الوقت - بعد انقضاء ثلاثة وعشرين عاماً على احتلال العراق، من المقرر أن تحزم القوات الأمريكية حقائبها لمغادرة البلاد بحلول أواخر سبتمبر. وفي الأيام القليلة الماضية، تواترت التقارير الإعلامية وتصريحات المسؤولين في بغداد لتؤكد تسارع وتيرة مسار انسحاب هذه القوات.
وفي هذا المجال، أفصحت مصادر أمنية عراقية أن عجلة انسحاب القوات الأمريكية من قاعدة “الحرير” الجوية في إقليم كردستان ماضية في دورانها، وسط توقعات بإخلاء القاعدة بالکامل قبيل الثلاثين من سبتمبر.
ووفقاً لوكالة “المعلومة”، فقد طُويت صفحة حالة التأهب القصوى والإنذار العالي في قاعدة الحرير المتاخمة لمحافظة أربيل للمرة الأولى خلال الأيام المنصرمة، بالتزامن مع الشروع في تفكيك منطاد جوي كان يُتخذ كمنظومة للإنذار المبكر والرصد. وكانت مصادر أمنية قد أعلنت يوم الإثنين (أواخر أغسطس) عن إعلان حالة الاستنفار القصوى وإغلاق كافة منافذ قاعدة الحرير إثر هواجس من هجمات محتملة.
وفي سياق متصل، شدد قاسم الأعرجي، مستشار الأمن القومي لرئيس الوزراء العراقي، في تصريحات له على أن الموعد النهائي لانسحاب الأمريكيين ثابت لا يتزحزح. وحذر الأعرجي قائلاً: “إن أي مسعى لتسويف أو إرجاء انسحاب التحالف الدولي، ستتمخض عنه تداعيات وخيمة”.
انسحابٌ تكتيكي أم استراتيجيةٌ مستدامة؟
على الرغم من التحركات الأخيرة للجيش الأمريكي تمهيداً لانسحاب مرتقب من العراق، يبرز تساؤل ملحّ يفرض نفسه: هل هذا الانسحاب مجرد مناورة تكتيكية عابرة، أم أن واشنطن تنتهج هذه المرة استراتيجيةً جديدةً ومستدامةً؟
إن جذور الشكوك التي تكتنف الانسحاب الأمريكي الشامل من العراق، تضرب في عمق تجارب العقدين الماضيين. فسبق لواشنطن أن سحبت قواتها في عام 2011 بعد ثماني سنوات من الاحتلال، لتعود أدراجها بعد ثلاث سنوات فحسب، في يونيو 2014، بآلاف الجنود متذرعةً بمحاربة تنظيم “داعش”. ومنذ ذلك الحين، ورغم النداءات العراقية المتكررة لإنهاء الوجود العسكري الأمريكي والاتفاقيات المبرمة مع الحكومات المتعاقبة في بغداد، ظلت القوات الأمريكية جاثمةً على الصدور، وسعت واشنطن بشتى الذرائع لتثبيت موطئ قدمها وترسيخ وجودها في هذا البلد.
ولهذا السبب، يرى المحللون أن واشنطن، في ظل المعطيات الراهنة، لن تودع العراق وداعاً أبدياً. وفي هذا الصدد، يعتقد المحلل السياسي العراقي أثير الشرع أن: “المعطيات القائمة لا تشي بوجود رغبة لدى واشنطن في القطع الكامل لعلاقاتها الأمنية والدفاعية مع بغداد، وقد تلجأ أمريكا إلى تكتيكات المماطلة بشأن انسحابها الكامل المجدول بحلول أواخر سبتمبر، وهو ما لا يستلزم بالضرورة الإبقاء على قوات أمريكية فوق التراب العراقي بعد 30 سبتمبر. إذ بوسع واشنطن إعلان انتهاء مهمة التحالف الدولي، مع الإبقاء، في الوقت عينه، على خيوط علاقاتها الدفاعية مع العراق”.
وأردف الشرع في حديثه لوكالة “المعلومة”: “هذا السيناريو قد يعني عملياً إعادة قولبة الوجود العسكري الأمريكي بدلاً من إنهائه جذرياً، وذلك عبر الانتقال نحو أنماط مستحدثة من التعاون الأمني والعسكري تتيح لواشنطن الاحتفاظ بنزرٍ من نفوذها وقدراتها داخل العراق”.
وهذا هو عين السيناريو الذي حبكته أمريكا خلال السنوات الأخيرة، على غرار انسحابها من قاعدة “عين الأسد” العام الماضي ونقل قواتها إلى إقليم كردستان. وبناءً عليه، وفي ضوء افتتاح أضخم قنصلية أمريكية في الإقليم، تلوح في الأفق احتمالية بقاء عدد من القوات العسكرية والأمنية الأمريكية متدثرةً بعباءة الدبلوماسية أو الستار السياسي في العراق، لرصد تحركات فصائل المقاومة وإيران عن كثب.
