الوقت - على الرغم من أن رئيس أركان الجيش، منذ تأسيس باكستان عام 1947، لطالما حظي بمكانة خاصة في الهيكل الأمني، بل وحتى السياسي، واعتُبر، إلى حد ما، المدير الرئيسي الخفي وأحد أقوى المسؤولين في البلاد، إلا أنه اكتسب مؤخرًا، رغم هذه السلطة، نفوذًا وسلطة أكبر من ذي قبل بإصدار قانون جديد.
وفي هذا السياق، أقر البرلمان الباكستاني مؤخرًا قانونًا جديدًا يضع القيادة القانونية والعملياتية للقوات البرية والجوية والبحرية تحت إشراف جهة واحدة لأول مرة. بموجب هذا القانون، تم استحداث منصب "رئيس أركان القوات المسلحة"، وعُيّن عاصم منير، رئيس أركان الجيش الباكستاني، أول من يتولى هذه المسؤولية.
في منصبه الجديد، سيحتفظ عاصم منير بقيادة القوات البرية، بالإضافة إلى صلاحيات قيادة القوات الجوية والبحرية العملياتية. ويُعدّ هذا التغيير أهم إعادة هيكلة للقيادة العسكرية الباكستانية في العقود الأخيرة.
وبموجب القانون الجديد، سيتمتع رئيس أركان الجيش بصلاحيات واسعة في مجال إدارة القوات المسلحة وحالة الخدمة فيها، وله صلاحية البتّ في تقاعد الأفراد أو تسريحهم أو استمرار خدمتهم.
كما ستستمر ولاية عاصم منير، ومدتها خمس سنوات، حتى عام 2030 على الأقل. وسيتمتع برتبة مشير وحصانة قانونية وقضائية مدى الحياة، ويتطلب عزله موافقة ثلثي أعضاء البرلمان.
صرح مسؤولون باكستانيون بأن الهدف من إنشاء الهيكل الجديد هو تعزيز التنسيق بين القوات البرية والجوية والبحرية، وتسريع عملية اتخاذ القرارات العسكرية في حالات الأزمات.
قبل إقرار القانون الجديد، كانت هيئة الأركان المشتركة مسؤولة عن التنسيق بين الجيش والبحرية والقوات الجوية، لكنها لم تكن تملك سلطة القيادة العملياتية على القوات الثلاث مجتمعة.
يُعدّ هذا أكبر تغيير في هيكل القيادة العليا للجيش الباكستاني منذ سبعينيات القرن الماضي. وقد أشارت مؤسسة كارنيغي للتنمية الدولية، في تقييمها لعملية التحول في باكستان، إلى "الترسيخ التدريجي للسيطرة" الذي قام به عاصم منير، وإلى الدور الرسمي المتزايد للجيش في هيكل السلطة.
وخلافًا للمنصب السابق، الذي كان يقتصر على التنسيق والشرف، أصبح رئيس أركان الدفاع الآن مسؤولاً قانونيًا أمام الحكومة الفيدرالية عن القيادة العملياتية لجميع القوات. قال وزير الدفاع الباكستاني السابق، نعيم خالد لودهي، لقناة الجزيرة: "في الهيكل السابق، لم تكن هناك آلية لاتخاذ إجراءات عملياتية ضد القوات الجوية أو البحرية، ولكن مع القانون الجديد، أصبحت سلسلة القيادة رسمية وموحدة قانونيًا بشكل كامل".
ما يقوله المعارضون والمؤيدون
منذ الاستقلال، لعب الجيش الباكستاني دورًا هامًا في التطورات السياسية والأمنية في أوقات مختلفة، ولهذا السبب، قوبل التغيير الأخير في هيكل القيادة العسكرية بردود فعل واسعة النطاق.
يقول مؤيدو التغييرات إن إنشاء قيادة واحدة من شأنه أن يزيد التنسيق بين القوات المسلحة، ويسرع عملية اتخاذ القرارات في حالات الأزمات، ويعزز قدرات باكستان العسكرية على الاستجابة.
من جهة أخرى، حذر منتقدو هذه الخطوة من التركيز المفرط للسلطة العسكرية في يد رئيس الأركان. ويعتقد بعض المحللين أن هذا التغيير قد يؤثر على التوازن بين المؤسسات العسكرية والمدنية، ويعزز الدور التقليدي للجيش الباكستاني في البنية السياسية للبلاد.
يتمثل الشاغل الرئيسي للمحللين في أن هذا القانون قد يحافظ على البنية المدنية ظاهريًا، لكن ثقل الجيش الفعلي في عملية صنع القرار في البلاد سيزداد، ولهذا السبب، وصفت بعض وسائل الإعلام هذا التطور لا بأنه انقلاب عسكري، بل بنوع من "إضفاء الطابع المؤسسي" على نفوذ الجيش.
وفي مقابلة مع صحيفة الوقت، اعتبر إسماعيل باقري، الخبير في الشأن الأفغاني، الزيادة غير المسبوقة في صلاحيات عاصم منير نتيجة سلسلة من العوامل الداخلية والإقليمية والعابرة للأقاليم، قائلاً: "على الرغم من أن باكستان تأسست بهدف إقامة دولة إسلامية شعبية في المنطقة، إلا أن نفوذ بريطانيا وأمريكا في الجيش الباكستاني وجهاز المخابرات قد زاد تدريجيًا من دور الجيش ونفوذه في بنية السلطة في هذا البلد".
