الوقت - في صبيحة الثالث من يناير عام 2026، استفاق عالم السياسة على واقعة كانت تلوح في الأفق، إذ نفّذت القوّات الأمريكية عدوانًا سافرًا فاحشًا على تراب فنزويلا، فاغتالت أمن المدنيّين في غير موضع، وسفكت الدماء، واعتقلت رئيس البلاد نيكولاس مادورو وزوجته، وساقتهما إلى خارج الوطن في عملية أقرب إلى القرصنة منها إلى القانون.
بعد هذا الحدث الخطير، خرج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ببيان يقطر بالتحدي، أعلن فيه أنّ الولايات المتحدة ستتولى إدارة فنزويلا ريثما يتم "الانتقال الآمن للحكم"، مؤكّدًا عزم حكومته على تمركز شركات النفط الأمريكية في البلاد، لتشرع في استثمار ثرواتها بلا مواربة.
لم تكن هذه العملية إلا أبشع تدخل عسكري أمريكي في أمريكا اللاتينية منذ اجتياح بنما عام 1989، إذ تُمثل صفعةً مدوّيةً على خاصرة السيادة الوطنية الفنزويلية، وخرقًا فاضحًا لقواعد القانون الدولي، وهدمًا صريحًا لركائز الشرعية الأممية التي قام عليها نظام العالم الحديث.
وما زاد الطين بلّةً، أنّ هذا العدوان الجريء جرى دون تفويض من مجلس الأمن، أو مصادقةٍ من الكونغرس الأمريكي نفسه، ما يجعله سابقةً خطيرةً، تفتح أبواب الدمار أمام القوى الطامعة الكبرى، وتُطلق عنان الفوضى في صرح النظام العالمي الآيل للسقوط.
وإذ نبتغي فهم هذه الجائحة السياسية، فالأجدر أن نغوص في خلفياتها. فلقد عُرفت فنزويلا بكونها جوهرةً سوداء فوق بحر نفط لا يُنضب، بأكثر من ثلاثمائة وثلاثة مليارات برميل من الاحتياطي المؤكّد، غير أنّها عَقَدت مواجهتها مع واشنطن منذ سنوات، حين فرضت الإدارة الأمريكية عليها حصارًا خانقًا، وضربتها بعقوبات موجعة أودت باقتصادها إلى مهالك الجوع والتضخم وانكماش التنمية.
وصُوّرَ نظام مادورو، في خضمّ الدعاية السوداء، على أنه “نظام نرجسي إرهابي متاجر بالمخدرات”، لتحظى الضربات بالتبرير، وتُغلف الأجندات بغلاف الفضيلة، غير أنّ أحدًا من الخبراء والمراقبين للمشهد لا يرى في هذه الأزمات الاقتصادية – على ما فيها من عنا – مبررًا لاجتياح عسكري خارجي، إذ إنّ المعالجات بالقوة لم تخلِّفْ في عالم السياسة سوى رماد يتطاير وسيادة تُداس.
وقد سوّق ترامب لغزوه تحت راية “السلام من خلال القوة”، وزعم أنّ العملية برمتها ترمي إلى اجتثاث جذور المخدرات وإرجاع الديمقراطية إلى حيث كانت. لكن كثيرًا من العارفين ببواطن الأمور قد رأوا في هذه الغزوة غايةً خفيةً تتّشح برداء المصالح الاقتصادية، وتستهدف بالأساس بسط القبضة على آبار النفط الفنزويلية، في مناورة رامية إلى تقليل الارتهان لنفط الشرق الأوسط، وضرب الهيبة الروسية والصينية.
في هذه الهجمة الغاشمة على سماء كاراكاس، تناهت إلى الآذان زمجرة الطائرات الأمريكية وهي تخرق الجو على انخفاض، وتُفرغ حمولاتها من القذائف على مواقع عسكرية، ومنها ما أصاب المدنيين، فحصدت تلك الغارة أرواح عشرات الأبرياء، وألقت بظلال الخراب على البنى التحتية للبلاد، وكانت هذه الجريرة شاهداً ناطقاً على استخفافٍ صارخٍ بأبسط معايير الإنسانية في الحروب، وهو استخفافٌ لطالما کُتب في سجلّ السياسات الأمريكية، حتى غدا ديدناً لها وشهادةً على مسلكها عبر السنين.
