الوقت- لم يعد بنيامين نتنياهو مجرد رئيس وزراء فشل في إدارة معركة أمنية، بل تحوّل بعد السابع من أكتوبر إلى رمز للأزمة العميقة التي تضرب الكيان الصهيوني سياسيًا وأخلاقيًا وأمنيًا. فعملية “طوفان الأقصى” لم تكن مجرد ضربة عسكرية مفاجئة، بل زلزالًا كشف هشاشة منظومة الحكم، وفضح سنوات من الغرور السياسي والتقدير الخاطئ، كان نتنياهو مهندسها الأول.اليوم، ومع تصاعد الغضب داخل المجتمع الصهيوني، بات مطلب تحديد المقصرين أولوية شعبية لا يمكن تجاهلها. وفي قلب هذا المطلب، يقف نتنياهو باعتباره أحد أبرز، إن لم يكن أبرز، المسؤولين عن الكارثة. إلا أن الرجل، بدلًا من الاعتراف بالفشل وتحمل المسؤولية، اختار طريق الهروب السياسي، عبر تحميل الأجهزة الأمنية والعسكرية كامل تبعات الإخفاق، ومحاولة إعادة كتابة الوقائع بوثائق مجتزأة وروايات انتقائية.وفي موازاة هذا الفشل السياسي، تطفو إلى السطح ملفات أخلاقية خطيرة، من بينها علاقاته المشبوهة بدوائر فضائح إبستين، ما يعمّق صورة قائد غارق في شبكة من الفساد والانحراف، فاقد للشرعية الأخلاقية قبل السياسية. هكذا، يجد نتنياهو نفسه مطاردًا بفشل لا يُمحى، وفضائح لا تسقط بالتقادم.
طوفان الأقصى… الفشل الذي يلاحق نتنياهو
مثّل السابع من أكتوبر لحظة سقوط مدوٍّ لنظرية “الأمن المطلق” التي روّج لها نتنياهو لسنوات، وادّعى من خلالها أنه الحارس الأول لأمن الكيان. غير أن عملية طوفان الأقصى كشفت أن هذه النظرية لم تكن سوى وهم سياسي، غطّى به نتنياهو عجزه عن فهم الواقع الحقيقي للمقاومة وقدرتها على المبادرة.
الهروب من المسؤولية بعد هذا الفشل لم يكن مفاجئًا؛ إذ سارع نتنياهو إلى اتهام القيادات العسكرية والاستخباراتية بالتقصير، متجاهلًا أنه هو من رسم السياسات، وهو من تجاهل التحذيرات، وهو من اختار الرهان على “التهدئة الوهمية” بدل الاستعداد لأسوأ السيناريوهات. فالفشل لم يكن خطأً تقنيًا عابرًا، بل نتيجة مباشرة لعقلية سياسية متعجرفة، رأت في القوة وحدها ضمانًا للبقاء. اليوم، لا يستطيع نتنياهو الهروب من حقيقة أن اسمه ارتبط تاريخيًا بأكبر إخفاق أمني في تاريخ الكيان الحديث، وأن محاولاته للتنصل لن تمحو صورته كقائد فشل في لحظة مصيرية، ولا تزال تبعات هذا الفشل تطارده سياسيًا وشعبيًا.
التلاعب بالتحقيقات ومحاولة تزييف الحقيقة
أخطر ما يقوم به نتنياهو بعد الفشل ليس مجرد الإنكار، بل السعي المنهجي لتزييف الحقيقة. فإصداره لوثائق وتقارير مجتزأة، واختياره اقتباسات تخدم روايته فقط، يكشف عن محاولة متعمدة لتضليل الرأي العام الصهيوني، وإفراغ مطلب المحاسبة من مضمونه.
إن الادعاء بعدم تلقي تحذيرات استخباراتية يتناقض مع الوقائع التي تشير إلى وجود تقديرات، ولو ناقصة، حذّرت من احتمالات التصعيد. لكن نتنياهو، الذي كان أسير حساباته السياسية وبقائه في الحكم، فضّل تجاهل هذه التقديرات أو التقليل من شأنها.
المجتمع الصهيوني بات يدرك أن المشكلة لم تكن في غياب المعلومات، بل في قيادة سياسية رفضت سماع ما لا يناسبها. ومن هنا، فإن محاولات نتنياهو تحميل الآخرين المسؤولية لا تُفسَّر إلا كخوف من لجنة تحقيق حقيقية قد تكشف دوره المركزي في صناعة الفشل. إن معركته اليوم ليست دفاعًا عن “أمن الدولة”، بل عن مستقبله الشخصي.
