الوقت - منذ عام منصرم، استغل الكيان الصهيوني ما تعيشه سوريا من اضطراب سياسي وانفلات أمني، فشرع يشنّ الهجمات الضارية على الجنوب، طامعاً في توسيع تخوم كيانه، وتمديد حدود أطماعه، بيد أنه اليوم يصطدم بصخرة صماء تحطم أحلامه في التوسع وقضم الأراضي.
ففي أحدث فصول هذه القضية، تسلل عدد من جنود الاحتلال فجر الجمعة، للسيطرة على بلدة “بيت جن” في ريف دمشق، فجابههم شبان سوريا بصدور عارية وإرادة فولاذية، وقد اعترفت أبواق إعلام الکيان بوقوع اشتباكات دامية، أسفرت عن إصابة ستة من جنودهم، ثلاثة منهم يصارعون الموت، وما كان من الكيان المهزوم إلا أن استنجد بسلاح الجو ليصب حمم غضبه ونيران حقده على البلدة الآمنة، ما أسفر عن ارتقاء شهداء وجرحى من الأهالي العزل، زاعمين كذباً وزوراً أنهم يلاحقون مطلوبين من “الجماعة الإسلامية”.
ورغم تبجح الجيش الصهيوني، حفظاً لماء الوجه المراق، بأنه ألجم المسلحين واعتقل بعضهم، إلا أن المشاهد الموثقة فضحت زيف ادعائهم وعوار كذبهم؛ إذ أظهرت فلولهم يفرون مدبرين تاركين آلياتهم غنيمةً، قبل أن يغير عليها طيرانهم لئلا تقع في يد الأحرار وتكون عليهم حجة وشاهداً، وقد أقرت القناة الثانية عشرة العبرية بأن طائراتهم وقفت عاجزةً عن نجدة جنودهم لاشتباكهم المتلاحم مع الأهالي وقرب المسافة بينهم.
تأتي هذه الوقائع في خضم تحركات عسكرية مريبة في الجنوب السوري، حيث يسعى المحتل لزرع بؤر استيطانية جديدة، ولا سيما بعد زيارة نتنياهو المشؤومة التي حملت رسائل التثبيت والتهويد، ملوحةً بسيناريوهات قضم الأرض وبسط النفوذ الصهيوني على المدى البعيد.
وفي سياق متصل، قطع وزير حرب الکيان، يسرائيل كاتس، كل حبل للوصال، مصرحاً في جلسة سرية للكنيست باستحالة السلام، معللاً ذلك بإصرار دمشق على استعادة الجولان المحتل، وهو ما يراه ضرباً من المحال.
فبعد أن انقض طيران الکيان فور سقوط النظام السابق على المطارات والقواعد، محيلاً جُل القدرات الدفاعية هشيماً تذروه الرياح، واصل عدوانه من دير الزور إلى حمص، ومن حلب إلى درعا، وقد اتخذ من حماية الدروز ذريعةً للتدخل، طامحاً لشق طريق من الجولان المحتل إلى السويداء، وها هم اليوم يشطرون الجنوب شطرين: حزام أمني محرم يحظر فيه الدخول المسلح بعمق كيلومترات، ومنطقة منزوعة السلاح يحرم فيها سير الآليات الثقيلة من دمشق إلى درعا.
ردة فعل على صمت القبور لدى حكومة الجولاني
لقد كشفت الأحداث الأخيرة في الجنوب السوري الهوة السحيقة بين الرعية والرعاة؛ فالشعب المكلوم الذي يبيت ويصبح على وقع التهديد والوعيد، بات يوقن أن لا عاصم له اليوم من أمر الکيان إلا سواعد أبنائه، إن حكومة الجولاني التي تشدقت بالدفاع عن حياض الوطن، تهاوت وعودها كقصر من رمال أمام عجزها الفاضح عن لجم العدوان، ما أوهن ثقة الناس بها وجعلها أثراً بعد عين، وقد تجلى الخزي في أبهى صوره حين طالبه الصهاينة، في مفاوضات متوالية، إما بالتنازل عن الجولان كلياً، أو القبول باتفاق مرحلي يبقي للغزاة عشرة مخالب في عمق الجسد السوري، من جبل الشيخ شمالاً حتى الحدود الجنوبية.
إزاء هذا الخذلان، شمّر الأهالي عن سواعد الجد، مقررين الذود عن حياضهم بأنفسهم، معرضين عن حكام الأمس الذين كانوا في عداد الإرهابيين، إنها ردة فعل فطرية، بل جواب طبيعي لمن يرى ماله ودمه مباحاً بلا رقيب ولا حسيب، وحين يدرك المرء أن لا درع يقيه ولا سيف يحميه، فلا مناص من أن يمتشق حسام الدفاع بيده، إن هذا الحال ينبئ عن شرخ عميق في جدار الثقة بين الحاكم والمحكوم، ويدل على أن الناس قد يئسوا من الوعود الجوفاء، فانبروا لتدبير شؤون أمنهم ومعاشهم بأنفسهم، معلنين فشل الهياكل الرسمية في توفير الأمن والأمان.
