشاشة وضعه الداخلي ويضاعف الحاجة إلى سياسة وقائية صارمة.
تأثير التحوّل على التوازنات اللبنانية الداخلية
لا ينحصر تأثير صعود الجولاني في البعد الحدودي، بل يمتد إلى الداخل اللبناني نفسه، فالعلاقة مع دمشق كانت دائماً عنصراً حساساً في التوازنات السياسية اللبنانية، حيث تنقسم القوى بين مؤيد ومعارض لأي تقارب، في ظل قيادة سورية ذات خلفية فصائلية، قد تتعزز المخاوف لدى شرائح لبنانية من تمدد نفوذ أيديولوجي أو أمني عبر الحدود، كما أن أي تقارب رسمي قد يواجه اعتراضات داخلية حادة، ما يعمق الانقسام السياسي، أضف إلى ذلك ملف اللاجئين السوريين، الذي قد يتحول إلى ورقة ضغط إضافية في ظل غياب رؤية واضحة للمرحلة الانتقالية في سوريا، إن عدم الاستقرار في بنية الحكم السوري قد يعرقل أي خطة لعودة منظمة وآمنة، ويُبقي لبنان تحت ضغط اقتصادي واجتماعي متواصل، في وقت يعاني فيه أصلاً من أزمة خانقة.
الحدود والاقتصاد: مخاطر مفتوحة على احتمالات سلبية
الحدود اللبنانية السورية تشكل شرياناً اقتصادياً وأمنياً في آن معاً، لكنها لطالما كانت مصدر توتر، في ظل انتشار فصائل مسلحة وتعدد مراكز القوى في الداخل السوري، يصبح ضبط هذه الحدود تحدياً مضاعفاً، عمليات التهريب، سواء للسلع أو السلاح، قد تتفاقم في حال ضعف السيطرة المركزية، كما أن الحديث عن فرص اقتصادية مستقبلية يرتبط بإعادة إعمار سوريا يبقى رهينة الاستقرار السياسي والأمني هناك، وهو استقرار لم تتضح معالمه بعد، بالنسبة إلى لبنان، فإن أي اضطراب اقتصادي في سوريا سينعكس على حركة التبادل التجاري وعلى المناطق الحدودية التي تعتمد على هذا التداخل، ومع غياب مؤسسات راسخة في المرحلة الانتقالية، تبدو المخاطر الاقتصادية قائمة بقدر المخاطر الأمنية، ما يستدعي حذراً مضاعفاً في مقاربة العلاقة الجديدة.
بين الحذر والقطيعة: خيارات لبنان الصعبة
أمام هذا المشهد المعقد، يجد لبنان نفسه أمام معادلة صعبة: هل ينفتح على السلطة الانتقالية بقيادة الجولاني على أمل ضبط الملفات العالقة، أم يعتمد سياسة حذر قصوى خشية انزلاق الأمور إلى فوضى جديدة؟ الواقع يشير إلى أن القطيعة الكاملة ليست خياراً عملياً بحكم الجغرافيا، لكن الانفتاح غير المشروط يحمل مخاطر واضحة، المطلوب مقاربة تقوم على التشدد في حماية السيادة، وتعزيز التنسيق الأمني الحدودي، ورفض أي تدخل في الشأن الداخلي، إن مستقبل العلاقات لن يتحدد بالشعارات السياسية، بل بقدرة القيادة السورية الجديدة على إثبات تحول حقيقي من منطق الفصائل إلى منطق الدولة، وحتى يتحقق ذلك، ستبقى العلاقة بين بيروت ودمشق محكومة بالريبة والحذر، في انتظار ما ستكشفه الأيام عن طبيعة المرحلة الانتقالية ومآلاتها.
