الوقت - حينما أيقن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن واشنطن تفتقر إلى القدرة الكافية في المنطقة لتنفيذ ضربة حاسمة ضد إيران، مع عجزها عن مواجهة الرد الإيراني المحتمل وإدارة التصعيد الذي قد ينجم عنه، اضطر في اللحظة الأخيرة إلى تأجيل خطط الهجوم على إيران في منتصف يناير، واختار السير في درب الدبلوماسية عوضاً عن ذلك.
ورغم مزاعم المصادر الأمريكية بأن هذا التحول جاء نتيجة ضغط وإلحاح من الدول العربية وقادة سياسيين في غرب آسيا، إلا أن الحقائق تشير إلى أن ما أجبر الأمريكيين على الجلوس إلى طاولة المفاوضات مع إيران لم يكن سوى قوة الردع الإيرانية، التي تتجلى في قدراتها الصاروخية والعسكرية، وليس ضغوط اللوبي العربي، وقد أيدت هذا الطرح حتى وسائل الإعلام الإسرائيلية والأمريكية، حيث وصفت صحيفة “هآرتس” الصهيونية الصادرة من تل أبيب موقف ترامب تجاه إيران بالتراجع الواضح، مؤكدةً أن الولايات المتحدة تخلت عن مطلبها السابق المتعلق بإدراج برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني ونشاط الحلفاء الإقليميين لطهران ضمن أجندة المفاوضات.
وأوردت الصحيفة كذلك أن قبول ترامب بشرط إيران بأن تكون سلطنة عمان هي المضيف للمفاوضات بين الطرفين، مثّل بحد ذاته تراجعاً أمريكياً وانتصاراً دبلوماسياً لإيران.
يبقى السؤال الذي يتردد في الأذهان: ما العامل الذي أكسب إيران هذه القدرة على الردع، وجعلها عصيةً على تهديدات الولايات المتحدة؟
الرعب من قوة إيران الصاروخية
في تقريرٍ حديث أصدره مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي، بُعيد مفاوضات مسقط بين طهران وواشنطن، أُبرزت المخاوف المتزايدة من القدرات الصاروخية الإيرانية، وأكد التقرير أن إيران، رغم افتقارها للسلاح النووي، تمتلك البنية التحتية والمعرفة التقنية التي تمكّنها من إنتاج هذا السلاح في فترة قصيرة نسبياً، ما يجعل هذه الإمكانية النووية ذات قيمة استراتيجية عندما تُضاف إلى قوة إيران الصاروخية.
وقد تصاعدت التحذيرات من قدرات إيران الصاروخية منذ نحو سبعة أشهر، وتحديداً بعد الهجوم الصاروخي الإيراني الواسع على الأراضي المحتلة، ومن بين أحدث هذه التحذيرات، ما نشرته صحيفة “وول ستريت جورنال” الأمريكية، التي أوضحت أن إيران، رغم استهداف "إسرائيل" لمنصات إطلاق الصواريخ ومخازنها خلال حربٍ استمرت 12 يوماً في يونيو، خرجت من تلك المواجهة محتفظةً بجزء كبير من ترسانتها الصاروخية.
وأشارت الصحيفة إلى أن الأهم من ذلك أن إيران تعلمت، خلال تلك الحرب، كيفية تجاوز الدفاعات الجوية الإسرائيلية والأمريكية، ما عزّز قدراتها الهجومية في أي صراع مستقبلي، ووفقاً لما ذكرته “وول ستريت جورنال”، فإن إيران ما زالت تحتفظ بنحو 2000 صاروخ باليستي متوسط المدى، يمكنها أن تصل إلى جميع أنحاء المنطقة، إضافةً إلى ذلك، تملك إيران مخزوناً كبيراً من الصواريخ قصيرة المدى القادرة على استهداف القواعد الأمريكية في الخليج الفارسي والسفن في مضيق هرمز، فضلاً عن صواريخ كروز المضادة للسفن.
وقد قال بهنام بن طالبلو، المدير البارز لبرنامج إيران في “مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات”، وهي من أبرز المجموعات الداعية للحرب على إيران، إن الصواريخ الباليستية الإيرانية أصبحت العمود الفقري لسياسة الردع الإيرانية، واصفاً إياها بأنها “سكين الجيش السويسري” لطهران، في إشارة إلى تنوع استخداماتها وفعاليتها.
وفي تقرير نشرته صحيفة “واشنطن بوست”، أشير إلى التوتر المتزايد بين طهران وواشنطن، وكيف انتهى الأمر بتراجع ترامب عن تهديداته بشن حرب واختياره العودة إلى طاولة المفاوضات، وأوضحت الصحيفة أن ترامب، بعد أن أدرك أن واشنطن تفتقر إلى القدرة اللازمة لتنفيذ ضربة قاصمة في المنطقة، مع عجزها عن مواجهة الرد الإيراني المتوقع وإدارة تداعيات التصعيد، قرّر في اللحظة الأخيرة تأجيل خطط الهجوم على إيران التي كانت مقررةً في منتصف يناير، واختار التفاوض كبديل.
