الوقت - ثمة أصواتٌ لا يقوى القصف على إسكاتها: صوت أمٍّ فقدت فلذة كبدها، وصوت أطفالٍ لن يعودوا إلى مدارسهم بعد اليوم، وصوت فنانٍ وقف إلى جانب إيران في أيامها العصيبة.
يحظى تألق المخرج الإيراني الشهير "مجيد مجيدي" الجديد في مهرجان "بوسان" السينمائي في كوريا الجنوبية، باهتمام بالغ في هذه الأيام. وقد أولت وسائل الإعلام الدولية تغطيةً واسعةً لكلمات هذا المخرج صاحب البصمة المتفرّدة في السينما الإيرانية، والمعروف عالميًا بأعمال مثل «أطفال الجنة» و«أغنية العصافير»، لحظة تسلّمه جائزة أفضل فيلم في المهرجان.
وفي أيامٍ ما زال فيها جرح أمهات تلميذات "ميناب" وأسرهن طريًّا، وتكاد الأبعاد الإنسانية للحرب على إيران تضيع بين ركام الأخبار العسكرية والسياسية فلا تجد من يراها، اختار مجيدي أن يتجاوز الموقف الفني، وأن يكون صوتًا جهوريًّا لضحايا العدوان الوحشي الذي شنّته أمريكا والكيان الصهيوني، ومدافعًا عن حقّ الشعب الإيراني. وهو صوت انطلق من منبر دولي واسع الجمهور ليضع أمام الرأي العام العالمي روايةً أخرى للحرب.
وبعد أن نال هذا الفنان الملتزم جائزة أفضل فيلم في الدورة الحادية والثلاثين لمهرجان بوسان السينمائي الدولي عن فيلمه «وجبة الغداء» (Midday Meal)، اغتنم فرصة حضوره في هذا المحفل العريق ليتحدث عن الشعب الإيراني وعن تبعات الحرب، ولا سيما فاجعة مدرسة "ميناب". وتناول في كلمته الدمار الواسع الذي لحق ببيوت الناس ومقتل التلاميذ في الهجوم على تلك المدرسة، وأهدى جائزته إلى الشعب الإيراني.
وكلما ابتعدنا عن لحظة وقوع الجريمة، وحلّت أخبار جديدة محلّ سابقاتها، ازداد خطر أن تبهت الذاكرة الجمعية. ولعلّ استحضار هذه الفاجعة مجددًا في محفل دولي يسهم في إبقائها حيّةً في الذاكرة الإعلامية، وفي المطالبة بمساءلة المسؤولين عنها.
الفن لغة الإيرانيين المشتركة في الدفاع عن الوطن
يتجلّى في كلمات مجيدي وجهٌ آخر هو الصلة بين الدفاع عن إيران والتلاحم الوطني. فالمجتمع الإيراني، على ما بين أطيافه من تباين سياسي وثقافي ولغوي واجتماعي، مجتمع متعدد. غير أن العدوان الخارجي، واستهداف الناس والأرض، يخلقان قضيةً أكبر من الخلافات الداخلية. وفي مثل هذا المقام يغدو الدفاع عن أرواح المواطنين، وعن سلامة الأراضي الوطنية واستقلال البلاد، نقطة التقاء بين مختلف مكونات المجتمع.
وللفنان في هذا المشهد مكانة خاصة، إذ تعبر لغة الفن الحدود السياسية، وتخاطب المتلقي عبر العاطفة والتجربة الإنسانية المشتركة والمصير الجمعي. وحين جعل "مجيدي" الأطفال والأسر ومعاناة الناس محور كلمته، وضع إصبعه على وجهٍ من الحرب لا يحتاج فهمه إلى انتماء سياسي أو ميل فكري بعينه: لا ينبغي لأي طفل أن يكون ضحيةً للحرب، ولا لأي أسرة أن تُترك وحيدةً أمام خراب بيتها وفقدان ولدها.
ومن هذا المنظور، لا ينحصر الدفاع عن الوطن في شكل واحد ولا في ميدان واحد. فالمقاتل الذي يحرس حدود البلاد، والمواطن الذي يؤكد بحضوره في الساحة الاجتماعية معنى التلاحم الوطني، والفنان الذي لا يسمح بأن تضيع رواية الضحايا في ضجيج الإعلام، كلٌّ منهم يسهم على طريقته في صون الرصيد الوطني والدفاع عن المجتمع. وبوسع الفنانين أن يكونوا ساحةً تُعرض فيها الوحدة الوطنية على مرأى من العالم.
السينما في مواجهة حرب الروايات
في الحروب المعاصرة، لا تظل ساحة المواجهة محصورةً في الميدان العسكري. فصناعة الصورة في الإعلام، وتسليط الضوء على بعض الأحداث وتجاهل بعضها الآخر، والتنافس على تحديد أي رواية تبلغ الرأي العام، كلها جزء من النزاع. وفي هذا الفضاء يستطيع الفنانون، بتوثيق التجربة الإنسانية للحرب، أن يملؤوا بعض ثغرات الرواية الإعلامية، وألّا يسمحوا بأن يتحول الضحايا المدنيون إلى مجرد أرقام وإحصاءات.
ولهذا النهج صلة وثيقة بمضمون فيلم «وجبة الغداء». فهو يروي حكاية معلّم في منطقة محرومة من "تشابهار"، ينقطع عنه عون أحد المحسنين، فيجد صعوبةً بالغةً في توفير الطعام لتلاميذه وفي منع إغلاق المدرسة. وفي قلب الحكاية مسألة بسيطة وجوهرية في آن: حق الأطفال في الغذاء والتعليم وفرصة بناء المستقبل. وباختيار هذا الموضوع، ثم ربط الحضور الدولي للفيلم بمصير أطفال "ميناب"، يجمع مجيدي بين وجهين من عنايته في سينماه بحياة الأطفال، وبمسؤولية المجتمع تجاههم.
وفي المحصلة، دلّت مواقف مجيدي البطولية على أنه في زمنٍ يذود فيه المقاتلون عن البلاد في ميادين القتال، ويؤكد فيه الناس بحضورهم وتلاحمهم متانة صلتهم بالوطن، يستطيع صوت الفنان أن يعلو هو الآخر من متراس الثقافة والإعلام.