ومن زاوية القانون الدولي، فإن هذه العدوانية العارية من الشرعية تُعد انتهاكاً صريحاً لنصوص الميثاق الأممي، إذ جاءت خرقاً للبند الرابع من المادة الثانية من ميثاق منظمة الأمم المتحدة، ذلك الذي يحرّم استخدام القوة العسكرية ضد سيادة الدول وسلامة أراضيها، إلا في حال الدفاع المشروع عن النفس أو بإذنٍ صريح من مجلس الأمن، بيد أنّ الولايات المتحدة، لا اكتفت بتجاوز مجلس الأمن، بل وطأت بأقدامها قانونها الداخلي المعروف بـ"قانون صلاحيات الحرب"، الذي يُلزم السلطة التنفيذية بالحصول على تفويض من الكونغرس قبل الخوض في عمليات عسكرية مطوّلة، وما يزيد الطين بلّةً، أنّه حتى جورج بوش – في عزّ تغوّله – لم يُقدم على غزو العراق إلا بعد أن نال تفويضاً من المشرّعين، أما في الملف الفنزويلي، فقد بلغ الاستكبار ذروته، إذ جاهر الرئيس في مؤتمر صحفي بأنّه غير ملزَمٍ بالحصول على موافقة الكونغرس لشنّ العدوان على فنزويلا.
تداعيات العدوان الأمريكي على النظام الدولي
حذّر السيناتور مارك وارنر، نائب رئيس لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ الأمريكي، من خطورة أن تحتكر واشنطن لنفسها حق ضرب قادة الدول واعتقالهم، متسائلاً: “إذا ما ادّعت أمريكا هذا الحق لنفسها، فبأي معيار تُحرَمُ منه سائر الدول؟”، وأردف في بيانه: “إذا ما أجازت الولايات المتحدة لنفسها استخدام القوة العسكرية للهجوم على زعماء أجانب تتهمهم بارتكاب الجرائم، فما الذي يمنع الصين من أن تُبرّر عملاً مماثلاً ضد قيادة تايوان؟ وما الذي يحول دون أن يدّعي فلاديمير بوتين الحق نفسه لاختطاف رئيس أوكرانيا؟ إنّ اجتياز هذا الخط الأحمر يعني التصدّع التدريجي للنظام الدولي الذي يُلجم الفوضى، وسيكون الطغاة أول من يغتنم فرصة الانهيار".
ولعلّ آثار هذا التغوّل على النظام العالمي تُنبئ بشرّ مستطير، إذ يتهدد هذا المسلك مكانة الولايات المتحدة الدبلوماسية وهيبتها الدولية، ولا سيّما على إثر الإرث المثقل الذي خلفته سنوات حكم ترامب، ولم تكن ردّة الفعل العالمية سوى خير دليلٍ على استفحال النقمة: فقد وصفت كلّ من روسيا والصين وسائر الدول المناهضة للهيمنة الغربية هذا الفعل بأنّه “عدوان إمبريالي فجّ”، فيما بادرت جمهورية جنوب أفريقيا إلى الدعوة لانعقاد جلسة طارئة في مجلس الأمن، بل إنّ التحفظات لم تقتصر على خصوم أمريكا، بل أبدى حلفاؤها – من فرنسا إلى البرازيل – سخطهم الصريح، محذّرين من أن المضي في هذا المنحى قد يُشعل فتيل الفوضى في أمريكا اللاتينية، ويزلزل أركان الاستقرار الإقليمي بأسره.
على صعيد الاقتصاد، فإنّ العدوان على فنزويلا لا يلبث أن يُلقي بظلاله الثقيلة على أسواق النفط العالمية، إذ إنّ اضطراب إنتاج ما يربو على ثمانمائة ألف برميل في اليوم كفيلٌ بأن يزلزل الموازين ويُربك الحسابات، فتتقلب الأسعار وتضطرب المصالح في أرجاء العالم.
غير أنّ الخطر الأعظم لا يكمن في تقلب الأسواق، بل فيما أشار إليه نائب رئيس لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ الأمريكي من كون هذا السلوك يرسّخ سابقةً شديدة الوطأة، قد تغدو مثالاً يُحتذى، وسُنةً سيّئة تُقلَّد، فما من شيء، بعد ذلك، يمنع الدول الطامحة في البطش، من أن تنسج على ذات المنوال، وتذرع ميادين الشرعية بادعاء مباطل، فتغزو وتخطف، وتنهب وتستولي، كما فعلت واشنطن.
فإن كانت أمريكا، من غير وازعٍ من ضمير، أو محاسبة من ضميرٍ عالميّ، تستطيع أن تنقضّ على دولة ذات سيادة، فتختطف رئيسها، وتغترف ثرواتها، فبأيّ منطقٍ يُلام غيرُها؟ ولمَ لا تُقدم روسيا، وقد سبق لها أن ضمّت القرم في عام 2014، ثمّ اجتاحت أوكرانيا في 2022، على تكرار هذا المسلك بذريعة جديدة؟
تخيل – إن شئت – أن تتأهب موسكو، وتُرسل رجالها لاعتقال الرئيس الأوكراني زيلينسكي في عمليةٍ خاطفة، وتُبرّر فعلها بمحاربة “النازية” المزعومة! إنها ليست حملةً عسكريةً فحسب، بل شرارةً لحرب مدمّرة قد تبتلع أوروبا بأسرها.
