الوقت- أكد مسؤولون إسرائيليون ويمنيون أن الجيش الإسرائيلي قصف صنعاء، عاصمة اليمن، وأعلنت قناة المسيرة اليمنية أن الهجوم الذي وقع يوم الأحد استهدف منشأة نفطية ومحطة كهرباء في صنعاء، كما أعلن الكيان الإسرائيلي أنه استهدف القصر الرئاسي في العاصمة اليمنية، والذي يُزعم أنه يقع في "مجمع عسكري".
ووفقاً للمسيرة، استشهد ستة أشخاص على الأقل وأصيب 86 آخرون في هذه الهجمات، وادعى الجيش الإسرائيلي أن الهجمات الأخيرة وقصف صنعاء نُفذ رداً على هجمات متكررة من قبل القوات اليمنية. ذكرت قناة المسيرة، نقلاً عن مسؤول عسكري يمني، أن الدفاعات الجوية للجيش اليمني تمكنت من "التصدي لمعظم طائرات العدو الإسرائيلي التي شاركت في العدوان وإجبارها على مغادرة المنطقة".
هذه ليست المرة الأولى التي يزعم فيها الصهاينة قصف اليمن بهدف وقف الهجمات الصاروخية للقوات اليمني، فعلى مدار العامين الماضيين، وبالتزامن مع حرب غزة، قصف جيش الكيان الصهيوني موانئ ومنشآت ومعدات عسكرية تابعة للجيش اليمني في أكثر من 18 مرحلة على الأقل، لكن يبدو أن أياً من هذه القصف لم ينجح في وقف الهجمات الصاروخية اليمنية على الأراضي الفلسطينية المحتلة، ولا يزال الصهاينة عاجزين أمام هجمات اليمن.
هجمات غير فعالة
بعد الهجمات الإسرائيلية على صنعاء، سارعت قوات أنصار الله اليمنية إلى التأكيد على أن هذه الهجمات لن تعيق العمليات العسكرية اليمنية دعماً للفلسطينيين وأعلن محمد البخيتي، المسؤول في أنصار الله اليمنية، في بيان أن العدوان الإسرائيلي على اليمن لن يثنينا عن مواصلة دعمنا لغزة. كما وصف عبد الثور، المسؤول في وزارة الدفاع اليمنية، مزاعم إسرائيل بمهاجمة أهداف عسكرية بأنها "أكاذيب"، وقال إن إسرائيل قصفت البنية التحتية المدنية لتسببها في معاناة اليمنيين، وأضاف المسؤول العسكري اليمني لقناة الجزيرة أن القصر الرئاسي اليمني، الذي أصيب بصاروخ إسرائيلي يوم الأحد، ظلّ مهجورًا منذ زمن طويل، وأن ما تفعله "إسرائيل" هو في الواقع عمل همجي.
كما أدانت حماس الهجمات الإسرائيلية على اليمن، ووصفتها بأنها "انتهاك واضح للسيادة العربية والقانون الدولي"، وتُعدّ الهجمات الإسرائيلية الفاشلة الأخيرة على صنعاء مثالًا على فشل "إسرائيل" الاستراتيجي ضد اليمن، تُنفّذ هذه الهجمات بشكل رمزي ضد المدنيين اليمنيين والبنية التحتية المدنية، ما يؤدي إلى أزمة إنسانية للمواطنين اليمنيين، لكنها لا تؤثر على القدرات العسكرية لليمن.
استعادة السلطة في صنعاء
منذ مارس 2025 وحده، أي قبل حوالي 5 أشهر، أُطلق أكثر من 70 صاروخًا و22 طائرة مسيرة من اليمن على "إسرائيل"، وتشير هذه الهجمات إلى أن آلة الحرب اليمنية ضد "إسرائيل" لا تزال نشطة رغم القصف، واستهدف الجيش اليمني أيضًا أكثر من 100 سفينة تجارية متجهة إلى "إسرائيل" في البحر الأحمر منذ نوفمبر 2023، ما أدى إلى ارتفاع حاد في أسعار التأمين وفرض تكاليف باهظة على السفن التجارية المتجهة إلى "إسرائيل"، كما أجبرت الهجمات اليمنية ميناء إيلات، الميناء الرئيسي لـ"إسرائيل" على البحر الأحمر، على تقليص أنشطته بنسبة 90%، ما دفعه إلى حافة الإفلاس، ويشير هذا الوضع إلى أن القصف الإسرائيلي لليمن لم يُجدِ نفعًا حتى الآن.
