الوقت- لم يعد الحديث عن الانتهاكات الجسيمة التي يتعرّض لها الأسرى الفلسطينيون داخل سجون الاحتلال الإسرائيلي مجرد روايات متفرقة أو شهادات فردية، بل تحوّل إلى ملف حقوقي متكامل يتّسع يومًا بعد يوم، خصوصًا بعد الكشف عن ما يحدث داخل سجن سدي تيمان المعسكر الذي بات عنوانًا للرعب ولانهيار كامل للمعايير الإنسانية والقانونية.
أحدث ما نُشر في هذا السياق هو شهادة المحامي والناشط الحقوقي الفلسطيني خالد محاجنة، وهو الوحيد الذي تمكن من دخول المعسكر ورؤية جزء من الحقيقة. محاجنة، المعروف بعمله في ملفات الأسرى، صرح بأنه فوجئ بما رآه وسمعه، رغم خبرته الطويلة، إلى درجة أنه وصف تجربته بأنها “تفاصيل لم يكن العقل ليصدقها”.
معسكر بلا بنية تحتية… ولا إنسانية
سدي تيمان ليس سجنًا بالمعنى التقليدي، بل مجموعة براكيات أقرب إلى معسكر احتجاز ميداني، بلا أي خدمات أو مرافق. الأسرى ينامون على الأرض، في ظروف تشبه معسكرات الاعتقال الجماعية في الحروب القديمة. وفقًا لمحاجنة:
يُخصَّص حيز صغير مرسوم على الأرض لكل أسير، يُمنع عليه مغادرته أو تحريكه ولو لبضعة سنتيمترات. يعيش الأسير مقيد اليدين طوال ساعات، في وضعية جلوس مرهقة. أي محاولة للحركة تُواجَه بالضرب فورًا. يُغطّى وجه الأسير بعصبة لا تنزع إلا في حالات محددة، أبرزها—بشكل صادم—عند تنفيذ انتهاكات جنسية بحق أسرى آخرين بهدف الإذلال. هذه المشاهد تكشف أن ما يجري لا علاقة له بالتحقيق أو الإجراءات الأمنية، بل يهدف إلى تفكيك شخصية الأسير وضرب إنسانيته في العمق.
انتهاكات جنسية… وشهادات صادمة
من أكثر ما أثار الفزع في شهادة محاجنة هو الحديث عن جرائم اعتداء جنسي تحمل طابعًا انتقاميًا يصعب وصفه. فقد تحدّث عن حالات اغتصاب للأسرى باستخدام أدوات صلبة، منها عصا غليظة، وأحيانًا أنبوب مطفأة الحرائق الذي يُستخدم لإدخال مواد في أحشاء الضحايا.
بحسب روايته، يتم: نزع ملابس الأسير بشكل كامل، تثبيته أرضًا ومنعه من الحركة، إدخال أدوات خشبية ومعدنية في جسده بطرق قسرية، وسط ضحكات الجنود، تصوير بعض هذه المشاهد بغرض الإذلال.
ما يرويه محاجنة لا يندرج تحت بند "التعذيب الجسدي" فقط، بل يصل بوضوح إلى مستوى جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وفق القانون الدولي.
طبابة للتحطيم الجسدي… وليس للعلاج
أحد أكثر المحاور خطورة في شهادة محاجنة يتعلق بدور بعض الأطباء الإسرائيليين داخل المعسكر. فبدلًا من تقديم العلاج للمعتقلين الذين يعانون من إصابات أو التهابات ناتجة عن القيود والتعذيب، شارك بعضهم في عمليات بتر للأطراف دون تخدير.
تبرير القائمين على هذه الإجراءات، وفق ما نقله محامون، هو أن:
القيود الحديدية الطويلة تسببت بتهتك الأنسجة. و أن البتر أسهل من العلاج، من ناحية أخرى لا يسمح للأسير بالصراخ أو حتى البكاء أثناء العملية.
هذا الدور المنسوب إلى الطواقم الطبية يثير تساؤلات خطيرة حول تسييس مهنة الطب وتحويلها إلى أداة قمع داخل المعتقلات. و بذلك تتراكم الانتهاكات لتكشف عن سياسة واضحة: إضعاف الأسير وتجويعه حتى الانهيار، حبث يحصل كل أسير على قطعة خبز واحدة فقط يوميًا. بالإضافة إلى أن 70% من الأسرى يعانون من أمراض جلدية بسبب عدم الاستحمام وعدم تغيير الملابس. فبعض المعتقلين لم يبدلوا ملابسهم الداخلية منذ سنتين. هذه الظروف لا تمثل إهمالًا طبيًا فحسب، بل ترقى إلى التعذيب النفسي والجسدي المركّب.
15 ألف أسير “مجهول”… وصمت دولي خانق
يقدّر محاجنة وجود نحو 15 ألف معتقل محتجزين في مراكز لا يُعرف عنها الكثير، ويتم التعامل معهم بقسوة استثنائية. وجود هذا العدد الضخم خارج أي رقابة قانونية يعني:
انتهاكًا مباشرًا لاتفاقيات جنيف الخاصة بحماية الأسرى. في ظل غياب أي تفتيش دولي أو حتى تقارير دورية.
وما يعزز خطورة الملف هو أن هذه الممارسات ليست جديدة، بل تعود إلى ما قبل 7 أكتوبر، ثم تصاعدت بشكل مرعب بعد الحرب على غزة وتغيّر إدارة السجون تحت إشراف الوزير إيتمار بن غفير.
شهادات الصحفيين، استهداف الوعي قبل الجسد
من بين من التقاهم محاجنة الصحفي الفلسطيني محمد عرب، مراسل “تلفزيون العربي”. شهادته أكدت أن ما يجري ليس فقط ضربًا أو تعذيبًا، بل عملية ممنهجة لتدمير المعنويات. تُستخدم ضد الصحفيين أساليب مضاعفة، ربما لأن الاحتلال يدرك أثر صوتهم في كشف الحقيقة.
وتشير هذه الشهادات إلى أن الاحتلال لا يسعى إلى “استجواب” المعتقلين، بل إلى تفريغهم من أي قدرة على التماسك النفسي.
سدي تيمان نموذج لما يجري في أماكن أخرى
على الرغم من التركيز الإعلامي على سدي تيمان، إلا أن هذه الممارسات ليست استثناءً. ما كشفه المحاجنة يتقاطع مع شهادات أخرى من سجون مختلفة كالنقب وعوفر، مجدو، الدامون. لكن سدي تيمان يبدو الأخطر لأنه: يقع في منطقة معزولة تمامًا. يُدار من قبل الجيش، وليس من قبل مصلحة السجون فقط. يُخصَّص بشكل أساسي للوافدين من غزة.
بمعنى آخر، نحن أمام تجربة اعتقال جماعية وظروف تُشبه "المسلخ"، كما وصفها بعض الأسرى.
ضرورة تحرك دولي
الانتهاكات الواردة في الشهادات الأخيرة ليست مجرد “تجاوزات فردية”، بل سياسة ممنهجة تستهدف جسد الإنسان الفلسطيني ونفسيته وكرامته.
وفي ظل هذا الصمت الدولي، تزداد مسؤولية المؤسسات الحقوقية ووسائل الإعلام في توثيق هذه الجرائم والدفع نحو مساءلة عادلة، فالإفلات من العقاب ليس خيارًا، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بجرائم ترقى بوضوح إلى جرائم ضد الإنسانية.