ثمّ الصين، والنار تحت الرماد
ولا تقلّ احتمالات الصين خطورةً، إذ تمضي في نظرتها إلى تايوان بوصفها جزءاً لا يتجزّأ من أراضيها، وقد ظلّت تهديداتها بالغزو كامنةً تارةً وعلنيةً أخرى، تنتظر ربما لحظة ضعف النظام الدولي أو انهياره الكليّ لتنفذ أغراضها، فإن رأت في ما فعلته أمريكا رخصةً لا عواقب لها، فقد تُقدم – دون تردّد – على اجتياح الجزيرة، وربما الإيقاع برئيستها تساي إنغ-ون أو من يخلّفها.
وقد أجمعت التحليلات والتقارير، التي تهاطلت كالسيل بعد حادثة اختطاف نيكولاس مادورو، على أنّ الولايات المتحدة في هذا الصنيع تسير بالنظام العالمي نحو “شريعة الغاب”، حيث الكلمة العليا للبطش، والهيبة لمن ملك السلاح، ولم يعد للعقل أو القانون نصيبٌ من الميزان، ولا للعدالة في مضمار القوة مكان.
وفي ضوء هذا التحوّل العاصف، أفاد الساسة والمحللون بأنّ هذا العدوان، في جوهره، لا يشكّل مجرد انحرافٍ تكتيكي، بل زلزالاً يهدم ما بقي من هيكل النظام العالمي الهشّ، ويدفع الدول – كبيرها وصغيرها – إلى مراجعة خياراتها الدفاعية، كما ينذر بطفرةٍ في التسلّح، وخاصةً من بوابة روسيا والصين، نحو دول الجنوب العالمي المتوجّسة خيفةً من تغيّر الموازين وعدمية القانون.
ومن هذا الباب، ينبثق خطر المحاكاة المدمّرة، إذ تنسج الدول على منوال واشنطن، وتحت ذريعة “الخطر” تُبيح الدمار، وتحت ستار “الردع” تستبيح الأوطان، فتتفكك المنظمات الدولية – وعلى رأسها الأمم المتحدة – والتي اختلت من قبل وها هي الآن تتهاوى، فيما تنهمر النفقات العسكرية، وتُستنزف الثروات في ساحات الحرب بدلاً من ميادين البناء، فيندفع العالم من التنمية إلى النزاعات.
ويبلغ الخطب ذروته، حين يلوّح شبح الانهيار الكامل لما سُمّي بـ"النظام الدولي الأمريكي"، ذلك الذي صيغ بعد الحرب الكونية الثانية ومن بعدها الحرب الباردة، بمداد السيطرة وتوقيع الاحتلال، ثم يأتي من يقوّضه، لا من الأعداء بل من رموزه، ويقطع بخنجرٍ من داخله شرايين استقراره.
الجنوب العالمي يستفيق، والستار يُوشك أن يُسدل
أما الجنوب العالمي، الذي طالما أنكر على الغرب ازدواجيته ونفاق معاييره، فقد بات اليوم ينظر إلى أمريكا بعين الريبة، لا كقوةٍ عظمى تحمل لواء الحرية، بل كإمبرياليٍّ جائرٍ، متغطرسٍ، ينهب باسم القيم، ويغزو باسم القانون، وينصب نفسه حكماً وجلاداً في آن.
وتُشير أبرز التقديرات إلى أنّ ذنب واشنطن في هذا العدوان ليس مجرد خطأ في الحسابات، بل خطيئة وجودية تهدّد مرتكزات النظام الذي أنشأه رؤساء أمريكا المتعاقبون، وتطلب بناؤه دماء مئات الألوف من الأبرياء، وآلاف الحملات العسكرية، وتدخّلاتٍ سياسيةٍ مشوبةٍ بدخان البراميل والقنابل.
فنزويلا الجريحة
كلّ هذا، وفينيزويلا لا تزال في عين العاصفة، إذ يرى كبار الخبراء الإستراتيجيين الأمريكيين أنّ ما جرى ما هو إلا بداية فصولٍ أشدّ مرارةً، وأنّ الرئيس ترامب أوجد لأمريكا عراقاً آخر، وأفغانستان جديدة، لا على أطراف الأرض، ولكن في خاصرتها الخلفية، أمريكا اللاتينية.
وعلى هذا، فإنّ الأعوام القادمة مرشّحةٌ لأن تُسفر عن نتائج وخيمة، إذ تتقاطر الأزمات الأمنية والسياسية والاقتصادية من فنزويلا إلى أبواب واشنطن، وربما تدفع أمريكا الثمن، لا بالهزيمة في الخارج فحسب، بل بتصدّعات الداخل، واحتراق السمعة، ووهن اليد الطويلة التي طالما تذرعت بالقوة.
