الوقت- في مشهد غير مسبوق يكشف عمق الأزمة البنيوية التي يعيشها كيان الاحتلال الإسرائيلي، اصطفّ آلاف الصهاينة خلال الأيام الماضية أمام سفارة البرتغال في تل أبيب، طلبًا للجنسية والإقامة الأوروبية، في محاولة للهروب من مستقبل يزداد قتامة داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، هذا المشهد، الذي تداولته وسائل الإعلام العبرية والدولية على نطاق واسع، لم يعد حالة فردية أو ظرفية، بل تحوّل إلى ظاهرة اجتماعية متصاعدة تشير إلى تفكك الثقة بالكيان واهتزاز أسطورة "الوطن الآمن" التي طالما روّج لها الخطاب الصهيوني منذ أكثر من سبعة عقود.
تصاعد موجة الفرار
حسب صحيفة «يديعوت أحرونوت»، فإن الصور المنتشرة يوم الجمعة في تل أبيب تُظهر متقدمين صهاينة ينتظرون لساعات طويلة أمام السفارة من أجل الحصول على موعد لمعاملات الجواز والإقامة، ويُعد هذا الأمر مؤشرًا واضحًا على قلق الإسرائيليين بشأن مستقبل كيان الاحتلال ورغبتهم المتزايدة في الهجرة.
كما تشير التقارير إلى أن الهجرة إلى البرتغال شهدت ارتفاعًا غير مسبوق منذ اندلاع حرب غزة في الـ 7 من أكتوبر 2023، ووفقًا للبيانات الرسمية وتقارير الإعلام العبري، فإن عدد الصهاينة الذين غادروا الأراضي المحتلة بشكل نهائي منذ أكتوبر 2023 وحتى سبتمبر 2025 تجاوز 180 ألف شخص، وفي المقابل، تراجعت الهجرة اليهودية نحو الأراضي المحتلة بشكل كبير خلال العامين الأخيرين.
وحسب تقرير رسمي لمركز أبحاث الكنيست، فإن الفجوة بين عدد المغادرين والواصلين بلغت في عام 2023 نحو 58,600 شخص، وهي فجوة تضاعفت بشكل لافت بعد عملية "طوفان الأقصى"، وقد علّق "غيلعاد كريو"، رئيس لجنة استيعاب المهاجرين في الكنيست، بأن هذه الظاهرة ليست مجرد هجرة عادية، بل "تسونامي ديموغرافي كارثي"، محذرًا من أنها تشكل تهديدًا وجوديًا حقيقيًا لكيان الاحتلال.
وقال كريو إن هذه الموجة تُعد نتيجة مباشرة لسياسات حكومة بنيامين نتنياهو المتطرفة التي دفعت المجتمع الصهيوني نحو الانقسام والتوتر الداخلي، مؤكدًا أن الكثير من الإسرائيليين يفضّلون اليوم بناء مستقبلهم خارج فلسطين المحتلة، ويرى المحللون أن حرب غزة وجّهت ضربة قاصمة لصورة "إسرائيل الآمنة"، وخلقت موجة غير مسبوقة من اليأس وفقدان الثقة.
الأسباب المختلفة التي تدفع الصهاينة للهجرة
أسباب اقتصادية، وتتمثل في انهيار القوة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة
شهدت الأراضي المحتلة خلال السنوات الأخيرة ارتفاعًا كبيرًا في الأسعار، وخاصة أسعار العقارات التي باتت من الأعلى عالميًا مقارنة بمتوسط الدخل، ومع تصاعد الإنفاق العسكري وتراجع الاستثمار الأجنبي وتواصل الحرب في غزة، تدهورت المؤشرات الاقتصادية بشكل متسارع، ما دفع آلاف الصهاينة للبحث عن ملاذ اقتصادي خارج البلاد.
هروب رؤوس الأموال
القطاع التكنولوجي الذي كان يمثل عمود الاقتصاد الصهيوني بدأ يشهد نزيفًا بسبب تحويل الشركات لعملياتها إلى أوروبا والولايات المتحدة، أثار هذا الهروب قلقًا عميقًا بين الشباب الصهيوني الذين يرون مستقبلهم المهني يتقلص مع كل شهر من الحرب.
