الوقت - في خضمّ اضطراباتٍ عاصفةٍ تجتاح منطقة الخليج الفارسي، وبين طيّات غموضٍ يكتنف أروقة السياسة، انتشرت أنباءٌ عن زيارةٍ خاطفةٍ لم تتجاوز الساعتين قام بها وزير خارجية قطر، الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني، إلى طهران، زيارةٌ لم يُعلَن عنها ولم تُحط بضجيج الإعلام، وما لبث أن غادر العاصمة الإيرانية بعد لقائه بمسؤولين رفيعي المستوى، تاركًا وراءه أسئلةً عديدة، وإشاراتٍ تُغذي التكهنات.
لقد دفعت طبيعة الزيارة بالعديد إلى التساؤل: هل كان الوزير القطري حاملًا لرسائل متبادلة بين طهران وواشنطن؟ وهل كانت هذه الزيارة حلقةً جديدةً في سلسلة الجهود الإقليمية الرامية إلى كسر الجمود وإرساء إطارٍ تفاوضيّ يُخفّف من وطأة التوترات التي بلغت ذروتها في منطقة الخليج الفارسي، بعد أن عمدت الولايات المتحدة إلى عسكرة المنطقة، ورفع مستوى التصعيد العسكري إلى حدودٍ غير مسبوقة؟
وعلى الرغم من التصريحات الرسمية الصادرة عن وزارة الخارجية الإيرانية، والتي أشار فيها المتحدث باسمها، إسماعيل بقائي، إلى لقاءات الوزير القطري بكلٍّ من عباس عراقجي وعلي لاريجاني، مع الاكتفاء بالقول إن هذه اللقاءات جاءت في سياق “المساعي الحميدة والتشاور بين دول المنطقة حول المستجدات الإقليمية، وتبادل وجهات النظر بشأن صون الأمن والاستقرار في المنطقة”، إلا أن هذه التصريحات لم تكشف النقاب عن خفايا الزيارة، ما زاد من غموضها وأبقى الأبواب مشرعةً أمام التأويلات.
وعلى الجانب الآخر، جاءت البيانات الصادرة عن الخارجية القطرية بدورها مقتضبةً، لتؤكد دعم الدوحة للحلول السلمية، وتثمينها لكل ما من شأنه تعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة، دون أن تُفصح عن تفاصيل دقيقةٍ حول مهمة الوزير القطري في طهران.
ومع تصاعد دوامة التساؤلات، بدا أن تغريدةً نشرها علي لاريجاني على منصّة “إكس” قدّمت مفتاحًا لفهم أبعاد هذا التحرك الدبلوماسي، ففي مساء السبت، كتب لاريجاني دون الإشارة صراحةً إلى لقائه بآل ثاني: “على الرغم من الضجيج الإعلامي المصطنع، فإنّ هناك تقدماً ملموساً في تشكيل إطارٍ جديدٍ للمفاوضات”.
واللافت أنّ هذه الإشارة لم تكن بعيدةً عن تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي أعاد تأكيده في اليوم ذاته أنه منخرطٌ بجديةٍ في محادثاتٍ مع طهران، مشيرًا إلى أنّ الإيرانيين كذلك يشاركون في هذه المفاوضات بجدية، وفي معرض ردّه عن موقفه النهائي بشأن إيران، قال ترامب من على متن طائرة الرئاسة: “لا أستطيع الإفصاح عن ذلك الآن، لكنني آمل أن يتوصلوا إلى شيءٍ مقبول”.
وعليه، فإنّ تجميع هذه الخيوط المتناثرة يُشير إلى أن وزير الخارجية القطري كان يؤدي دور الوسيط في تبادل الرسائل بين واشنطن وطهران، وأنّ هناك تقدماً ملموساً في الجهود الدبلوماسية الإقليمية لتشكيل إطارٍ تفاوضيّ جديد.
ومع ذلك، فإن أروقة السياسة الإيرانية، سواء على مستوى القيادات العسكرية أو السياسية، لا تزال تؤكد باستمرار على أنّ خيار الحرب يظلّ احتمالًا قائمًا، وقرارًا واردًا من قِبَل الطرف الآخر، هذه القناعة تستند إلى دروسٍ مستفادةٍ من المناورات السياسية التي مارسها ترامب سابقًا، سواء في سياق التصعيد ضد إيران أو عبر الأساليب المضللة التي اعتمدها في أزماتٍ مشابهة، مثل الأزمة الفنزويلية.
وعليه، فإنّ اليقظة القصوى والاستعداد الدفاعي المحكم، بالنسبة لطهران، لا يتعارضان مع مسارات الدبلوماسية، بل يُمثلان دعامةً استراتيجيةً لأيّ مبادرة سياسية، فوفق الرؤية الاستراتيجية الإيرانية، تبقى الدبلوماسية والاستعداد الميداني مسارين متوازيين ومتكاملين، لا يمكن لأحدهما أن يُغني عن الآخر، بل إنّ كليهما يتعاضدان في حماية السيادة، وترسيخ دعائم الاستقرار، وإيجاد حلولٍ تُحافظ على مصالح البلاد العليا.