الوقت - في أحدث تقاريرها، تفيد وكالة رويترز بأن طهران قد وجهت تحذيراً للولايات المتحدة مفاده أن منشآتها وأصولها في قطاع الطاقة بالخليج الفارسي باتت مكشوفةً وعُرضةً للخطر، وتزامناً مع ذلك، أعلنت طهران عن إنشاء منطقة محظورة جديدة حول مضيق هرمز، رداً على الهجمات الأمريكية الأخيرة.
وتكمن النقطة الجوهرية في تقرير رويترز في أن التهديد الإيراني لم يعد مقتصراً على السفن الأمريكية فحسب؛ بل إن طهران تتحدث اليوم بكل صراحة ووضوح عن هشاشة البنية التحتية للطاقة المرتبطة بأمريكا في المنطقة. وأوردت رويترز أن مسؤولين إيرانيين حذروا من أنه في حال شنت واشنطن هجمات جديدة، فإن منشآت الطاقة الأمريكية في الخليج الفارسي قد تكون هدفاً لضربات انتقامية. ويأتي هذا التطور اللافت في وقت شهدت فيه حركة السفن التجارية عبر مضيق هرمز تراجعاً حاداً، بالتزامن مع ملامسة أسعار خام برنت حاجز الـ 97 دولاراً.
وفي يوم أمس، ورداً على لغة التهديد والوعيد التي أطلقها وزير الحرب الأمريكي “بيت هيغسيث”، كشف رئيس البرلمان الإيراني “محمد باقر قاليباف” عبر حسابه على منصة “إكس” عن استراتيجية عسكرية إيرانية جديدة، مدوّناً: “الأمر بسيط ومفهوم: سلسلة إنتاج النفط والغاز في هذه المنطقة مترامية الأطراف، متناثرة، في متناول اليد، وهشة. وشركات النفط والغاز الأمريكية التي تمارس نشاطها في هذه المياه وتلك المنشآت تعاني من الهشاشة ذاتها.”
وأردف مصرحاً: “إن تجرأتم على استهداف أصولنا، فستتلقون ضربات مماثلة. لقد برهنّا على هذه القدرة سابقاً، واسألوا عن ذلك قواعدكم العسكرية التي خرجت عن الخدمة.”
وتتابع رويترز في تقريرها مشيرةً إلى أنه، وبناءً على ما سبق، يجب النظر إلى التهديد الإيراني بشأن “أصول الطاقة الأمريكية” بأبعاد تتجاوز مجرد التهديد العسكري؛ فهذا التحذير يحمل في طياته تلويحاً بتوسيع رقعة الصراع لتمتد من ناقلات النفط والسفن لتشمل البنية التحتية للطاقة والاقتصاد الإقليمي بأسره.
خارطة انتشار الأصول الأمريكية في المنطقة
بإلقاء نظرة فاحصة على البنية التحتية للطاقة الأمريكية في المنطقة، يتجلى لنا أن بعض هذه المنشآت ليست “أمريكيةً” خالصةً، بل تحظى بحصص أو استثمارات أو شراكات مع شركات أمريكية. ففي الواقع، ورغم أن قسماً كبيراً من البنية التحتية للنفط والغاز في الخليج الفارسي يعود لملكيات حكومية وشركات وطنية عربية، إلا أن عمالقة الشركات الأمريكية، من قبيل “إكسون موبيل”، و"شيفرون"، و"كونوكو فيليبس"، و"أوكسيدنتال"، و"داو"، تقف كشركاء أو مساهمين أو مستثمرين في عدد من هذه المشاريع. وعليه، فحينما يُثار الحديث عن “أصول الطاقة الأمريكية في المنطقة”، فلا يُقصد بها بالضرورة المنشآت المملوكة للحكومة الأمريكية، بل يُشار إلى منظومة من المشاريع التي تتركز فيها رؤوس أموال الشركات الأمريكية، أو ملكياتها، أو مصالحها الاقتصادية.
