الوقت - بعد أشهر من وعد ترامب قبل 24 ساعة بإنهاء الحرب في أوكرانيا حال وصوله إلى السلطة، قدّم الرئيس الأمريكي الآن خطة سلام يأمل أن يقبلها قادة كييف وموسكو، وتتضمن الخطة، المكونة من 28 نقطة، والتي أُعلنت تفاصيلها يوم الجمعة، بنودًا مهمة تلتزم بموجبها روسيا بعدم مهاجمة الدول المجاورة، ويمتنع الناتو عن التوسع شرقًا، ستتخلى أوكرانيا عن جزء كبير من أراضيها وتُقلّص جيشها إلى 600 ألف جندي، سيتم تعديل الدستور الأوكراني لحظر العضوية في الناتو، وسيضمن الناتو عدم انضمام أوكرانيا إليه مستقبلًا وعدم نشر أي قوات على أراضيها، تشمل الضمانة الأمنية الأمريكية تعويضات، وإلغاء الضمان في حال شنّ روسيا هجومًا على أوكرانيا، بالإضافة إلى المطالبة برد عسكري حاسم، وإعادة فرض العقوبات على موسكو في حال شنّ هجوم روسي آخر عليها، وسيتم رفع العقوبات تدريجيًا، وستعود روسيا إلى مجموعة الثماني، إضافةً إلى ذلك، سيتم الاعتراف بشبه جزيرة القرم ولوغانسك ودونيتسك تحت السيطرة الروسية، وسيتم تحديد منطقتي خيرسون وزابوريزهيا كمناطق مجمدة وعازلة، وستجري أوكرانيا انتخابات خلال 100 يوم، وسيحصل جميع العسكريين من الطرفين على عفو شامل.
واعتبر ترامب هذه الخطة الخيار الأمثل لإنهاء الصراع، وأعلن في رسالة أن على الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي قبولها، وأعطى كييف أسبوعًا واحدًا فقط للضغط على الأوكرانيين، وهدد بوقف المساعدات الاستخباراتية والعسكرية إذا لم يوافقوا، قال ترامب، الذي يرى خطته الخطوة الأهم نحو إنهاء الصراع، في رسالة إن على الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي قبول خطة السلام المدعومة من الولايات المتحدة لوقف العدوان الروسي، والموافقة عليها في نهاية المطاف، وقد أمهل كييف أسبوعًا واحدًا فقط لتوضيح موقفها، ويضغط على الأوكرانيين لوقف المساعدات الاستخباراتية والعسكرية إذا رفضوها.
المعارضة الأوروبية مُستعدة
على الرغم من أن ترامب يرى خطته مثالية ويتوقع من الآخرين قبولها، إلا أن وسائل الإعلام والمسؤولين الأوروبيين والأوكرانيين رفضوها على الفور وبشدة، مُعلنين أنها "تفتقر إلى عناصر السلام الحقيقية"، ووفقًا لمسؤولين أوروبيين، فإن الخطة تمنح روسيا تنازلات واسعة، وفُسِّرت على أنها أشبه بـ"قائمة أمنيات فلاديمير بوتين".
وفي أول رد فعل له على خطة ترامب، قال زيلينسكي للشعب الأوكراني: "إنه خيار بين 28 نقطة صعبة أو شتاء قاسٍ للغاية، سيكون هذا الشتاء الأصعب حتى الآن، وقد نضطر إلى المخاطرة أكثر، سيكون من الصعب العيش بدون حرية وكرامة وعدالة وثقة في حزب هاجمنا مرتين بالفعل".
وأكد أن "أساس كل شيء هو سيادة أوكرانيا واستقلالها وأراضيها وشعبها ومستقبلها، ويجب احترام مصالحها الوطنية"، كما حذّرت كايا كالاس، مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، فريق ترامب من أن أي خطة سلام لن تنجح دون دعم كييف والدول الأوروبية، التي تُعدّ حاليًا أكبر داعميها الماليين والعسكريين، ويبدو أن خطة السلام لا تشمل طرفي النزاع الرئيسيين فحسب، بل تُحدّد أيضًا وضع الولايات المتحدة وأوروبا كحليفين رئيسيين لكييف، لذا فإن طريق تنفيذها سيكون طويلًا ومعقدًا للغاية.
