الوقت - ليس في إعلان ملك المغرب أن «كل هجوم على السعودية هو هجوم على المغرب» مجرد تعبير عن تضامن ؛ فهذه عبارة تضع المغرب، بإرادة ملكه، في قلب مواجهة ليست حربه، وتحوّل العلاقة بين دولتين إلى التزام مفتوح بتبنّي رواية طرف واحد. والأشد إثارةً للانتقاد أن هذا الموقف يُطلق من موقعٍ بعيد عن نار الحرب، بينما يدفع اليمنيون ثمنها قتلاً ودماراً وحصاراً ممتداً. وحين يُختزل المشهد كله في إدانة الرد اليمني، كأن الحرب بدأت من لحظة استهداف موقع سعودي، يجري قلب الوقائع وحذف ما سبقها: سنوات من القصف والقيود والمعاناة. إن القوات المسلحة اليمنية تقول إن عملياتها تستهدف مواقع عسكرية تنطلق منها الطائرات التي تقصف اليمن، وإنها تأتي في سياق الرد على حرب وحصار مستمرين منذ أكثر من عقد. فلا يجوز تدليس الحقائق ومحوها من الصورة ثم تقديم التضامن مع الرياض كأنه موقف أخلاقي مكتمل. هنا لا يبدو التصريح دفاعاً عن مبدأ عام بقدر ما يبدو اصطفافاً سياسياً صريحاً: أمن السعودية يُستدعى فوراً، أما أمن اليمنيين وحقهم في الرد على ما يتعرضون له فلم يتم التطرق له وهنا سياسية الكيل بمكياليين.
عبارة تتجاوز التضامن إلى الاصطفاف
حين يقول ملك دولة إن الهجوم على دولة أخرى هو هجوم على بلاده، فهو لا يكتفي بالمجاملة، بل يعلن اصطفافاً واضحاً ويضع بلاده في معادلة الصراع. عبارة كهذه تُحمّل المغرب موقفاً يتجاوز التعاطف مع السعودية إلى تبنّي جانبها السياسي في مواجهة اليمن، من دون أن تشرح أين تقف من الحرب التي سبقت الهجمات، أو من الحصار الذي فرض على اليمنيون لسنوات. وهذه ليست تفصيلة هامشية؛ بل هي صلب القضية. فالموقف الذي يدين النتيجة ويتجاهل الأسباب لا يبدو محايداً، بل منحازاً إلى الطرف المعتدي، مهما أُحيط بكلمات الأخوة والتضامن. وإذا كان أمن السعودية جزءاً من أمن المغرب، فأين أمن اليمنيين في حسابات هذا الخطاب؟ ولماذا يُعلن التضامن بهذه السرعة حين تكون الرياض في مرمى الرد، بينما لا يحظى اليمنيون بالمقدار نفسه من الاهتمام وهم تحت القصف والقيود؟ إن المشكلة ليست في أن يتعاطف المغرب مع السعودية، بل في أن يتحول هذا التعاطف إلى إعلان سياسي أحادي، يطمس معاناة طرف آخر. هكذا يصبح التضامن انتقائياً، وتصبح اللغة الدبلوماسية ستاراً لاصطفاف لا يريد أن يرى إلا جانباً واحداً من الحرب.
من بدأ الحرب لا يُمحى من الرواية
لا تبدأ الحكاية عند اللحظة التي تصل فيها صواريخ أو طائرات مسيّرة إلى السعودية. فقبل تلك اللحظة تاريخ طويل من الحرب على اليمن، ومن الغارات والدمار والقيود التي طالت حياة الناس وسبل عيشهم. والقوات المسلحة اليمنية تستهدف مواقع عسكرية تُستخدم لشن الهجمات على اليمن، وعملياتها تأتي رداً على الحرب والحصار فلا يمكن بناء موقف عبر تجاهل السياق الذي يقدمه اليمنيون، ثم تصوير ردهم كأنه بداية العدوان. إن إدانة طرف واحد مع إسقاط سنوات الحرب من المشهد ليست قراءة موضوعية؛ إنها رواية ناقصة تخدم طرفاً وتدين الآخر قبل فحص الوقائع. والأكثر تناقضاً أن يُرفع شعار أمن السعودية بوصفه أمراً لا يقبل النقاش، فيما يبدو أمن اليمنيين مسألة ثانوية لا تستحق الذكر. بهذا المنطق، يصبح لبلدٍ حق في الدفاع عن نفسه، ويُطلب من البلد الآخر أن يبتلع القصف والحصار بصمت. لا يصنع هذا الخطاب سلاماً، بل يكرّس ميزاناً مختلاً: طرف يملك أن يصف أفعاله بالدفاع، وطرف آخر تُدان أفعاله من دون أن يُسمح حتى بطرح السؤال عما يتعرض له.