أهم 10 مشاريع وشركات حيوية مرتبطة بالأمريكيين في المنطقة
بشكل عام، يمكن استعراض عشرة نماذج بارزة للاستثمارات والمساهمات التي تمتلكها الشركات الأمريكية في كل من المملكة العربية السعودية، وقطر، والإمارات العربية المتحدة، والكويت، والبحرين، على النحو الآتي:
1. مصفاة سامرف؛ المملكة العربية السعودية
اسم المنشأة: مصفاة سامرف في ينبع
الشركة الأمريكية: إكسون موبيل
نوع الشراكة: ملكية بنسبة 50%
الطاقة الاستيعابية: أكثر من 400 ألف برميل من النفط الخام يومياً. تُعد مصفاة سامرف من أوضح الأمثلة على الحضور المباشر لرأس المال الأمريكي في قطاع الطاقة السعودي. فهذه المصفاة هي ثمرة شراكة بين “أرامكو” وشركة “موبيل ينبع ريفاينينغ” المملوكة بالكامل لشركة إكسون موبيل. تبلغ الطاقة الإنتاجية للمصفاة أكثر من 400 ألف برميل يومياً، وتنتج مشتقات كالغاز المسال، والديزل، والوقود البحري، والكبريت. وفي ديسمبر من عام 2025، أبرمت أرامكو وإكسون موبيل وسامرف اتفاقيةً لدراسة تحديث المصفاة وتحويلها إلى مجمع متكامل للتكرير والبتروكيماويات. تكمن أهمية هذه الشركة في أن سامرف، وبفضل الملكية المشتركة بين أرامكو وإكسون موبيل، تُمثل إحدى أمتن حلقات الوصل المباشرة بين رأس المال الأمريكي والبنية التحتية النفطية السعودية.
2. الحقول النفطية في المنطقة المحايدة؛ السعودية – الكويت
اسم المنطقة: المنطقة المقسومة أو “المنطقة المحايدة” بين السعودية والكويت
الشركة الأمريكية: شيفرون
نوع الشراكة: عمليات تشغيلية واستثمارات في الشطر السعودي من المنطقة. تنشط شركة شيفرون منذ سنوات طوال في الشطر السعودي من المنطقة المقسومة بين السعودية والكويت. وتلعب الشركة دوراً محورياً في تطوير وإنتاج النفط في هذه البقعة، وتُعد أصولها هناك جزءاً لا يتجزأ من محفظة إنتاج شيفرون في الشرق الأوسط. تكتسب هذه المنطقة أهميةً جيوسياسيةً بالغةً، حيث تتقاسم الدولتان مواردها النفطية، وتُسجل شركة شيفرون الأمريكية حضوراً وازناً في الجانب السعودي منها. وقد أفضى هذا الحضور إلى ربط جزء من إنتاج النفط في هذه المنطقة بصورة مباشرة بمصالح عملاق أمريكي كبير.
3. مجمع صدارة للبتروكيماويات؛ المملكة العربية السعودية
اسم المنشأة: مجمع صدارة للبتروكيماويات في الجبيل
الشركة الأمريكية: داو (Dow)
نوع الشراكة: شركة مشتركة مع أرامكو
الطاقة الإنتاجية: أكثر من 3 ملايين طن من المنتجات سنوياً
عدد الوحدات الإنتاجية: 26 وحدة
يُصنف مجمع صدارة كأحد أضخم المشاريع البتروكيماوية على مستوى العالم، وهو صرح تأسس بشراكة بين أرامكو وشركة “داو” الأمريكية. يضم المجمع 26 وحدة إنتاجية، بطاقة أُعلن أنها تتجاوز 3 ملايين طن سنوياً. وتقف شركة “داو” كشريك مباشر لأرامكو في هذا المشروع الذي ينتج طيفاً واسعاً من المواد الكيميائية والبتروكيماوية. لا يقتصر دور صدارة على كونها مجرد مصفاة أو حقل نفطي، بل هي حلقة وصل استراتيجية في سلسلة الصناعات الكيميائية السعودية، وبحضور شركة “داو”، استحالت لتكون من أهم نقاط التلاقي بين رأس المال الصناعي الأمريكي واقتصاد الطاقة السعودي.
4. مشروع غاز “حقل الشمال الشرقي”؛ دولة قطر
اسم المشروع: حقل الشمال الشرقي
الشركة الأمريكية: إكسون موبيل
نوع الشراكة: استثمار مشترك مع قطر للطاقة
الطاقة الإجمالية للمشروع: 32 مليون طن من الغاز الطبيعي المسال سنوياً
حصة إكسون موبيل: 25% من الشركة المشتركة للمشروع
يُعد مشروع تطوير حقل الشمال الشرقي من أضخم مشاريع الغاز الطبيعي المسال (LNG) على الساحة الدولية. وتمتلك إكسون موبيل حصةً تبلغ 25% في الشركة المشتركة التي أُسست لتطوير هذا المشروع، والذي يضم أربعة خطوط إنتاج للغاز الطبيعي المسال بطاقة إجمالية تصل إلى 32 مليون طن سنوياً. كما أعلنت إكسون موبيل أنه مع تطوير حقل الشمال، ستقفز القدرة الإنتاجية لقطر من الغاز المسال من نحو 77 مليون طن لتلامس سقف الـ 110 ملايين طن سنوياً. ولما كانت قطر تتربع على عرش مصدري الغاز المسال عالمياً، فإن تواجد إكسون موبيل في حقل الشمال يُشكل واحداً من أعظم المصالح الاقتصادية للشركات الأمريكية في سوق الطاقة القطري.
