الوقت- أفادت صحيفة "إسرائيل هيوم" بأن موجة جديدة من الاحتجاجات المناهضة لإسرائيل بدأت في سوريا مع عطلة نهاية الأسبوع، وأن المتظاهرين هتفوا ضد إسرائيل في دمشق والقنيطرة والحسكة وحمص. وتتقاطع هذه الرواية مع ما نقلته وكالة "فرانس برس" عن وقفات احتجاجية نفذها مئات السوريين في مدن عدة، تنديداً بالتوغلات الإسرائيلية المتكررة في الجنوب التي أسفرت هذا الأسبوع عن مقتل مدني من ذوي الاحتياجات الخاصة. ورفع أحد المتظاهرين لافتة كتب عليها إن سوريا لن تكون ساحة مفتوحة للاحتلال، فيما أعرب نائب المبعوث الأممي إلى سوريا كلاوديو كوردوني عن أسفه لمقتل الشاب، داعياً إسرائيل إلى احترام سيادة سوريا وسلامة أراضيها. وهكذا بدأ الشارع السوري يتحرك بعد أشهر من الانتهاكات التي كانت تُقابَل في الغالب بصمت رسمي وبيانات عامة. ويلاحظ أن الصحيفة العبرية وصفت ما يجري بأنه موجة جديدة، أي أنها لا ترى فيه حدثاً عابراً، وهو ما يعكس قلقاً إسرائيلياً من تحول الغضب الشعبي في سوريا إلى عامل ضغط على الحكومة السورية وعلى الترتيبات الأمنية الجارية.
بين لغة السيادة ولغة الرموز
تباينت هتافات المتظاهرين، فبعضها قاده منطق السيادة الوطنية، إذ قال مسؤول محلي سابق في درعا إن الوطن السوري واحد وإن السوريين يد واحدة ضد التوغلات، وأحرق متظاهرون في الحسكة العلم الإسرائيلي. وفي القنيطرة هتفت الجموع مطالبة بإعلان الجهاد، بينما استحضرت هتافات في مدن أخرى رموزاً تاريخية ودينية. وقد ركزت الصحافة الإسرائيلية على هذه الشعارات الأخيرة لتقديم المشهد بوصفه إعلاناً للجهاد. وهنا يجدر التمييز، فالاحتجاج على احتلال وتوغلات حق مشروع تسنده قواعد القانون الدولي، أما الهتافات التي تخاطب اليهود عموماً لا الاحتلال وسياساته، فتخلط بين رفض الاحتلال والعداء الديني، وتمنح الرواية الإسرائيلية مادة جاهزة لتشويه مطلب سيادي مشروع. وتكشف تفاصيل الشعارات أن الاحتجاج لم يكن موحد اللغة أو القيادة، فبعضها صدر عن أهالي مناطق تعاني مباشرة من التوغلات، وبعضها عن تجمعات في مدن بعيدة عنها، ما يرجّح أن الشارع يعبّر عن غضب عام أكثر مما يعبّر عن تنظيم واحد يملك برنامجاً محدداً.
ما الذي أشعل الشارع؟
لا يمكن فهم الاحتجاجات بمعزل عن تراكم الوقائع في الجنوب، فالقوات الإسرائيلية تنفذ توغلات شبه يومية في القنيطرة ودرعا، وتحتفظ بنقاط عسكرية ثابتة، وتقيم حواجز مفاجئة، وتعتقل رعاة ومزارعين وأطفالاً، وتجرف أراضي زراعية وتقتطع مساحات واسعة منها، فضلاً عن السيطرة على موارد مائية استراتيجية. وجاء مقتل المدني من ذوي الاحتياجات الخاصة ليكون الحادثة التي كسرت حاجز الصبر، فخرجت تظاهرات في مدن عدة تضامناً مع درعا والقنيطرة. وبهذا المعنى تبدو الموجة تعبيراً عن غضب متراكم من واقع يشعر فيه سكان الجنوب بأنهم يُتركون وحدهم في مواجهة قوة تفوقهم عسكرياً وتفرض عليهم قيوداً يومية، وتزداد وطأة ذلك مع غياب أفق قريب للحل. وتضمنت الوقفات مطالبة عائلة سوري اعتقلته إسرائيل أمام مقر الأمم المتحدة في دمشق بالإفراج عنه، في تذكير بأن ملف الاعتقالات الذي وثّقته لجان حقوقية، ومنه اعتقال 49 سورياً بينهم طفلان، ما زال مفتوحاً بلا إجابات.