إبستين… حين يلتقي الفشل السياسي بالانحطاط الأخلاقي
لا يمكن فصل صورة نتنياهو السياسية عن الملفات الأخلاقية التي تطفو من حين لآخر، وعلى رأسها علاقته بدوائر فضائح جيفري إبستين، والتي تضعه في سياق شبكة عالمية من الفساد والانحراف واستغلال النفوذ. فهذه العلاقة، حتى وإن حاول الإعلام الصهيوني التقليل من شأنها، تضيف بُعدًا خطيرًا إلى شخصية قائد يدّعي تمثيل “القيم” و”الأمن”.إن تزامن الفشل الأمني مع انكشاف هذه العلاقات المشبوهة يعمّق أزمة الثقة بين نتنياهو والمجتمع الصهيوني، ويعزز صورة قائد منفصل أخلاقيًا عن المجتمع الذي يحكمه. فكيف يمكن لرجل تحوم حوله شبهات كهذه أن يطالب بالثقة أو بالحصانة من المحاسبة؟ هنا، يتحول نتنياهو من مجرد سياسي فاشل إلى رمز لانحطاط طبقة حاكمة كاملة، ترى في السلطة وسيلة للحماية من الفضيحة، لا أداة لخدمة المجتمع.
المجتمع الصهيوني في مواجهة نتنياهو
يشهد الداخل الصهيوني اليوم حالة تصدع غير مسبوقة، حيث لم تعد روايات نتنياهو قادرة على إقناع جمهور يبحث عن الحقيقة. المطالب بتحديد المقصرين تتصاعد، والاحتجاجات السياسية والإعلامية تعكس إدراكًا واسعًا بأن استمرار نتنياهو يعني استمرار الأزمة.
فبالنسبة لكثيرين داخل المجتمع الصهيوني، أصبح نتنياهو عبئًا سياسيًا وأمنيًا وأخلاقيًا. فبدل أن يكون قائدًا في زمن الأزمات، تحوّل إلى عنصر انقسام، يستخدم الخوف لتبرير بقائه، ويضحّي بالمؤسسات لحماية نفسه.إن هذا الصراع الداخلي لا يتعلق فقط بماضٍ فاشل، بل بمستقبل الكيان نفسه. فالهروب من المحاسبة اليوم يعني فتح الباب أمام كوارث أكبر غدًا، وهو ما يدركه قطاع متزايد من النخب والجمهور على حد سواء.
تآكل المؤسسات ومحاولة إسكات المساءلة
بعيدًا عن تحميل المسؤوليات المباشرة أو السجال حول الفشل الأمني، تكشف مرحلة ما بعد طوفان الأقصى عن خطر أعمق يتمثل في تآكل المؤسسات داخل الكيان الصهيوني تحت ضغط بقاء نتنياهو السياسي. فبدل أن تتحول الصدمة إلى فرصة لإعادة بناء منظومة القرار وتعزيز الشفافية، اتجهت القيادة نحو تسييس التحقيقات، وتطويع الإعلام، ومحاصرة أي صوت يطالب بمساءلة حقيقية. هذا السلوك لا يعكس فقط خوف نتنياهو من نتائج لجان التحقيق، بل يدل على استعداد واضح لإضعاف مؤسسات الدولة من أجل حماية موقعه الشخصي.
إن محاولات التشكيك المسبق في أي لجنة تحقيق مستقلة، واتهامها بالتحيز أو “الاستهداف السياسي”، تُفرغ مفهوم المحاسبة من مضمونه، وتزرع الشك في نزاهة النظام نفسه. كما أن الضغط على وسائل الإعلام، وتسريب روايات انتقائية، وتحويل النقاش من فشل القيادة إلى “خطر وجودي دائم”، كلها أدوات تهدف إلى إطالة عمر الأزمة بدل حلّها.في هذا السياق، يصبح نتنياهو ليس فقط متهمًا بالفشل، بل مساهمًا في إضعاف البنية المؤسسية التي يدّعي الدفاع عنها. فالدول لا تسقط فقط بالهزائم العسكرية، بل حين تتحول مؤسساتها إلى دروع شخصية لقادتها، وحين تُدفن الحقيقة باسم “الأمن” و”الاستقرار”.
في المحصلة، لم يعد بنيامين نتنياهو قادرًا على الهروب من شبح السابع من أكتوبر، ولا من تبعات عملية طوفان الأقصى التي كسرت صورة “القائد الذي لا يُهزم”. فالفشل الأمني، والتلاعب بالحقيقة، والفضائح الأخلاقية، كلها خيوط تلتف اليوم حول مستقبله السياسي.
إن إصراره على التنصل من المسؤولية لا يزيد إلا من قناعة المجتمع الصهيوني بأنه أحد المقصرين الرئيسيين، إن لم يكن المسؤول الأبرز عن الكارثة. فالقادة الحقيقيون يُقاسون بقدرتهم على الاعتراف بالفشل، لا بمهارتهم في تحميل الآخرين الذنب. وبينما تتصاعد الدعوات للمحاسبة، يبدو أن نتنياهو يواجه لحظة الحقيقة: إما الاعتراف والسقوط السياسي، أو الاستمرار في الهروب حتى يصبح رمزًا تاريخيًا للفشل والانحطاط معًا. وفي الحالتين، فإن طوفان الأقصى سيبقى وصمة لا يمكن محوها من سجله، مهما حاول تغيير الرواية أو الهروب إلى الأمام.