بنود الاتفاقية الأمنية بين بغداد وواشنطن
وفقاً للتفاهمات التي أُبرمت بين حكومة محمد شياع السوداني وواشنطن في سبتمبر 2014 (كما ورد في النص)، كان لزاماً أن تُطوى صفحة المهمة العسكرية للتحالف المناهض لداعش في العراق بحلول نهاية سبتمبر 2025 كحد أقصى، بيد أن القوات الأمريكية لم تُخلِ إلا بعض القواعد. ولعل التحول الاستراتيجي الأبرز في هذه الاتفاقية يتجلى في تحويل مسار العلاقة الأمنية بين العراق وأمريكا من بوتقة التحالف الدولي ضد داعش، إلى شراكة أمنية ثنائية.
وفي المرحلة الثانية، أُتيح لقوات التحالف استخدام القواعد في العراق حتى سبتمبر 2026 لإسناد العمليات ضد داعش في شمال شرق سوريا، شريطة خضوع ذلك للظروف الميدانية والمشاورات بين بغداد وواشنطن.
ورغم مساعي واشنطن الحثيثة في هذه الاتفاقية للإبقاء على جزء من قواتها في العراق بشتى السبل، إلا أن رئيس الوزراء العراقي، علي الزيدي، صرح خلال زيارته لواشنطن قبل شهرين في لقائه مع ترامب قائلاً: “ستغادر القوات الأمريكية العراق مع انتهاء مهمة التحالف بقيادة أمريكا في 30 سبتمبر، لتدخل إثر ذلك الشركات الأمريكية إلى الساحة”.
وعلى الرغم من تأكيد المسؤولين في بغداد على وجوب مغادرة كافة الجنود الأمريكيين للتراب العراقي في الموعد المضروب، إلا أن بعض البنود الفضفاضة في الاتفاق الثنائي قد بذرت بذور الشك حول الانسحاب الأمريكي الشامل. فبموجب الاتفاق المبرم قبل عامين، وحتى بعد انقضاء مهمة التحالف ضد داعش، سيستمر التنسيق بين بغداد وواشنطن في مجالات التدريب، والاستشارات العسكرية، ومبيعات الأسلحة، وتمويل قطاع الدفاع، وهو ما قد يُعبّد الطريق لاستمرار جزء من الحضور والنفوذ الأمني الأمريكي في العراق.
وفي هذا الصدد، يرى أثير الشرع أن: “الانسحاب الأمريكي قد يتخذ طابعاً رمزياً إلى حد بعيد، على غرار ما نُسج في البيانات الأمريكية السالفة حول ماهية الوجود في العراق. وستكشف المرحلة المقبلة النقاب عما إذا كان إعلان انتهاء المهمة سيُفضي حقاً إلى انسحاب ناجز، أم أنه سيتمخض عن إعادة هيكلة للوجود الأمريكي تحت مسميات وترتيبات مستحدثة”.
توجّس المقاومة ووضع الشروط
رغم أن واشنطن قد أشهرت في الأشهر الأخيرة سيف الضغوط السياسية والاقتصادية في وجه بغداد لنزع سلاح فصائل المقاومة، إلا أن قادة المقاومة أكدوا مراراً وتكراراً أنهم لن يلقوا السلاح ما دام المحتل جاثماً على أرض العراق. وفي هذا السياق، لا تزال عدة فصائل وازنة في الحشد الشعبي ترفض تسليم أسلحتها، وقد طرحت مؤخراً عشرة شروط للقبول بهذا الأمر.
وحذّر سلام حسين، أحد قياديي منظمة بدر، من مغبة نزع سلاح المقاومة، مؤكداً: “إن قضية وجود فصائل المقاومة وسلاحها هي قرار وطني وسيادي بامتياز، وليس قراراً يُملى من الخارج أو يُفرض من قِبل ترامب وغيره. إذ يجب أولاً أن يرحل المحتل عن العراق ويُنهي وجوده على ترابه، وحينها فقط يمكن المطالبة بتسليم سلاح المقاومة”.
وأردف قائلاً: “إن استمرار وجود قوات الاحتلال وما يكتنفه من أخطار قد تحدق بالبلاد، يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن تسليم سلاح المقاومة يُعد مغامرةً بالغة الخطورة، لا سيما في مواجهة دولة كأمريكا اعتادت النكث بالعهود والمواثيق”.
ومع ذلك، تشير أحدث التقارير إلى أن مفاوضات لجنة نزع السلاح مع فصائل المقاومة حول حصر السلاح بيد الدولة، قد دخلت منعطفاً حرجاً.
وفي هذا الإطار، عقدت لجنة ثلاثية قوامها محمد شياع السوداني، ونوري المالكي، وهادي العامري سلسلةً من اللقاءات المكثفة مع الفصائل المسلحة خلال الأيام الماضية. وتأخذ هذه اللجنة على عاتقها، بتفويض من ائتلاف إدارة الدولة والإطار التنسيقي الشيعي، دعم مساعي علي الزيدي لوضع السلاح تحت تصرف الدولة، بهدف معلن يتمثل في التوصل إلى حل يدرأ شبح الاقتتال الداخلي.
