الوقت - حطّ قائد الجيش الباكستاني عاصم منير رحاله في طهران أمس، في زيارة بالغة الأهمية لافتة للأنظار، التقى خلالها كبار المسؤولين السياسيين والعسكريين والأمنيين في الجمهورية الإسلامية.
وفي حين شهدت الأشهر التي تلت حرب الأربعين يوماً قفزةً ملحوظةً في الزيارات الدبلوماسية بين مسؤولي البلدين، وبينما يتوجّه منير إلى إيران في مهمة دبلوماسية للمرة الخامسة، تحمل الزيارة الأخيرة من وجوه عدة أجواءً مغايرةً تماماً لسابقاتها.
أولاً، بات أفق الاتفاق وحلول الوساطة بين إيران وأمريكا أكثر شحوباً من ذي قبل، بسبب نكث البيت الأبيض عهوده، وموجات التصعيد الجديدة، وتفاقم التوتر في مضيق هرمز، ولم يُبقِ جموح واشنطن وإفراطها في المطالب أملاً يُذكر في إحياء المفاوضات.
ثانياً، التطورات الإقليمية، ولا سيما في اليمن، التي دفعت باكستان إلى الخروج من دور الوسيط الخفي نحو حضور أكثر فاعليةً في النزاعات.
وثالثاً، ملف الحدود الذي فتح باباً جديداً في مضمون المحادثات بين مسؤولي البلدين.
لقد خلق هذا الثالوث مناخاً أثّر بعمق في زيارة قائد الجيش الباكستاني، وفي نظرة الجانب الإيراني إلى دور إسلام آباد، حتى غدا تصوّر الطرفين لأولويات التفاوض متباعداً تبايناً فاحشاً. فبينما وضع عاصم منير الوساطة وتلطيف الأجواء السياسية والإعلامية، تمهيداً لإعادة فتح باب الدبلوماسية، في صدارة أهداف زيارته، ترى إيران أن العلاقات الثنائية أولى بالاهتمام وأرجح.
العلاقات الثنائية
جاءت زيارة قائد الجيش الباكستاني إلى طهران في ظل بعض التحديات في الملفات الثنائية، وفي موازاة مسار متقدم من التعاون السياسي والأمني والاقتصادي والتجاري بين البلدين. ويبرز تحديان بالتحديد: تصاعد تحركات الجماعات الإرهابية على حدود البلدين في الأسابيع الأخيرة، ومشكلات التجارة البرية وتباطؤ تبادل السلع، ولا سيما عبر معبر «ريمدان – غبد»، ما أدى إلى توقف الشاحنات وازدحامها على الحدود.
ففي ظل تشديد الضغوط الاقتصادية والعقوبات الأمريكية، وبخاصة بعد فرض الحصار البحري عبر مياه الخليج الفارسي، غدت التجارة البرية مع دول الجوار إحدى أبرز أولويات الحوكمة في السياسة الخارجية الإيرانية. فهي، بحكم أثرها في عنصر الصمود الاقتصادي، ترتبط على نحو غير مباشر بمصير الحرب نفسه. ولهذا تصدّرت المباحثات حول حلّ مشكلات الحدود مطالب الجانب الإيراني في هذه الزيارة. وقد ردّ عاصم منير، على استفسار رئيس البرلمان الإيراني بشأن التبادلات الحدودية بين البلدين، بأن المشكلات الحدودية كانت مؤقتةً وفنيةً، وأن الحدود بين البلدين قد فُتحت اعتباراً من اليوم.
أما الملف الحدودي الآخر فيتعلق بأمن الحدود. إذ تطالب طهران الجانب الباكستاني باهتمام أكثر جديةً بالتزامات حسن الجوار، في ضبط التهديدات الصادرة من داخل أراضيه ضد الأمن القومي لإيران ووحدة أراضيها، ومواجهتها. فقد استُشهد في الأسابيع الأخيرة عدد من عناصر الأمن والمواطنين، إثر هجمات غادرة شنّتها جماعات معادية وانفصالية وتكفيرية على مدن حدودية في سيستان وبلوشستان، وخلّفت تحديات أمنية لدى السكان المحليين. ومع أن القوات العسكرية والأمنية والاستخباراتية للجمهورية الإسلامية تصرفت بحزم وجدّية في تفكيك عصابات المجرمين المرتزقة على موائد أمريكا والكيان الصهيوني، ولم تتح لهذه العناصر فرصة الظهور والاستعراض، فإن الجمهورية الإسلامية ترى أن إجراءات حكومة إسلام آباد في مواجهة هذه التهديدات غير كافية، وهو ما قد ينعكس على علاقات الأخوّة وحسن الجوار بين البلدين.
القضايا الإقليمية وأزمة اليمن
أما البعد الآخر لزيارة قائد الجيش الباكستاني فهو الحوار حول القضايا الإقليمية، وتطورات اتساع رقعة الصراع وعدم الاستقرار من الخليج الفارسي إلى مناطق أخرى، ولا سيما اليمن ومضيق باب المندب، الذي فتح اليوم الباب أمام دخول مصالح باكستان في دائرة النزاعات.
وفي هذا الشأن، تُقرأ دبلوماسية الجانب الباكستاني لا بوصفها وساطةً محايدةً، بل جزءاً من لعبة الطرف الأمريكي – السعودي ببيادقه ضد تحالف محور المقاومة في الحرب، وهي لعبة تتركز على احتواء أزمة الطاقة.
