الوقت - يكشف تقرير نشرته الجزيرة بقلم هديل عواد، الكاتبة والممرضة المقيمة في غزة، أن انهيار البنية التحتية الصحية، واتساع رقعة النزوح، ونقص الأدوية، وارتفاع كلفة التنقّل، حوّلت عملياً الحق في الصحة من حق عام إلى امتياز لا يناله إلا من يملك القدرة على دفع ثمنه.
ويشير التقرير، في معرض تناوله أوضاع مخيمات النازحين في غزة، إلى أن النظام الصحي المنهك والمدمّر لم يعد قادراً على الوصول إلى الفئات الأكثر هشاشةً، كما أن المرضى أنفسهم لم يعودوا قادرين على مراجعة المراكز الصحية بانتظام، بسبب بُعد المسافات، وكلفة المواصلات، وقسوة ظروف العيش. ويزيد غياب مياه الشرب الآمنة، وتردّي شروط النظافة، واشتداد الحرّ، من تفاقم الوضع الصحي للسكان.
وتقول كاتبة التقرير إنها توجهت الشهر الماضي، برفقة فريق من أطباء إحدى العيادات الخاصة، إلى مخيم عشوائي أقيم في ما تبقّى من مدرسة حسن سلامة في حي النصر بمدينة غزة، حيث عاينوا في يوم واحد ما لا يقل عن 150 مريضاً.
وكانت الأمراض التي رُصدت واسعة النطاق؛ من ارتفاع ضغط الدم والأمراض المزمنة مثل السكري ومشكلات الكلى، إلى التهاب الكبد والجرب. كما سُجّلت بين الأطفال حالات عديدة من جدري الماء، والتهاب المعدة والأمعاء، والإسهال، والالتهابات التنفسية.
ويُظهر هذا الواقع أن الأزمة الصحية في غزة لا تنبع فقط من أعداد الجرحى والمصابين جرّاء الحرب؛ بل إن الأمراض المزمنة والعدوى الشائعة تحوّلت هي الأخرى، بفعل تدمير البنية الصحية وصعوبة الوصول إلى الطبيب والدواء، إلى تهديد حقيقي لحياة الناس.
ومن بين النماذج الصادمة التي أوردها التقرير، حالة رجل يبلغ من العمر 46 عاماً أُصيب في ساقه بشظية، وبات يحتاج إلى عكاز للمشي. وكان الرجل يعاني أيضاً من ارتفاع ضغط الدم، غير أنه لم يكن قادراً على الوصول بسهولة إلى مستشفى الرنتيسي؛ إذ يعمل هذا المركز بصورة محدودة، ويخصص معظم خدماته للأطفال ومرضى السرطان.
ولمراجعة مركز صحي آخر والحصول على معاينة ووصفة دوائية، كان يحتاج إلى ما لا يقل عن 8 دولارات لتغطية كلفة التنقّل؛ وهو مبلغ يُعد ثقيلاً على كثير من سكان مخيمات النزوح، في ظل صعوبة تأمين قوت اليوم. وتؤكد الكاتبة أن التأخر في تلقي الرعاية الطبية، مقترناً بنقص الأدوية وقسوة ظروف الحياة، يمكن أن يؤدي إلى تفاقم الأمراض، بل وحتى إلى الوفاة.
وفي جانب آخر من التقرير، تُسلَّط الأضواء على وضع الخدمات الصحية التابعة لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا).
فبحسب التقرير، كانت الأونروا تمتلك قبل الحرب 22 عيادة في مختلف أنحاء قطاع غزة، أما اليوم فلم يبقَ منها قيد العمل سوى 6 عيادات فقط. كذلك، من أصل 34 مستشفى في غزة، لا يعمل سوى 19 مستشفى بصورة جزئية؛ وهي عبارة، كما تنبّه الكاتبة، لا ينبغي الخلط بينها وبين التشغيل الطبيعي للمستشفيات، إذ إن كثيراً من أقسام هذه المرافق لم يعد صالحاً للاستخدام بفعل الدمار.
وتتضح أزمة نقص القدرة الاستيعابية بصورة أشدّ حين تُقارن أعداد الأسرّة المتبقية بعدد سكان غزة. فبحسب التقرير، لا يتوافر اليوم في كامل قطاع غزة سوى نحو 2200 سرير للرقود، لخدمة ما يقرب من مليوني إنسان؛ في حين كان مستشفى الشفاء وحده يضم قبل الحرب 700 سرير. كما توقفت خدمات طبية كثيرة، من بينها الفحوص التخصصية، والعمليات الجراحية، وبعض العلاجات، بسبب نقص المعدات والأدوية والكوادر الطبية.
وفي ظل هذه الظروف، لا تقتصر المسألة على إعادة بناء المستشفيات المدمّرة؛ فغزة تواجه أزمةً واسعةً في الرعاية الصحية الأولية، وعلاج الأمراض المزمنة، والوقاية من الأمراض المعدية، وضمان وصول النازحين إلى الطبيب والدواء.
وتخلص كاتبة الجزيرة إلى أن تدمير المراكز الصحية والنزوح الواسع للفلسطينيين جعلا الحصول على الرعاية الطبية في غزة لا يبدو حقاً عاماً كما ينبغي أن يكون، بل امتيازاً يتحدد الوصول إليه بحسب مكان الإقامة، والقدرة على دفع كلفة التنقّل، وإمكانية العثور على مركز صحي لا يزال يعمل.