5. مشروع “حقل الشمال الجنوبي”؛ دولة قطر
اسم المشروع: حقل الشمال الجنوبي
الشركة الأمريكية: كونوكو فيليبس
نوع الشراكة: استثمار مشترك
الطاقة الإجمالية للمشروع: حوالي 16 مليون طن من الغاز الطبيعي المسال سنوياً
تُسجل شركة “كونوكو فيليبس” حضوراً بارزاً هي الأخرى في تطوير حقل الشمال الغازي العملاق في قطر. فالشركة شريكة في مشروع حقل الشمال الجنوبي، وقد أدرجت هذا الاستثمار ضمن وثائقها المالية كواحد من أهم مشاريعها للغاز المسال في قطر. ويتضمن هذا المشروع تطوير خطين لإنتاج الغاز المسال، بطاقة إجمالية تُقدر بحوالي 16 مليون طن سنوياً. وقد أسهم انخراط كونوكو فيليبس في هذا المشروع في ربط المصالح المباشرة لشركة أمريكية بتطوير القدرات التصديرية للغاز القطري المسال.
6. منشأة الغاز الطبيعي المسال “إن 3” (N3)؛ دولة قطر
اسم المنشأة: إن 3 (N3)
الشركة الأمريكية: كونوكو فيليبس
الحصة: حوالي 30% من هيكلية المشروع
طاقة الغاز المسال: حوالي 7.8 مليون طن سنوياً
يُمثل مشروع “إن 3” إحدى أهم الأصول التي تحوزها كونوكو فيليبس في قطر. وقد صرحت الشركة بأن مشروع “إن 3” للغاز الطبيعي المسال التابع لقطر للطاقة، يُعد من أضخم منشآت الغاز المسال في العالم، بطاقة إنتاجية تناهز 7.8 مليون طن سنوياً. وتتجلى الأهمية البالغة لهذا المشروع بالنسبة لـ “كونوكو فيليبس” فيما أعلنته الشركة في تقريرها المالي، حيث أشارت إلى أن إنتاج أصلها القطري “إن 3” يبلغ حوالي 80 ألف برميل مكافئ نفط يومياً، وهو ما يشكل قرابة 3% من إجمالي إنتاج الشركة. وعلى النقيض من بعض المشاريع في المنطقة التي تقتصر على إبرام عقود خدمية مع الشركات الأمريكية، يُعد مشروع “إن 3” أصلاً إنتاجياً مباشراً مملوكاً لشركة كونوكو فيليبس.
7. حقل “زاكوم العلوي” النفطي؛ الإمارات العربية المتحدة
اسم المنشأة: حقل زاكوم العلوي النفطي
الشركة الأمريكية: إكسون موبيل
الحصة: 28%
الطاقة الإنتاجية للحقل: حوالي مليون برميل يومياً
يُعد حقل “زاكوم العلوي” واحداً من كبريات حقول النفط البحرية (أوفشور) على مستوى العالم. وتمتلك إكسون موبيل حصةً قدرها 28% في هذا الحقل. وتُظهر وثائق الشركة أن الطاقة الإنتاجية المطورة للحقل تبلغ نحو مليون برميل من النفط يومياً. وعليه، فإن إحدى أهم المصالح المباشرة لشركة إكسون موبيل في المنطقة لا تقع في السعودية أو قطر، بل تتركز في دولة الإمارات. إن حجم الإنتاج الهائل لهذا الحقل يجعل من “زاكوم العلوي” واحداً من أهم الأصول النفطية المرتبطة بشركة أمريكية في مياه الخليج الفارسي.
8. منشأة “الحصن للغاز”؛ الإمارات العربية المتحدة
اسم المنشأة: الحصن للغاز
الشركة الأمريكية: أوكسيدنتال (Occidental)
الحصة: 40%
طاقة المعالجة: حوالي 1.45 مليار قدم مكعبة من الغاز يومياً
يُعتبر مشروع “الحصن للغاز” من أبرز وأهم مشاريع الغاز الحامض في الإمارات، وتمتلك شركة “أوكسيدنتال” الأمريكية حصةً وازنةً تبلغ 40% فيه. أُسس هذا المشروع لإنتاج ومعالجة الغاز الطبيعي الإماراتي، ويُعد جزءاً لا يتجزأ من الأنشطة الغازية لشركة أوكسيدنتال في البلاد.