وفي هذا السياق، شهدنا أيضًا أربعة انقلابات عسكرية ضد الحكومة الباكستانية. منذ تأسيس باكستان منذ نحو ثمانين عامًا، وخلال أكثر من نصف هذه المدة، حكم الجيش البلاد، وفي جزء آخر منها، كان وجوده ونفوذه في بنية السلطة حاسمًا. لذا، فإنّ النقاش الدائر حول دمقرطة ونزع سلاح الحكومة الباكستانية يُعدّ حالة غير مسبوقة.
ورأى باقري أن التطورات السياسية التي شهدتها باكستان في السنوات الأخيرة كانت من بين العوامل التي ساهمت في وصول عاصم منير إلى السلطة، مؤكدًا: "نشهد انقسامات سياسية وثقافية واجتماعية عميقة داخل باكستان. فبعد إقالة عمران خان من منصب رئيس الوزراء قبل أعوام، تكوّنت لدى شريحة من الشعب وأنصار حزب حركة الإنصاف نظرة متشائمة تجاه الجيش الباكستاني، وأصبح تراجع ثقة الشعب بالجيش تحديًا كبيرًا لباكستان. ومؤخرًا، أعلنت مريم نواز، رئيسة وزراء ولاية البنجاب، أن التهديدات التي تواجه البنجاب تأتي من الولايات المجاورة أكثر من الدول الأجنبية، وهذا يدل على أن باكستان تواجه وضعًا سياسيًا غير مواتٍ."
قانون جديد يجعل مناخ باكستان أكثر أماناً
وتابع باقري قائلاً إن أحد أسباب زيادة صلاحيات قائد الجيش يرتبط بتوترات باكستان مع جيرانها، مضيفاً: "يهدف ذلك إلى تحقيق التنسيق في تنفيذ بعض السياسات في المنطقة، لا سيما فيما يتعلق بحركة طالبان باكستان، ومعبر ديوراند الحدودي، وحركة طالبان الأفغانية، وجيش بلوشستان الحر، والنزاعات المستمرة مع الهند، وغيرها من القضايا الإقليمية الرئيسية. لذا، تسعى باكستان إلى تحقيق التنسيق داخل البلاد، وإرساء نوع من الوحدة في تبني السياسات وتنفيذها. ومن الجدير بالذكر أن تحديد السياسات الرئيسية لباكستان كان دائماً من اختصاص الجيش، وليس الحكومة الباكستانية".
ورغم اعتقاد المسؤولين الباكستانيين بأن زيادة صلاحيات قائد الجيش قد تُفضي إلى مزيد من التنسيق بين قوات الأمن في جميع المجالات، يحذر المحللون من أن هذا القرار قد تكون له عواقب سلبية وخيمة داخل البلاد.
أكد باقري في هذا الصدد قائلاً: "بالطبع، قد ينجح هذا الأمر على المدى القصير، لكنه على المدى البعيد سيؤدي إلى تعزيز الأمن في البلاد، وسيكون له بالتأكيد عواقبه، ومن بينها تصعيد هجمات جماعات المعارضة الباكستانية".
تأثر بالنظام الدولي المتغير
لا شك أن التغيرات والتطورات الجيوسياسية في العالم، ولا سيما حالة عدم الاستقرار في غرب آسيا خلال العام الماضي، قد أثرت على النهج الأمني لدول المنطقة، والتحرك الأخير لإسلام آباد ليس استثناءً من هذه القاعدة.
أشار باقري في هذا الصدد: "تُدرك باكستان في نهاية المطاف أن العالم يمر بمرحلة انتقالية من نظام أحادي القطب إلى نظام متعدد الأقطاب، ولذا فهي تسعى في هذا المجال أيضًا إلى ترسيخ مكانتها المناسبة من منظورها في المواجهات المستقبلية. أقامت باكستان علاقات استراتيجية مع كل من الصين والولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه، تحاول اتباع نهج متوازن. كما أنها تنضم إلى حلف مكة لتتبوأ مكانتها اللائقة في النظام الإقليمي لجنوب آسيا وغربها. ويمكن القول إن عاصم منير نفسه لعب دورًا فعالًا في إطلاق حلف مكة وإقناع تركيا بالانضمام إليه، وإلا لكانت باكستان قد وقّعت اتفاقية دفاعية مع السعودية عام 2025. ويمكن أيضًا تحليل جهود باكستان لإبرام اتفاقية مماثلة مع الكويت والسودان في هذا السياق.
تجدر الإشارة إلى أن عاصم منير بذل جهودًا لتهدئة التوترات في المنطقة خلال الأشهر الأخيرة من خلال دوره كوسيط بين إيران والولايات المتحدة، وإلى جانب دوره العسكري، فقد كما تمكن من تحسين موقعه في المجال الدبلوماسي.
بشكل عام، يُمكن اعتبار الإجراء الأخير للبرلمان الباكستاني نقطة تحول في العلاقة بين الجيش والحكومة المدنية، إذ أن السلطة التي كانت تستمد سابقًا بشكل رئيسي من النفوذ التاريخي والسياسي للجيش، أصبحت الآن أكثر رسوخًا في القانون والهيكل الرسمي للبلاد. ولذلك، فإن النتيجة النهائية لهذا التغيير ستعتمد على مدى قدرة المؤسسات المدنية على الإشراف على الجيش، وكيفية استخدام عاصم منير لصلاحياته الجديدة.