أزمة الثقة في مستقبل الاقتصاد
الديون الضخمة، والانكماش، وتزايد نفقات الحرب، جميعها مؤشرات دفعت الكثيرين إلى الشعور بأن اقتصاد الكيان يتجه نحو أزمة طويلة الأمد، ما يرفع دوافع الهجرة نحو دول توفر استقرارًا أكبر.
عدم الاستقرار الأمني وتلاشي صورة "الكيان الآمن"
منذ بداية الحرب على غزة، انهارت منظومة الأمن الداخلي، ولم تعد القبة الحديدية قادرة على إقناع المستوطنين بالعيش في حالة استقرار، فالهجمات الصاروخية من غزة ولبنان، وتصاعد عمليات المقاومة في الضفة الغربية، كلها عوامل فجّرت مخاوف غير مسبوقة.
امتداد الحرب إلى دول إقليمية
تمادى نتنياهو في توسيع رقعة العدوان، عبر ضربات في لبنان وسوريا والعراق وحتى إيران، هذا التوسع جعل الجبهة الداخلية في حالة استنفار دائم، وزاد مخاوف المستوطنين من أن الأراضي المحتلة باتت مسرحًا مفتوحًا للحرب.
تآكل الثقة بالجيش والمؤسسات
أظهرت التقارير العبرية أن ثلث الصهاينة لم يعودوا يثقون بقدرة الجيش على حماية الجبهة الداخلية. هذا التراجع في الثقة شكّل نقطة تحول خطيرة دفعت كثيرين للتفكير بالهجرة.
غياب الاستقرار السياسي واستمرار "مغامرات نتنياهو"
تتمثل في حكومة يمينية متشددة تعمّق الانقسامات، حيث أنسياسات نتنياهو وحكومته المتطرفة خلقت انقسامًا داخليًا غير مسبوق، وخاصة بعد مشاريع تعديل القضاء التي أدت إلى احتجاجات واسعة شلّت الاقتصاد وأضعفت صورة الكيان أمام العالم.
بالإضافة إلى أولوية البقاء السياسي على حساب الأمن القومي، حيث اتهم مسؤولون صهاينة—بينهم رؤساء أجهزة سابقة—نتنياهو بأنه يطيل أمد الحرب في غزة من أجل البقاء في السلطة، حتى لو كان ذلك على حساب أمن المستوطنين، هذا الاتهام شكل شرارة إضافية دفعت كثيرين لاعتبار الهجرة خيارًا أكثر أمانًا.
عزلة دولية متزايدة، فمع توسع الجرائم في غزة واتساع نطاق التنديد الدولي، باتت صورة الكيان في الخارج عبئًا على مواطنيه، إذ أصبح السفر بجوازه يمثل خطرًا أحيانًا، وفرص الاندماج في الخارج تتقلص.
الأبعاد الديموغرافية للهجرة العكسية الصهيونية
الانهيار الديموغرافي يشكل خطرًا استراتيجيًا على المشروع الصهيوني، فهجرة 180 ألف مستوطن خلال عامين فقط تُعد ضربة قاصمة لجهود التوسع الاستيطاني التي تعتمد على زيادة عدد اليهود في الأراضي المحتلة.
وفي المقابل، تراجع الهجرة نحو الأراضي المحتلة يقلّص قدرة الكيان على تعويض هذا النقص، وقد حذّر خبراء صهاينة من أن استمرار هذا المسار سيخلق "فراغًا ديموغرافيًا" غير مسبوق، يهدد بتقليص الأغلبية اليهودية التي يسعى الكيان للحفاظ عليها بأي ثمن.
طوابير الهجرة… شهادة على فشل الرواية الصهيونية
تشكّل طوابير الصهاينة أمام سفارة البرتغال أكثر من مجرد حركة هجرة؛ إنها علامة فارقة على انهيار أسطورة "أرض الميعاد الآمنة"، فالحروب التي شنها نتنياهو، والضربات الإقليمية المتبادلة، والأزمة الاقتصادية، والانقسام السياسي العميق، كلها عوامل تدفع المشروع الصهيوني نحو مرحلة جديدة من التآكل الداخلي.
ومع استمرار كيان الاحتلال الاسرائيلي في شن حروب متفرقة في المنطقة، يبدو أن المزيد من الصهاينة سيبحثون عن طريق للخروج، ما يكشف هشاشة المشروع القائم على القهر والقوة، والذي يقف اليوم أمام تحديات وجودية تعصف بكل أركانه.