نصر كبير لروسيا
في الواقع، تُمثّل خطة ترامب لروسيا نصرًا واضحًا، كان الهدف الرئيسي لموسكو من شنّ غزو أوكرانيا هو منع حلف الناتو من التقدم نحو حدودها، والآن، بعد أربع سنوات، أعلنت الولايات المتحدة رسميًا أن هذا التحالف العسكري لن يتوسّع شرقًا في المستقبل، وسيتم تسجيل هذا التقييد في ميثاق الناتو، بالإضافة إلى ذلك، كان منع أوكرانيا من الانضمام إلى الناتو هدفًا روسيًا آخر، وقد أُقرّ في خطة ترامب، وينبغي أن ينعكس في دستور كييف، نقطة محورية أخرى هي أن روسيا ستحافظ على سيطرتها على الأراضي الأوكرانية المحتلة، بما في ذلك شبه جزيرة القرم ودونيتسك ولوغانسك، والتي رفضت كييف قبولها حتى الآن، ولكنها قد تُجبر على قبولها لتجنب المزيد من الخسائر، كما ستُنشئ روسيا منطقة عازلة على حدودها مع أوروبا، وتُحسّن أمنها الحدودي، ما يُقلل من مستوى المواجهة مع الناتو.
ومن منظور اقتصادي، ستتحرر روسيا أيضًا من العقوبات الغربية الشاملة، وستتمكن من العودة إلى الأسواق العالمية وتعويض جزء كبير من التكاليف المالية التي تكبدتها خلال السنوات الأربع الماضية.
إضافةً إلى ذلك، سيتم العفو عن المسؤولين والعسكريين الروس الذين كانوا يُحاكمون أمام المحاكم الغربية في حال تنفيذ الخطة، ولن يواجهوا أي تهديدات قانونية، وهو إنجاز قانوني كبير أيضًا، وأهم ما يضع روسيا في موقع متميز هو نجاحها الميداني في أول مواجهة مباشرة لها مع الناتو، فعلى الرغم من المساعدات العسكرية الغربية الواسعة لأوكرانيا، أصبحت موسكو الآن صاحبة اليد العليا في ساحة المعركة، وحتى المحللون والمسؤولون الغربيون يؤكدون هذه الحقيقة، ومن هذا المنظور، فإن هذا الإنجاز لا يشكل انتصاراً عسكرياً لروسيا فحسب، بل نجاحاً استراتيجياً ودولياً أيضاً، إذ تمكنت من صد أكبر تحالف عسكري في العالم، ما يعزز مكانة موسكو بين اللاعبين العالميين.
أوكرانيا خاسرة تمامًا
إن تطبيق خطة ترامب لأوكرانيا فاشل من جميع النواحي، اليوم، لم تخسر أوكرانيا مئات الآلاف من عسكرييها منذ بداية الحرب فحسب، بل اضطرت أيضًا إلى التنازل عن أكثر من 10% من أراضيها لروسيا، ما أضعف مكانتها كدولة أوروبية كبرى، وتكبد القادة الأوكرانيون هذه التكاليف والخسائر البشرية للانضمام إلى حلف الناتو، لكن الغرب أعلن رسميًا الآن أن أوكرانيا لن تصبح أبدًا عضوًا في هذا الحلف، وبالتالي يجب على كييف أن تتخلى إلى الأبد عن أي أمل في التحالف مع الناتو.
كما أن الضمانات الأمنية التي تقدمها الولايات المتحدة وأوروبا لا تساعد في حل مشاكل أوكرانيا عمليًا، لم تعد هذه الوعود ذات أهمية بالنسبة للأوكرانيين، لو كانت هذه الضمانات فعّالة حقًا، لكان من المفترض أن تُحقق نتائج ملموسة خلال السنوات الأربع الماضية، ولكن حتى الآن لم يُحقق أي نجاح، لذلك، فإن ادعاء الناتو بدعم أوكرانيا في حال تعرضها لهجوم روسي جديد هو في الغالب دعاية، لأن أوكرانيا ليست عضوًا رسميًا في الناتو، ولا يستطيع هذا التحالف مواجهة روسيا مباشرةً، وبالتالي لا يمكن لكييف الاعتماد على ضمانات ترامب المترددة.
إضافةً إلى ذلك، تعرضت أوكرانيا أيضًا للإذلال على الساحة الدولية، لأنها خالفت روسيا في خطط الغرب، ولم تسفر عن أي نتيجة سوى الدمار والخسائر المادية والبشرية الفادحة، والآن يقدم لها الغرب نسخة أخرى من السلام المفروض، كما أن لدى ترامب خططًا لمستقبل زيلينسكي لإزاحته في الانتخابات المقبلة وجلب وجوه جديدة إلى السلطة، لذلك، فإن زيلينسكي، الذي سقط في بئر الانهيار مع أمريكا وأوروبا، يجد نفسه الآن معرضًا لخطر خسارة كل شيء مع السلام المفروض.