وعلى الرغم من انضمام الولايات المتحدة في البداية إلى هجمات "إسرائيل" على اليمن، إلا أنها سرعان ما أدركت المأزق الاستراتيجي في اليمن، لكنها سرعان ما تجنبت حرب استنزاف مكلفة بإعلان وقف إطلاق النار مع القوات اليمنية، كانت حملة القصف الأمريكية على اليمن، التي بلغت تكلفتها مليار دولار، غير فعالة لدرجة أن إدارة ترامب قبلت على الفور وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه عُمان، ووفقًا لأحدث التقييمات، منذ أن أوقفت الولايات المتحدة الهجمات، أعادت القوات اليمنية بناء أنظمة الرادار وشبكات الاتصالات وقدرات الاستطلاع، كما أجرت تدريبات بحرية في ميناء الحديدة، ونشرت أسلحة حديثة على ساحل البحر الأحمر، ونقلت ذخيرة إلى المناطق الجبلية الغربية.
لماذا تُعتبر الهجمات على محطات الطاقة في اليمن غير فعالة؟
خلال الأشهر القليلة الماضية، تجاوزت الهجمات الإسرائيلية استهداف الأهداف العسكرية في اليمن لتشمل البنية التحتية المدنية الحيوية مثل محطات الطاقة، قصفت "إسرائيل" محطة حزاز للطاقة، وهي محطة رئيسية لتوليد الطاقة في العاصمة اليمنية صنعاء، الشهر الماضي، لكن النشاط العسكري للقوات اليمنية لم يتوقف، تعكس استراتيجية "إسرائيل" في مهاجمة المنشآت المدنية سوء تقديرها، فرغم أن هذه الهجمات مدمرة بلا شك، إلا أنه من غير المرجح أن يكون لها تأثير كبير على قدرة اليمن على مواصلة عملياتها العسكرية دعماً للفلسطينيين.
استُهدفت محطات الطاقة اليمنية مراراً وتكراراً خلال حرب التحالف الذي تقوده السعودية على اليمن (2015-2023)، ما دفع اليمنيين إلى اللجوء إلى مصادر لامركزية للكهرباء، مثل محطات الطاقة الشمسية الصغيرة، ومولدات الكهرباء المنزلية، ووحدات الديزل، أما الهجمات الإسرائيلية الحالية على محطات الطاقة، فليس لها تأثير استراتيجي يُذكر على الوضع اليمني، إذ إن إمدادات الطاقة في اليمن محلية ولامركزية إلى حد كبير.
كسب حرب الروايات
يُظهر إطلاق صاروخ باليستي يمني على مطار بن غوريون الأسبوع الماضي قدرات اليمن الصاروخية الهائلة، علاوة على ذلك، تُعزز الهجمات الإسرائيلية على المنشآت المدنية اليمنية رواية مقاومة اليمن للعدوان الإسرائيلي، وتزيد من الشرعية الإقليمية لقوات أنصار الله اليمنية، في حين تتزايد عزلة "إسرائيل" الدولية.
الآن، يُقدَّم "عبد الملك الحوثي"، زعيم حركة أنصار الله اليمنية، كأحد القادة المهمين والحاسمين في "محور المقاومة" الإقليمي، وتعكس كلماته استراتيجيات الشهيد السيد حسن نصر الله، زعيم حزب الله اللبناني، وقد انتقد الحوثي مرارًا الحكومات العربية لـ"ضعفها المُخزي" في الاستسلام للضغوط الأمريكية والإسرائيلية، وفي الوقت نفسه يُقدِّم القوات اليمنية كقوات شجاعة في مواجهة العدوان الإسرائيلي.
رسالة الحوثي مُدروسة وفعالة للغاية في المنطقة، فمن خلال إدانة المطالب الأمريكية بنزع سلاح حزب الله اللبناني باعتبارها "خيانة للسيادة"، وسخرية صفقات الغاز المصرية مع إسرائيل باعتبارها "تناقضًا مأساويًا"، واتهام القادة العرب بالصمت في وجه خطاب نتنياهو التوسعي عن "إسرائيل الكبرى"، نجح الحوثي في تصوير القوات اليمنية على أنها الرادع الوحيد في شبه الجزيرة العربية ضد العدوان العسكري الإسرائيلي.
كل هجوم إسرائيلي على اليمن، وخاصةً على الأهداف المدنية، يُعزز خطاب زعيم أنصار الله حول قيادة معسكر المقاومة، ويُضعف موقف "إسرائيل"، وفي الوقت نفسه يُرسّخ نفوذ أنصار الله خارج حدود اليمن، في غضون ذلك، تُواصل "إسرائيل" تجاهل الحقائق، وتُغفل أن العمل العسكري لا يُمكن أن يُحل المشكلة اليمنية، لقد علّمنا التاريخ دروسًا جلية، من حزب الله إلى حماس إلى أنصار الله، لا يستسلمون تحت القصف؛ بل يكتسبون المزيد من الشرعية من خلال المقاومة، إن مسار "إسرائيل" الحالي في المنطقة لا يُبشر إلا بعزلة أعمق وصراع مُطوّل.