وتكمن النقطة الجوهرية في هذه المفاوضات في أن مصطلح “نزع السلاح” قد بدأ يتوارى تدريجياً ليخلي الساحة لمفردات مرنة من قبيل “تنظيم السلاح”، و"إدارة السلاح"، و"وضع استخدام السلاح تحت إمرة القائد العام للقوات المسلحة".
ووفقاً لتقرير أوردته وكالة “شفق نيوز”، فإن هذه الصيغة قد تمنح الفصائل طوق نجاة للحفاظ على هياكلها التنظيمية، مع رهن استخدام السلاح بقرار الدولة والقائد العام للقوات المسلحة.
في المقابل، لا تزال فصائل مثل كتائب حزب الله، وحركة النجباء، وكتائب سيد الشهداء تقف حجر عثرة أمام تسليم السلاح، معتبرةً انسحاب القوات الأجنبية من العراق والحصول على ضمانات تحصّن البلاد ضد الهجمات الخارجية، شروطاً لا محيد عنها.
وقد أطلقت فصائل المقاومة، التي تنظر بعين الريبة والتوجس تجاه واشنطن، تحذيرات شديدة اللهجة إزاء المسرحية الجديدة لترامب. إذ توعد أكرم الكعبي، الأمين العام لحركة النجباء، مؤخراً قائلاً: “ليعلم ترامب أننا نرقب يوم 30 سبتمبر بشغف وعلى أهبة الاستعداد، لكي نطلق شرارة المعركة المصيرية ضدهم في حال تنصلت قوات الاحتلال من التزامها بالانسحاب الشامل. وإن بقي جندي واحد على تراب العراق بعد 30 سبتمبر، فسنرسل جثته إلى أمريكا”.
وأضاف الكعبي: “إذا كانت إيران قد جعلت رئيس الولايات المتحدة يرتعد فرائصاً ويهرب ليختبئ في الثلاجة، فإن العراق سيصيبه قريباً بسكتة قلبية”.
سياسة استراتيجية أم هروبٌ مقنّع؟
لا يمكن تفسير الانسحاب التدريجي للقوات الأمريكية من العراق على أنه مجرد مؤشر على تراجع مكانة بغداد في الاستراتيجية الإقليمية لواشنطن، كما لا يمكن حصره في خانة الخشية الأمريكية من الضربات الإيرانية وضغوط فصائل المقاومة.
فالحقيقة الساطعة هي أن كلا العاملين يتقاطعان في رسم ملامح هذا المسار. إن الاتفاق الأمني المبرم بين بغداد وواشنطن في سبتمبر 2024 يبرهن على أن أمريكا قد خلصت منذ زمن ليس بالقصير إلى قناعة مفادها أن الوجود العسكري الكثيف في العراق لم يعد ينسجم مع بوصلتها الاستراتيجية، وأنه قد حان أوان طي صفحة هذه المهمة لتدخل العلاقات الأمنية بين البلدين طوراً جديداً.
غير أن التطورات الأمنية التي عصفت بالأشهر الأخيرة قد أماطت اللثام عن حقيقة أن فاتورة الاستمرار في الوجود العسكري الأمريكي في العراق، قد تضخمت بشكل مهول. فالمتاخمة الجغرافية للعراق مع إيران، وإنذارات فصائل المقاومة، وتحول القواعد والقوات الأمريكية إلى بنك أهداف محتمل للضربات الصاروخية والطائرات المسيرة، جعلت من إدامة هذا الوجود مغامرةً محفوفةً بالمخاطر لواشنطن، لا سيما في ظل احتدام المواجهة الإيرانية الأمريكية، حيث قد يستحيل العراق إلى إحدى أبرز ساحات الاشتباك المباشر أو غير المباشر، وهو أمر لا يُكبّد أمريكا أثماناً عسكريةً باهظةً فحسب، بل من شأنه أيضاً أن يضع علاقاتها مع بغداد تحت مقصلة الضغوط الشديدة.
وبناءً على ما تقدم، يمكن وصف الانسحاب الأمريكي بأنه ضربٌ من “التراجع المحسوب” تحت وطأة الضغط. فواشنطن تسعى، من جهة، إلى تقليص دائرة الخطر وانكشاف قواتها، وتستميت، من جهة أخرى، في تسويق هذا التراجع لا على أنه هزيمة نكراء أو هروب من الميدان، بل بوصفه انتقالاً وارتقاءً من مربع “الوجود العسكري” إلى “الشراكة الأمنية”.
ومن هنا، فإن صنيع واشنطن هذا يبدو أشبه بمن “يصنع من الضرورة فضيلة”، إذ تحاول أمريكا إعادة تدوير هذا الانسحاب - الذي فُرض عليها كأمر واقع تحت مطرقة التكاليف العسكرية المتضخمة وضربات المقاومة الموجعة - وإلباسه ثوبَ قرارٍ استراتيجي مدروس ومُحكم التخطيط سلفاً.