الأهمية: تدل حصة الـ 40% التي تمتلكها أوكسيدنتال على أن ارتباط الشركة الأمريكية بهذا المشروع ليس مجرد ارتباط تعاقدي أو خدمي عابر، بل هو شراكة اقتصادية مباشرة وعميقة. (المصدر: التقرير السنوي لشركة أوكسيدنتال لعام 2025)
9. خط أنابيب دولفين؛ قطر - الإمارات - عُمان
اسم البنية التحتية: خط أنابيب غاز دولفين
الشركة الأمريكية: أوكسيدنتال
حصة أوكسيدنتال في “دولفين للطاقة”: 24.5%
القدرة الاستيعابية لخط الأنابيب: بحد أقصى 3.2 مليار قدم مكعبة يومياً
يُعد مشروع “دولفين” من أهم شبكات وشرايين نقل الغاز في المنطقة. يتولى هذا الخط نقل الغاز الطبيعي من قطر إلى الإمارات وسلطنة عُمان. وتبلغ قدرته الاستيعابية للنقل نحو 3.2 مليار قدم مكعبة يومياً، ويمر عبره في الوقت الراهن ما يقارب ملياري قدم مكعبة من الغاز يومياً. وتستحوذ شركة أوكسيدنتال على 24.5% من أسهم شركة “دولفين للطاقة”.
الأهمية: لا تقتصر أهمية مشروع دولفين على حجم استثمارات أوكسيدنتال فحسب؛ بل يُشكل هذا الخط حلقة الوصل الحيوية في شبكة ربط الطاقة بين قطر وأسواق الإمارات وعُمان.
10. مصفاة سترة؛ مملكة البحرين
اسم المنشأة: مصفاة سترة
البلد: البحرين
الطاقة الاستيعابية: حوالي 380 ألف برميل يومياً بعد التوسعة
الارتباط الأمريكي: تعاون فني وتكنولوجي؛ وليس ملكية مباشرة في الوقت الراهن
تُعد مصفاة سترة درة تاج المنشآت التكريرية في البحرين، غير أنه يجب توخي الدقة عند الحديث عن ارتباطها بالولايات المتحدة. فهذه المصفاة لا تُصنف كأصل أمريكي، ولا ينبغي وضعها في كفة واحدة مع مصفاة سامرف، أو حقل زاكوم العلوي، أو مشاريع أوكسيدنتال، حيث تحظى الشركات الأمريكية بملكيات واستثمارات مباشرة. ومع ذلك، فإن للشركات الأمريكية باعاً طويلاً وتاريخاً حافلاً بالحضور في مجال تكنولوجيا التكرير والتعاون الصناعي مع البحرين. وعليه، فإن ارتباط مصفاة سترة بالمصالح الأمريكية يغلب عليه الطابع التكنولوجي والتجاري، أكثر من كونه ملكيةً مباشرةً.
حضور اقتصادي أوسع نطاقاً مقارنةً بالوجود العسكري
إن التمعن في هذه المشاريع العشرة يبرهن بجلاء على أن الحضور الاقتصادي الأمريكي في قطاع الطاقة بالخليج الفارسي، أوسع نطاقاً وأكثر تشعباً بكثير من رقعة انتشار قواعدها العسكرية. ففي السعودية، تسجّل كل من “إكسون موبيل” في سامرف و"داو" في صدارة حضوراً مباشراً؛ وفي المنطقة النفطية المشتركة بين السعودية والكويت تنشط شركة “شيفرون” بقوة. أما في قطر، فتضع كل من “إكسون موبيل” و"كونوكو فيليبس" بصماتها الراسخة في تطوير حقل الشمال العملاق ومشاريع الغاز الطبيعي المسال. وفي الإمارات، تمتلك “إكسون موبيل” في حقل زاكوم العلوي و"أوكسيدنتال" في مشاريع الغاز وخط أنابيب دولفين مصالح استراتيجية مباشرة. هذه الشبكة المتشابكة والمعقدة تجعل من أي أزمة واسعة النطاق تعصف بقطاع الطاقة في الخليج الفارسي، ليست مجرد شأن يخصّ دول المنطقة وتصفيات بين حكوماتها فحسب، بل أزمة قادرة على إلحاق ضرر مباشر بصميم إيرادات الشركات الأمريكية، وإنتاجها، وحجم استثماراتها.
ومن منظور اقتصادي، تتضاعف أهمية هذه الشبكة حينما توضع جنباً إلى جنب مع الدور الجيوسياسي المحوري الذي يلعبه مضيق هرمز؛ إذ إن أي تعطيل أو تشويش على صادرات النفط والغاز المسال في المنطقة، من شأنه أن يترك تداعيات زلزالية متزامنة تضرب مصالح الشركات الأمريكية، واقتصادات الدول العربية، وأسعار الطاقة العالمية على حد سواء.