إطلاق "خرمشهر 4" في خضم التهديدات المتصاعدة
في الأيام الأخيرة، ومع اشتداد التوترات الإقليمية وتصاعد التهديدات العسكرية الأمريكية ضد إيران، جاء الإعلان عن الصاروخ الباليستي “خرمشهر 4”، ليُظهر ذروة الردع الإيراني واستعدادها للرد على أي اعتداء محتمل، رافعاً مستوى الجاهزية إلى أقصى درجاتها.
وما أن انتشر مقطع اختبار الجيل الجديد من صاروخ “خرمشهر 4”، الذي بلغت سرعته 16 ماخ خارج الغلاف الجوي و8 ماخ داخله، حتى سارعت شبكة LCI الفرنسية للإشادة بقدرات إيران الصاروخية، مؤكدةً أن هذه الدولة قد كشفت عن قوة عسكرية غير مسبوقة بصاروخها المتقدم، التقرير أشار إلى أن إيران، عبر هذه القوة، بعثت برسالة واضحة مفادها بأنها تمتلك القدرة على الرد والانتقام في حال وقوع أي هجوم.
كما تناول التقرير قدرات الصواريخ الإيرانية التي تستطيع استهداف القواعد الأمريكية المنتشرة في الدول الخليجية، بل حتى الممرات الاستراتيجية في مضيق هرمز، ما عزّز النقاش في الإعلام الغربي حول ما يُعرف بـ"الردع الإيراني".
وبالتزامن مع مفاوضات عمان، أكدت شبكة CBS الأمريكية في تقرير لها أن البرنامج الصاروخي الإيراني قد شهد تطوراً نوعياً في بنيته واستخداماته، مشيرةً إلى أن هذا البرنامج، بانتشاره وتنوعه، قد فرض على الولايات المتحدة التراجع عن بعض مواقفها العدائية تجاه إيران.
خرمشهر 4: تغييرٌ في عقيدة إيران العسكرية
وجاءت أحدث تجربة لصاروخ “خرمشهر 4” قبل يومٍ واحد من انطلاق مفاوضات مسقط، لتكشف عن تحولٍ جذري في العقيدة العسكرية الإيرانية، حيث انتقلت من الدفاع إلى الهجوم كركيزة أساسية لسياستها العسكرية.
ويُذكر أن هذا الصاروخ كان أحد الأسلحة المستخدمة خلال الحرب الأخيرة التي دامت اثني عشر يوماً في نهاية الربيع، حيث استطاع أن يثبت فعاليته في التصدي للاعتداءات الصهيونية.
وقد أُزيح الستار عن هذا الصاروخ لأول مرة في عام 2023، بعد أن كانت النماذج السابقة منه قد ظهرت في عام 2017، يُعرف هذا النموذج أيضاً باسم “خيبر”، إلا أنه يختلف عن صاروخ “خيبرشكن”. يتميز “خرمشهر 4” بمدى يصل إلى 2000 كيلومتر، وقدرته على حمل رأس حربي يصل وزنه إلى 1800 كيلوغرام.
ورغم أن الصاروخ يعمل بمحرك يعتمد على الوقود السائل، إلا أن زمن تحضيره للإطلاق لا يتجاوز 15 دقيقة، مع قدرة على إصابة الهدف بدقة تصل إلى نحو 30 متراً. ويُقال إن الصاروخ قادر على تعديل مساره قبل دخوله الغلاف الجوي، كما يفعّل نظام التوجيه الخاص به فور دخول الغلاف الجوي، مما يتيح له تجاوز أنظمة الدفاع الجوي بسهولة.
ويمكن للصاروخ أن يُجهّز برأسٍ حربي واحد أو رؤوس متعددة (MIRV)، مما يزيد من فاعليته في ضرب الأهداف بدقة، أما سرعة هذا الصاروخ، فتصل إلى 16 ماخ خارج الغلاف الجوي، و8 ماخ داخله، مستنداً إلى محركه المتطور المعروف باسم “أروند”، الذي يُعد قلبه النابض.
يعمل هذا المحرك باستخدام وقود “هايبرغاليك”، وهو وقود ذاتي الاشتعال، ما يختصر زمن التحضير العملياتي بشكل كبير، ويُلغي الحاجة إلى خطوات معقدة لإشعال الوقود.
من أبرز الابتكارات التي يتسم بها صاروخ “خرمشهر 4”، تصميمٌ فريد يتمثل في وضع المحرك داخل خزان الوقود، ما يعزّز ثبات الهيكل، ويقلل من طول الصاروخ، ويحسّن نسبة قطره إلى طوله، هذه التحسينات الهندسية أسهمت في رفع كفاءة الصاروخ ودقة إصابته للأهداف، ليصبح بذلك أحد أبرز الأسلحة التي تُشكّل حجر الزاوية في استراتيجية الردع الإيرانية.
