الوقت- أثار تصريح المندوب السوري لدى الأمم المتحدة جدلاً واسعاً بعد إعلانه أن الرد العسكري على الهجمات الإسرائيلية غير مطروح حالياً، مع تبرير ذلك بالحفاظ على ما وصفه بـ مكاسب الدولة، فيما شدد على أن التطبيع لا يزال بعيداً وغير مطروح في الوقت الراهن، هذا الموقف أثار تساؤلات عديدة حول معنى هذه المكاسب وطبيعة المسؤوليات التي يجب أن تتحملها الدولة تجاه شعبها في ظل اعتداءات متكررة تمس السيادة والأمن الوطني.
جاء التصريح في وقت حساس، حيث يعاني الداخل السوري من ضغوط اقتصادية وأمنية كبيرة، بينما تستمر "إسرائيل" في شن غارات تستهدف مواقع داخل الأراضي السورية منذ سنوات، ومع ذلك، يتجنب الخطاب الرسمي خيار الرد العسكري المباشر، وهو ما يثير حفيظة الشارع ويجعل المواطنين يتساءلون عن قدرة الدولة على حماية المدنيين، ويضعهم أمام واقع مؤلم يبدو فيه أن حياتهم ليست أولوية.
ما هي مكاسب الدولة التي ينبغي الحفاظ عليها؟
أحد الانتقادات البارزة لهذا التصريح هو الغموض الكبير في مصطلح مكاسب الدولة، فالبلاد تعاني من أزمات اقتصادية حادة، انقسامات سياسية، ضعف البنية العسكرية، وهشاشة البنى الإدارية والخدمية، هذا يثير تساؤلاً جوهرياً: هل هناك بالفعل مكاسب ملموسة تستدعي تعليق الرد العسكري، أم إن الحديث عن المكاسب جزء من حسابات سياسية داخلية وخارجية لا علاقة لها بالقوة الحقيقية للدولة؟
غياب الرد أدى إلى استمرار الاعتداءات بشكل منظم، ما يضعف صورة الدولة أمام مواطنيها والعالم، وخصوصاً عندما تكون الحجة الحفاظ على مكاسب غير ملموسة، المواطن السوري يشعر بأن ما يصفه المسؤولون بالمكاسب لا ينعكس على أرض الواقع، وأن حياته ليست جزءاً من أولويات الدولة.
الدولة لحماية الناس أم الناس لحماية الدولة؟
أحد أبرز الانتقادات الموجهة للسلطة السورية هو المفارقة التالية:
في كل دول العالم الدولة تحمي الشعب، لكن في سوريا يبدو أن الشعب أصبح درعاً يتحمل الهجمات بدل أن تحميه الدولة.
هذا النقد يلمس جوهر وظيفة الدولة، حيث يُقاس نجاحها بقدرتها على حماية مواطنيها، القول بأن الرد غير مطروح حفاظاً على الدولة يجعل المواطن الحلقة الأضعف ويؤكد أن سلامته ليست أولوية، كما يعطي هذا الموقف انطباعًا بأن الهجمات الإسرائيلية أصبحت واقعاً مألوفاً، والسلطة تكتفي بالبيانات الدبلوماسية دون اتخاذ أي خطوات فعلية على الأرض.
معادلة الردع المفقودة
الدول التي تمتلك القدرة على الردع تفرض قواعد تمنع استمرار الاستهداف، سواء عبر الرد العسكري المباشر أو خلق توازن سياسي وأمني يجعل الطرف الآخر يعيد حساباته، في الحالة السورية، يبدو أن معادلة الردع غائبة تماماً، إذ لم توضح السلطة سبب عجزها عن تطوير منظومة ردع ولو بحد أدنى.
وإذا كان عدم الرد يُبرَّر بالحفاظ على المكاسب، فإن السؤال الجوهري يبقى:
هل يمكن لدولة لا تمتلك القدرة على حماية مجالها الجوي أن تدعي امتلاك مكاسب استراتيجية؟
أي مكسب لا يحمي السيادة يبقى ناقصاً، ويثير الشكوك حول مدى فعاليته.
التطبيع: بعيد أم غير ممكن؟
إشارة المندوب إلى أن التطبيع غير مطروح ولا يزال بعيداً تحمل دلالات سياسية مهمة، لكنها لا تمحو التناقض بين موقف عدم الرد والاعتداءات المستمرة، رفض التطبيع يرتبط عادة بإبقاء خطوط المواجهة مفتوحة نظرياً، لكن الواقع يظهر غياب مواجهة فعلية، سواء سياسية أو عسكرية، ما يجعل الموقف غير منسجم:
لا حرب… لا سلام… ولا تطبيع.
هذا الوضع الرمادي يسمح باستمرار الاعتداءات دون تكلفة على الطرف الإسرائيلي، بينما يدفع المدنيون الثمن على الأرض، في ظل غياب رؤية حكومية واضحة لمعالجة الوضع.
غياب استراتيجية وطنية واضحة
تحليل الموقف يظهر غياب استراتيجية واضحة لدى السلطة السورية في التعامل مع التهديدات الخارجية، الدولة تبدو في حالة رد فعل دائم، بلا خطة تجمع بين الدبلوماسية، تطوير منظومة الردع، وحماية المدنيين، هذا يعمّق شعور المواطنين بالعجز وفقدان الثقة، ويجعلهم يشعرون بأن حياتهم ليست أولوية.
غياب التنسيق بين المؤسسات السياسية والعسكرية يزيد الوضع سوءاً، إذ يشعر المواطن بأن الرد الرسمي يقتصر على البيانات، في حين يحتاج الواقع إلى رؤية وطنية شاملة تعيد تعريف أولويات الأمن القومي، أي سياسة غير واضحة تزيد احتمالية استمرار الاعتداءات وتكرارها بلا مساءلة حقيقية.
تأثير الصمت الرسمي على الثقة الشعبية
غياب الرد العسكري والتبريرات المستمرة بحماية مكاسب الدولة أثر بشكل مباشر على مستوى الثقة الشعبية بالسلطة، فالمواطنون باتوا يشعرون بأن حياتهم وأمنهم أصبحا عرضة للابتزاز السياسي، وأن القرارات الرسمية لا تعكس أولوياتهم الأساسية، هذا الانفصال بين الممارسة على الأرض والخطاب الرسمي يخلق شعوراً بالخذلان ويزيد من الاحتقان الاجتماعي، كما أن استمرار الاعتداءات دون رد يعزز الانطباع بأن الدولة عاجزة عن حماية سيادتها، ما يدفع بعض الشرائح إلى البحث عن وسائل حماية ذاتية أو الاعتماد على تحالفات محلية غير رسمية، وهو ما قد يوسع دائرة الفوضى الأمنية.
مسؤولية الدولة تجاه شعبها
تصريح المندوب يعكس مزيجاً من الحذر السياسي والضعف العسكري، ويشير إلى مرحلة معقدة تمر بها البلاد، جوهر الانتقاد واضح:
الدولة التي تعجز عن حماية شعبها لا يمكنها الادعاء بأنها تحافظ على مكاسب، فالمكسب الأول لأي دولة هو أمن مواطنيها.
حتى يتغير هذا الواقع، سيظل السوريون يتساءلون عن حدود المسؤولية الرسمية تجاههم، ومعنى السيادة في ظل قصف بلا رد، ووعد بلا حماية، وصمت يُبرَّر بالحفاظ على مكاسب غير مرئية على الأرض.