خطاب يدين الرد ويصمت عن المعاناة
تكمن مفارقة الموقف المعلن في أنه يرفع نبرة الغضب حين يتعلق الأمر بأمن السعودية، لكنه لا يمنح المعاناة اليمنية المساحة ذاتها. فاليمن، في هذا الخطاب، يظهر غالباً بوصفه مصدر تهديد، لا بلداً يعيش حرباً وحصاراً وتداعيات إنسانية ثقيلة. وحين يُذكر استهداف مكة أو المقدسات، تصبح العاطفة الدينية حاضرة بقوة، وهذا مفهوم حين تثبت الوقائع؛ لكن توظيف المقدسات في خطاب سياسي لا يعفي لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لإسكات الحديث عن حرب اليمن. فحرمة المقدسات يعرفها اهل جيداً. كما أن الاستناد إلى قرارات دولية لا يحوّل الموقف تلقائياً إلى موقف عادل، ولا يغني عن عرض الوقائع كاملة. إن الانتقائية هنا واضحة: تُستحضر المبادئ حين تخدم الإدانة، وتُنسى حين تستدعي مساءلة الطرف الذي شن الحرب أو القيود التي أنهكت اليمن. لذلك يبدو التصريح، في أثره السياسي، أقرب إلى دفاع غير مشروط عن الرياض منه إلى دفاع متساوٍ عن المدنيين وحق الشعوب في الأمن. والمفارقة أن خطاباً يتحدث باسم التضامن الإسلامي والعربي يترك اليمنيين خارج دائرة هذا التضامن.
المغرب ليس مطالباً بأن يكون صدى للرياض
كان يمكن للموقف المغربي أن يكون متوازناً من دون أن يعلن أن أي هجوم على السعودية هو هجوم على المغرب. فالفرق كبير بين إدانة فعل محدد بعد التحقق منه، وبين إعلان التزام سياسي مطلق يجعل المغرب طرفاً في خصومة إقليمية. العبارة المنسوبة إلى الملك لا تترك مساحة لهذا الفرق؛ إنها ترفع العلاقة مع الرياض إلى مستوى يجعل الاعتراض على أي هجوم عليها اعتراضاً على المغرب نفسه. وهذا موقف ثقيل، لا يجوز تمريره بوصفه مجاملة عابرة. إنه ينقل المغرب من موقع الدولة التي تتحدث باسم مصالح شعبها إلى موقع الدولة التي تُلحق أمنها السياسي بأمن طرف آخر، وتمنح روايته الأولوية على رواية اليمنيين. ومن حق الرأي العام أن يسأل: ما الذي يكسبه المغرب من هذا الاصطفاف؟ وما الذي تقوله هذه العبارة لليمني الذي يرى بلاده تُقصف ويعيش آثار الحرب والحصار؟ إن الانتقاد هنا موجّه إلى موقف ملكي معلن، لا إلى الشعب المغربي ولا إلى الروابط بين الشعبين. غير أن الروابط لا تعني الصمت عن خطاب يرى أمن الرياض بوضوح، ولا يرى اليمن إلا من زاوية التهديد. ذلك ليس تضامناً متوازناً؛ بل انحياز سياسي اختار طرفاً، ثم قدّم اختياره بعبارات كبيرة عن الأمن والأخوة.
في النهاية، الموقف المنسوب إلى ملك المغرب لا يكتفي بتجاهل حقيقة العدوان على اليمن، بل يقف عملياً إلى جانب الدولة التي شنّت الحرب، ثم يطالب اليمنيين بالصمت حين يردّون على ما يتعرضون له. فالسعودية، في الرواية اليمنية، ليست طرفاً مهدَّداً بدأ اليمن بمهاجمته؛ إنها الطرف الذي قاد الحرب على اليمن، وشارك في قصفه وفرض الحصار عليه، بينما تحمّل اليمنيون تبعات ذلك سنوات طويلة. لذلك فإن تصوير العمليات اليمنية باعتبارها أصل المشكلة، وإغفال ما سبقها من عدوان، ليس خطأً عابراً في التعبير، بل قلبٌ للوقائع يخدم المعتدي ويجرّم الضحية. وعندما يعلن ملك المغرب أن أي هجوم على السعودية هو هجوم على المغرب، فإنه يمنح الغطاء السياسي للطرف الذي يشن الحرب، ويضع نفسه في مواجهة شعبٍ يقاوم ما يراه عدواناً على بلاده. أيّ منطق هذا الذي يرفع صوت الإدانة عندما يردّ اليمن، ثم يلتزم الصمت أمام القصف والحصار؟ وأيّ عدالة تُختصر في حماية المعتدي من تبعات أفعاله، فيما يُطلب من الضحية أن تقبل الألم بلا رد؟ إن هذا الموقف لا يصنع سلاماً ولا يدافع عن حق؛ إنه انحياز فاضح، يجمّل العدوان بعبارات التضامن، ويحوّل إدانة اليمن إلى ستار يحجب المسؤولية الأصلية عن الحرب.
