الوقت- في مشهد يعكس واحدة من أخطر الكوارث الإنسانية والتعليمية في العصر الحديث، تتكشف في قطاع غزة ملامح ما بات يُعرف دوليًا بـ«الجيل المفقود»، بعد أن حُرم مئات آلاف الأطفال الفلسطينيين من حقهم الأساسي في التعليم نتيجة الحرب المستمرة والحصار الخانق الذي يفرضه الكيان الإسرائيلي على القطاع منذ سنوات، وتفاقم بشكل غير مسبوق منذ اندلاع الحرب في السابع من أكتوبر 2023.
وفقًا لتحذيرات متكررة صادرة عن وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف)، فإن ما لا يقل عن 600 ألف طفل في غزة حُرموا من التعليم الرسمي لما يزيد على عامين متتاليين، في ظل تدمير شبه كامل للبنية التحتية التعليمية، واستشهاد آلاف الطلبة والمعلمين، وتحويل المدارس المتبقية إلى مراكز إيواء للنازحين.
انهيار شامل للمنظومة التعليمية
أكد فيليب لازاريني، المفوض العام لوكالة الأونروا، أن النظام التعليمي في قطاع غزة يمر بحالة انهيار شبه كامل، موضحًا أن أكثر من 600 ألف طفل يعيشون اليوم دون أي وصول منتظم إلى التعليم، وهو ما يشكل تهديدًا وجوديًا لمستقبل جيل كامل من الفلسطينيين.
وأشار لازاريني إلى أن هؤلاء الأطفال لا يفتقدون التعليم فقط، بل يعيشون أيضًا في ظروف إنسانية ونفسية بالغة القسوة، بين الركام والنزوح المستمر وفقدان أفراد أسرهم، ما يضاعف من آثار الصدمة النفسية ويجعل عملية إعادة دمجهم في التعليم لاحقًا أكثر تعقيدًا.
ورغم هذه الظروف، أوضح أن الأونروا تمكنت، بإمكانات محدودة، من توفير مساحات تعليمية مؤقتة استفاد منها نحو 65 ألف طفل، إضافة إلى تقديم برامج تعليم أساسي عن بُعد لما يقارب 300 ألف طفل عبر منصات رقمية، تركز على محو الأمية والحساب الأساسي، في محاولة لمنع الانقطاع الكامل عن التعلم.
أرقام صادمة وخسائر غير مسبوقة
تشير بيانات صادرة عن منظمات أممية، من بينها اليونيسكو والأونروا ومكتب تنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، إلى أن نحو 745 ألف طالب في قطاع غزة حُرموا من التعليم الرسمي للعام الدراسي الثالث على التوالي، بينهم حوالي 88 ألف طالب جامعي توقفت دراستهم بشكل كامل.
وتُظهر التقارير أن ما بين 95 و97 في المئة من المدارس والمؤسسات التعليمية في القطاع تعرضت لأضرار جسيمة، سواء بالتدمير الكلي أو الجزئي، بما يشمل المدارس الحكومية، ومدارس الأونروا، والمؤسسات التعليمية الخاصة. وقد تحولت مئات المدارس إلى مبانٍ غير صالحة للاستخدام، فيما يحتاج ما تبقى منها إلى إعادة إعمار شاملة.
ويرى خبراء التعليم أن هذه الخسائر لا تُقاس بعدد المباني المدمرة فقط، بل بسنوات التعليم الضائعة، والتي تُقدَّر بما بين ثلاث إلى خمس سنوات تعليمية، وهو ما سيترك آثارًا طويلة الأمد على التنمية البشرية والاستقرار الاجتماعي والاقتصادي في غزة.
تحذيرات أممية من "جيل مفقود"
من جهتها، حذرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) من خطر ضياع جيل كامل من أطفال غزة، في حال استمرار تعطيل العملية التعليمية. وقال إدوارد بيغبدير، المدير الإقليمي لليونيسف في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إن أطفال غزة يعيشون للسنة الثالثة على التوالي دون مدارس، مشيرًا إلى أن الفشل في إعادتهم إلى التعليم بحلول فبراير المقبل سيدخلهم في عام رابع من الانقطاع، وهو ما يعني فعليًا نشوء «جيل مفقود».
وأوضح بيغبدير أن وقف إطلاق النار الذي بدأ في أكتوبر 2025 أتاح لليونيسف وشركائها إعادة نحو سدس الأطفال المستهدفين إلى مساحات تعليمية مؤقتة، إلا أن 85 في المئة من مدارس القطاع ما تزال مدمرة أو غير صالحة للاستخدام، بينما تُستعمل المدارس المتبقية كملاجئ للنازحين.