فوز ترامب وفشل استراتيجي لواشنطن
تُعتبر خطة ترامب للسلام أيضًا فشلًا استراتيجيًا لأمريكا أكثر منها نجاحًا، على الرغم من ادعائه بأن هذه الخطة قادرة على إنهاء أحد أكبر الأزمات الدولية وتحقيق إنجاز تاريخي، إلا أنه لا يوجد إجماع في الأوساط السياسية وبين نخب واشنطن على أن وقف الحرب في أوكرانيا في ظل الظروف الحالية يصب في مصلحة الولايات المتحدة، إن فشل الناتو في احتواء روسيا أمرٌ يصعب على العديد من السياسيين الأمريكيين استيعابه، وقد يُضعف مصداقية واشنطن دوليًا.
مع ذلك، بالنسبة لترامب نفسه، تُعتبر هذه الخطة بمثابة نصر، فهو يستطيع أن يُقدم نفسه على الساحة العالمية كصانع سلام، وأن يُظهر دوره البنّاء في الأزمات الكبرى، إضافةً إلى ذلك، تُتيح البنود الاقتصادية للخطة لترامب تقديمها كإنجاز ملموس للأمريكيين، ومن الأمثلة على هذه المزايا حصوله على 50% من أرباح الأصول الروسية المجمدة، واستثمار الباقي في مشاريع أمريكية روسية مشتركة، ما قد يُخفف من حدة الانتقادات الداخلية.
أوروبا تخسر في مقامرة بوتين-ترامب
كان الهدف الأوروبي الأولي هو إضعاف غريمها التقليدي عسكريًا واقتصاديًا من خلال تقليص الحرب وتعزيز موقفها في مواجهة موسكو، لكن ما كسبته أوروبا من هذه الخطة هو عكس ما توقعته تمامًا، ولم تُضعف روسيا فحسب، بل عززت بفضل تقدمها الميداني موقفها العسكري واقتربت من حدود الناتو أكثر من أي وقت مضى، اليوم، تدهور الأمن الأوروبي مقارنةً بما كان عليه قبل حرب أوكرانيا، وتشعر دول هذه القارة، وخاصة تلك الواقعة على حدود روسيا، بظلال التهديد أكثر من أي وقت مضى.
ومن ناحية أخرى، إذا قُبلت خطة ترامب، فستفقد ثقة الأوروبيين بالولايات المتحدة كقائدة لحلف الناتو، ولن يعودوا قادرين على الاعتماد على دعم واشنطن، وقد دفعت هذه القضية القادة الأوروبيين إلى إنشاء ممر عسكري مستقل، بل تشكيل حلف الناتو الأوروبي، بهدف تقليل اعتمادهم على الولايات المتحدة والتمكن من الاعتماد على أنفسهم في أوقات الأزمات، مع ذلك، لن يستسلم الأوروبيون، الذين تكبدوا أكبر الخسائر البشرية والمالية في هذه الحرب، لخطة ترامب للسلام، فالهزيمة أمام روسيا ليست فشلاً فحسب، بل هي أيضاً إذلال لهم، ولذلك ستسعى أوروبا إلى إيجاد حلول للحد من الأضرار وتعزيز استقلالها الاستراتيجي مع الحفاظ على مصالحها، بشكل عام، إذا توقفت الحرب في أوكرانيا، فإن أحد أهم دروس هذه الأزمة المستمرة منذ أربع سنوات هو أن مصداقية الناتو لدى الدول التي كانت تعتمد على دعمه ستُشكك بشدة، وستعيد العديد من الحكومات النظر في سياساتها.
وقد تزعم الولايات المتحدة أن خطة السلام يمكن أن تمنع حرباً مستقبلية، لكن نطاق الصراعات وعواقبها غيّرت الوضع في أوروبا الشرقية لمصلحة روسيا، لذلك، من المرجح أن تكون جهود أوروبا المتأخرة لتعويض هذه التغييرات غير فعالة، ولن تعود الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل الحرب، وستظل الأزمة الأمنية تلقي بظلالها على أوروبا، وفي الوقت نفسه، يتحدى هذا الوضع القوي هيمنة حلف شمال الأطلسي ويثبت أن حتى القوى العظمى لا تستطيع أن تمتلك السيطرة الكاملة على الحقائق الجيوسياسية الجديدة.