تداعيات أمنية واستخباراتية تقض مضاجع تل أبيب
إن لهذه الضربة التي وقعت في خاصرة دمشق، على محدوديتها، دوياً هائلاً في أروقة تل أبيب؛ إذ برهنت أن المناطق التي ظنوا أنها دانت لهم بالسيطرة، ما هي إلا سراب بقيعة، فقد استطاعت قوى غير نظامية، بأساليب بدائية وعتاد زهيد، دحر نخبة الجند الصهيوني وإرغامهم على التقهقر، كما أثبتت الواقعة أن الخطر المحدق بالكيان لم يعد حكراً على حدود لبنان وغزة، بل نبتت في محيط دمشق مجموعات شبحية مرنة، قادرة على توجيه لدغات موجعة، فهذه الخلايا المقاومة، بخلاف الجيوش الجرارة، عصية على الرصد والتعقب، خبيرة بتضاريس الأرض ومسالكها، ما يجعل خطط العدو الكلاسيكية هباءً منثوراً.
ومن المنظور الاستخباراتي، شكلت هذه المباغتة صفعةً مدويةً لأنظمة الرصد والإنذار، كاشفةً عن ثغرات قاتلة سترفع فاتورة الاحتلال الأمنية، إن هذه المجموعات قادرة بضربات جراحية دقيقة أن تستنزف العدو وتربك دوائر قراره، وتتحداه في عقر دار منظومته الأمنية، ترسم هذه الأحداث صورةً قاتمةً لتعقيدات المشهد السوري في عيون تل أبيب؛ فالتهديد بات مبعثراً، عصياً على التنبؤ، متعدد المحاور، ما يوجب على جيش الاحتلال إعادة النظر في عقيدته القتالية وتعزيز رصده الميداني.
ولعل الأدهى للعدو هو خيبة ظنه بأن جذوة المقاومة قد خبتت بسقوط نظام الأسد؛ فها هو جيل جديد ينهض من تحت الرماد، مشعلاً جبهةً جديدةً تؤكد أن إرادة السوريين في الدفاع عن هويتهم وترابهم صخرة لا تنكسر، وعلى الصعيد الاجتماعي والنفسي، فإن كل عملية ناجحة تزيد من لحمة الشعب بالمقاومة، وتقطع الطريق على العملاء، محولةً الجغرافيا السورية إلى مستنقع يغرق فيه الغزاة، وحصن منيع يحطم أطماع تل أبيب التوسعية.
تباشير وعد المرشد الإيراني الأعلی تلوح في الأفق
حين استقوى الإرهاب في دمشق، ظنّ الحلف العبري الغربي أن الساحة قد خلت لهم ليمرروا مخططاتهم البائسة، غير أن قادة المقاومة، بثاقب بصيرتهم، كانوا يقرؤون الغيب بمداد اليقين، ويرون مستقبلاً صاغته إرادة الشعوب لا أهواء الغزاة، وفي هذا المضمار، صدق السيد علي الخامنئي، المرشد الإيراني الأعلی، حين جزم باستحالة ديمومة الاحتلال، قائلاً بلسان الواثق: “سوريا لأهلها، ولن يلبث الغزاة المعتدون حتى يفروا مدحورين أمام بأس شبابها الغيور”.
وها هو الصبح قد تنفس عن صدق تلك النبوءات، حيث اشتد عود المقاومة الوطنية، جاعلاً من التوسع الصهيوني حلماً بعيد المنال وطريقاً محفوفاً بالمخاطر، لقد أدرك السوريون أن التهاون يعني استنساخ المأساة الفلسطينية وتجرع كأس المرارة ذاتها، هذا الوعي الجمعي هو الذي دفع المجتمع المحلي لحمل لواء الدفاع عن الأرض والعرض، ولما كان طغيان الجولاني وقمع حكومته قد أجّج نار الغضب في الصدور، فإن وثبة هؤلاء الفتية ليست سوى جرس إنذار لحكومته المؤقتة: إياكم والوقوف في وجه السيل الجارف، فإن طوفان الشعب لا يبقي ولا يذر، وسيسقط الشرعية المهترئة عن كل متخاذل، لتغدو شبكات المقاومة الشعبية هي الرقم الصعب واللاعب الأوحد في معادلة الأمن السوري.