ووصف المسؤول الأممي الأوضاع التعليمية المؤقتة بأنها «قاسية وغير إنسانية»، حيث تُقام الصفوف داخل خيام أو قرب مخيمات النزوح، ويجلس الأطفال على الأرض أو على صناديق خشبية، دون أدنى مقومات البيئة التعليمية الآمنة.
التعليم كأداة للنجاة النفسية
تشدد اليونيسف على أن التعليم في غزة لم يعد مجرد حق أساسي، بل بات وسيلة حيوية لإعادة بناء التماسك النفسي والاجتماعي للأطفال الذين يعانون من صدمات الحرب. وأكد بيغبدير أن غالبية أطفال غزة بحاجة ماسة إلى دعم نفسي واجتماعي، وأن المدارس تلعب دورًا محوريًا في توفير هذا الدعم.
غير أن التحدي الأكبر، بحسب اليونيسف، يتمثل في منع الكيان الإسرائيلي دخول مواد البناء والمستلزمات التعليمية إلى القطاع، ما يعرقل إنشاء مدارس مؤقتة أو إعادة تأهيل المدارس المتضررة. وأشار المسؤول الأممي إلى أن الطلاب يفتقرون حتى إلى أبسط الأدوات، مثل الكتب والدفاتر وأقلام الكتابة.
استهداف مباشر للطلبة والمعلمين
في تصريحاته لقناة الجزيرة، قال كاظم أبو خلف، المتحدث باسم اليونيسف، إن 98 في المئة من مدارس غزة تعرضت للتدمير أو الضرر بسبب الحرب، مضيفًا أن نحو 638 ألف طفل فقدوا مدارسهم.
وأوضح أن مخلفات الحرب، بما في ذلك الذخائر غير المنفجرة، تشكل خطرًا كبيرًا على عودة الطلبة إلى المدارس، فضلًا عن غياب أي معدات تعليمية منذ بداية الحرب في أكتوبر 2023.
وأشار أبو خلف إلى أن الحرب أسفرت عن استشهاد نحو ألف من الكوادر التعليمية، إضافة إلى ما يقارب 20 ألف طالب، وهو ما يمثل ضربة قاصمة للقطاع التعليمي الفلسطيني.
التعليم في ظل المجاعة والحصار
تتزامن الأزمة التعليمية مع أزمة إنسانية خانقة، حيث حذرت اليونيسف من مخاطر مجاعة ضربت أجزاء من غزة خلال صيف 2025، في ظل استمرار الحصار ومنع دخول المساعدات. ورغم عدم إعلان مجاعة رسمية حتى الآن، تؤكد المنظمة أن الوضع الغذائي «هش وخطير للغاية»
وتشير التقارير إلى أن نحو 100 ألف طفل يعانون من انعدام حاد في الأمن الغذائي، فيما يواجه الأطفال تهديدات يومية بالجوع والمرض والموت، في أزمة وصفتها اليونيسف بأنها «نتيجة مباشرة للحرب والحصار، وليست كارثة طبيعية
واقع إنساني متدهور
بدوره، قال أمجد الشوا، مدير شبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية في غزة، إن الوضع الإنساني ما يزال كارثيًا رغم مرور أشهر على اتفاق وقف إطلاق النار، موضحًا أن الكيان الإسرائيلي يحاصر مئات آلاف الفلسطينيين في مساحة لا تتجاوز 41 في المئة من القطاع.
وأشار الشوا إلى أن أكثر من نصف مليون فلسطيني فقدوا منازلهم، وأن 90 في المئة من السكان باتوا عاجزين عن تلبية احتياجاتهم الأساسية بسبب الفقر وارتفاع الأسعار وفقدان مصادر الدخل، فيما تتدهور الأوضاع الصحية نتيجة تدمير شبكات المياه والصرف الصحي.
مستقبل غامض لجيل كامل
تحذر منظمة الصحة العالمية من أن أكثر من 100 ألف طفل و37 ألف امرأة حامل أو مرضعة قد يعانون من سوء تغذية حاد بحلول أبريل 2026، ما يهدد ليس فقط التعليم، بل بقاء جيل كامل على قيد الحياة.
في ظل هذا الواقع، يبدو أن أطفال غزة لا يواجهون خطر فقدان التعليم فحسب، بل خطر فقدان المستقبل بأكمله. ومع استمرار القيود التي يفرضها الكيان الإسرائيلي على إعادة الإعمار ودخول المساعدات، تتزايد المخاوف من أن يتحول «الجيل المفقود» من تحذير أممي إلى حقيقة دائمة، ستترك آثارها لعقود قادمة على الشعب الفلسطيني والمنطقة بأسرها.