حسابات السلطة بين الشارع والتفاوض
تضع هذه الاحتجاجات السلطة الانتقالية أمام معادلة معقدة. فهي تتفاوض أمنياً مع إسرائيل بوساطة أمريكية، وقد نقلت "جيروزاليم بوست" عن مسؤول أمريكي أنه لا يتوقع استئناف المحادثات قبل الانتخابات الإسرائيلية المقررة الأسبوع المقبل، بينما كشفت هيئة البث الإسرائيلية "كان" أن السلطات السورية تخشى عملية عسكرية غير اعتيادية قبل تلك الانتخابات. وتزداد الدلالة لأن بعض المظاهرات، بحسب وسائل إعلام، خرجت في معاقل تعد قاعدة دعم للحكم الجديد مثل إدلب وحمص، ما يعني أن الاستياء لا يقتصر على المعارضين. وبين شارع يطلب موقفاً أكثر حزماً وقدرة ردع محدودة على الأرض، تحتاج دمشق إلى تحويل هذا الغضب إلى ورقة ضغط سياسية دون الانزلاق إلى مواجهة لا تملك أدواتها. ويضاعف من حساسية المرحلة أن إسرائيل مقبلة على انتخابات الأسبوع المقبل، ما يعني أن أي تصعيد ضد دمشق قد يخدم حسابات انتخابية، وأن السلطة السورية معنية بتجنب أي خطوة تمنح ذريعة، حتى لو بدا ذلك بطيئاً في نظر شارع غاضب.
القراءة الإسرائيلية: تضخيم وتوظيف
يأتي تركيز الصحافة الإسرائيلية على عبارة "إعلان الجهاد" في توقيت انتخابي حساس، وهو توظيف يخدم رواية تقول إن البقاء في جنوب سوريا ضرورة أمنية وإن الخطر قادم من الجوار. ويتجاهل هذا التأطير السبب الجوهري الذي أخرج الناس إلى الشوارع، وهو سلسلة توغلات واعتقالات وهدم وجرف نفذتها إسرائيل نفسها داخل أراضٍ سورية. كما يختزل مشهداً متنوعاً في عدد محدود من الهتافات، ويحوّل احتجاجاً على الاحتلال إلى مادة تعبئة. وتستفيد الرواية الإسرائيلية من أي هتاف متشدد لتعزيز حجة قديمة مفادها أن الحكم الجديد في دمشق لا يمكن الاطمئنان إليه، رغم أن وزارة الإعلام السورية أعلنت في تصريحات سابقة أن سياسة دمشق ترتكز على الاستقرار والسلام لا على فتح جبهات جديدة. وفي المقابل تدرك أوساط سورية أن الخطاب المتشدد قد يستخدم ذريعة لتبرير ضربات أو توغلات إضافية، ما يجعل ضبط لغة الاحتجاج جزءاً من حماية الموقف السوري نفسه.
ما بعد الاحتجاج
لن توقف الوقفات الاحتجاجية التوغلات الإسرائيلية بمفردها، لكنها تضيف عنصراً يصعب تجاهله إلى معادلة التفاوض، فهي تذكّر الحكومة والوسطاء بأن القبول بوقائع الجنوب لا يحظى بغطاء شعبي. ويمكن للسلطة الانتقالية أن تستثمر هذا الزخم عبر التمسك بخطاب سيادي واضح يستند إلى اتفاق فض الاشتباك لعام 1974 وقرارات الأمم المتحدة، وتفعيل القنوات الدولية لتوثيق الانتهاكات، بدل ترك الشارع يتحرك دون سقف. كما أن حماية الاحتجاج من الانزلاق إلى شعارات طائفية أو دينية تقع على عاتق المنظمين ووسائل الإعلام معاً، فالرسالة الأقوى أمام العالم هي رسالة مدنية سلمية تستند إلى القانون الدولي وتوثّق الانتهاكات بالأسماء والتواريخ والأرقام. ويبقى السؤال: هل تتحول هذه الموجة إلى رافعة دبلوماسية تدفع المجتمع الدولي إلى تثبيت وقف التوغلات، أم تتحول إلى توتر غير مضبوط يمنح إسرائيل ذريعة جديدة لتشديد قبضتها على الجنوب؟