ففي حرب اليمن، أبى السعوديون في السنوات الأخيرة، بصلف وتكبّر، أن يخطوا خطوةً نحو رفع الحصار البحري اللاإنساني عن اليمن وإعادة فتح مطار صنعاء، عبر دبلوماسية الوساطة العُمانية والقطرية. وحتى حين شرعت حكومة صنعاء، في إجراء مشروع لكسر الحصار وإرساء معادلة ردع في مواجهة الرياض، بعمليات عسكرية متقدمة في المناطق المحتلة على الساحل الغربي المطل على باب المندب، وانتهجت سياسة الحصار البحري والجوي المتبادل ضد السعودية، لم يقبل السعوديون التراجع أمام المطالب المشروعة لأنصار الله. وراهنوا على أن يُجبروا القوات اليمنية مجدداً على التراجع وقبول الهزيمة، بتعبئة شبكة القوى المرتزقة، وزجّ الحلفاء الإقليميين (تركيا – باكستان) والدوليين (الغرب) في الميدان.
لكن حين دلّت الشواهد على أن حملة بناء التحالفات هذه قد باءت بالإخفاق، وأن السعوديين غارقون حتى الأذقان في مأزق الحرب، صاروا يأملون، في هذه المرحلة وإلى أن تستعيد الجبهة المناوئة لصنعاء أنفاسها، وربما يدخل المصريون المعركة دعماً للرياض، أن تُمهّد باكستان طريق الدبلوماسية. لا سيما أن باكستان أظهرت، بسبب المعارضة الواسعة للرأي العام الداخلي وخشيتها من التبعات الإقليمية، أنها لا ترغب في أداء دور عسكري في الحرب على اليمن.
وفي هذا السياق، ظلّ موقف الجمهورية الإسلامية الإيرانية المبدئي يؤكد دوماً عقم الحرب على صنعاء، وضرورة معالجة جذور الحرب، أي الوقف التام للعدوان السعودي على اليمن، والإنهاء الكامل للحصار، والكفّ عن التدخل في شؤون البلد الداخلية، تمهيداً لتسوية سياسية ودبلوماسية. غير أنه في هذه المرحلة، حيث تمتلك صنعاء اليد العليا في الحرب، ينبغي بطبيعة الحال أن تُدار الدبلوماسية على أساس وقائع الميدان.
الوساطة في أفق إخفاق اتفاق إسلام آباد
كما أسلفنا، يقف خلف كواليس الجولة الجديدة من التحركات الدبلوماسية الباكستانية ملف احتواء أزمة الطاقة، الذي صار الأولوية الأولى لأمريكا، أو بالأحرى لترامب. وقد أعلن ترامب مراراً أنه تربطه بعاصم منير، قائد الجيش الباكستاني، علاقة وثيقة جداً بل ودّية، ولذلك فهو ينسّق مطالبه مع منير أكثر مما ينسّقها مع الحكومة ورئيس الوزراء نفسه.
واليوم، إذ يُلقي تفاقم الأزمة في مضيق هرمز، وإصابة ناقلات النفط يومياً في الخليج الفارسي وبحر عُمان، فضلاً عن امتداد عدم الاستقرار إلى شريان آخر لنقل الطاقة هو باب المندب، بثقله على سوق النفط، ومع ارتفاع الأسعار وسخط الرأي العام الأمريكي من التضخم وما يتولد عنه من متاعب اقتصادية، تأثرت الحملة الانتخابية للجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي. ومن المرجّح أن ترامب رأى أن الحل السريع للمسألة يكمن في تليين الأجواء عبر تكتيك لعبة الدبلوماسية؛ فخلال هذه المدة القصيرة تحديداً شهد سعر النفط، الذي بلغ 110 دولارات للبرميل، تراجعاً بمقدار 5 دولارات.
لکن طبيعة تعامل المسؤولين الإيرانيين ومواقفهم في لقائهم قائد الجيش الباكستاني دلّت بوضوح على وعيهم بالنية الخفية للبيت الأبيض، كي لا يُصبّ الماء في طاحونة مآرب ترامب التكتيكية. فقد عدّد الدكتور محمد باقر قاليباف، رئيس الفريق المفاوض في مفاوضات إسلام آباد، السجلّ الطويل للأعمال الأمريكية السلبية ضد إيران قبل الثورة الإسلامية وبعدها، وشدّد على بلوغ انعدام الثقة بأمريكا ذروته، قائلاً إن بنيان انعدام الثقة هذا بات اليوم أشدّ ارتفاعاً من ذي قبل، بعد خرق إدارة ترامب مذكرة تفاهم إسلام آباد وتهديداتها المتكررة.
وأكد قاليباف أنه «ليس لدينا كلام جديد»، وأن أمريكا لا تستطيع كسب ثقة إيران إلا بتنفيذ الشروط السبعة التي قدمتها إيران في نيويورك.
وإجمالاً، يقيّم المسؤولون الإيرانيون زيارة عاصم منير لا بوصفها علامة تفاؤل بسياسات أمريكا والسعودية، بل في إطار مجريات الميدان ومقتضيات الحرب؛ وهي مقاربة تقوم على انعدام الثقة بواشنطن، وضرورة مواءمة الدبلوماسية مع حقائق الميدان.
