الوقت - لقد وضعت الحرب على إيران الولايات المتحدة أمام تحدٍ جسيم، يتمثل في استمرارية حضورها العسكري في المنطقة. وتُشير التقارير إلى أن القواعد الأمريكية الكبرى قد استحالت، خلال الحرب التي دامت ستة أشهر ضد إيران، إلى أهداف سهلة المنال لصواريخ طهران. وهو ما أرغم البنتاغون على سحب قواته، وتقليص أعداد جنوده إلى أدنى مستوياتها منذ عام 2003، وتكبد خمسة مليارات دولار لإعادة الإعمار. بيد أن الأمر يتجاوز ذلك؛ فانهيار “عقيدة كارتر” التي صمدت لـ 45 عاماً يدق ناقوس خطرٍ مدوٍ في واشنطن؛ فترامب، الذي لطالما أبى أن يلقى مصير كارتر، بات اليوم أسير المصير ذاته.
وفي هذا الصدد، أوردت صحيفة “فايننشال تايمز” في تقرير لها أن على أمريكا اليوم تغيير الاستراتيجية العسكرية للبنتاغون. ففي ظل الانكشاف الشديد للقواعد الأمريكية الضخمة والثابتة في الخليج الفارسي، والتي أمطرتها الصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية خلال الحرب، عقد البنتاغون العزم على تبني نموذج أكثر مرونةً وتشتتاً؛ ويعني ذلك نشر الجنود في قواعد أصغر حجماً، والتحريك السريع للمقاتلات عبر مدارج مؤقتة، بدلاً من التعويل على ثكنات هائلة مكشوفة للعيان.
لقد كبدت هذه الحرب أمريكا أثماناً باهظةً، وبات لزاماً عليها اليوم إعادة بناء هذه القواعد بتكلفة طائلة. وقد قدّر معهد “إنتربرايز” للأبحاث تكلفة ترميم 11 قاعدة أمريكية في سبع دول شرق أوسطية بنحو خمسة مليارات دولار؛ وهي تكلفة لم يكن البنتاغون قد أدرجها ضمن الميزانية الأولية للحرب.
وفي السياق ذاته، يرى “نيت سوانسون”، المدير السابق للملف الإيراني في مجلس الأمن القومي الأمريكي، أن: “إعادة بناء بعض هذه المنشآت ليس بالأمر العملي. فالحاجة إلى تمويل إعادة بناء منشآت لم تعد تفي بالغرض، من شأنها أن تسرّع وتيرة المسارات الحالية”.
لقد لقنت الحرب العدوانية على إيران درساً قاسياً للولايات المتحدة. فبعد 22 عاماً، تسعى واشنطن اليوم إلى تقليص حضورها العسكري بشكل حاد في منطقة الشرق الأوسط والدول المجاورة لإيران. ومما لا شك فيه أن أي إعادة حسابات ستلقي بظلالها على أعداد الجنود المتمركزين في الخليج الفارسي؛ إذ يُرجح أن ينخفض تعداد القوات الأمريكية هناك – والذي عادةً ما يبلغ نحو 35 ألف جندي موزعين بين السعودية والإمارات والبحرين وقطر والكويت – إلى أدنى مستوى له منذ ما قبل غزو العراق عام 2003. ناهيك عن مساعي أمريكا للانسحاب من سوريا وتقليص تواجدها في العراق.
إرهاصات أفول القوة الأمريکية
وفي غضون ذلك، طرح “معهد بيترسون للاقتصاد الدولي” (PIIE) في تحليل له عام 2026 تساؤلاً جوهرياً: “هل نشهد نهاية الهيمنة الأمريكية؟”، مشيراً إلى أنه إذا كانت حقبة التفرد الأمريكي بالزعامة العالمية تدنو من أفولها ــ وهو ما “يبدو جلياً” بحسب المعهد ــ فإن المسبّب الأول لذلك يكمن في صميم الأفعال الأمريكية ذاتها، أكثر من كونه نتاجاً لممارسات قوة خارجية.
وينمّ هذا التقييم عن تحول جذري في الأدبيات السياسية الأمريكية؛ إذ لم يعد الهاجس الأكبر مقتصراً على صعود التنين الصيني فحسب، بل بات يتمحور حول التآكل الداخلي لقدرة أمريكا على استعراض القوة، بدءاً من الأعباء العسكرية والاقتصادية، مروراً باهتزاز ثقة الحلفاء، وصولاً إلى التخبط في سياستها الخارجية.
حرب إيران؛ تجلّي حدود القوة العسكرية الأمريكية
من جهة أخرى، أدخلت الحرب الأمريكية الإيرانية التي استعرت لستة أشهر، هذا السجال في منعطف جديد. فقد سلطت صحيفة “وول ستريت جورنال”، في تقرير حديث لها حول قدرة أمريكا على صون النظام العالمي، الضوء على تناقص مخزونات الأسلحة، وشحّ صواريخ “باتريوت” الاعتراضية، وتراجع الحضور العسكري الأمريكي في آسيا، وهشاشة القاعدة الصناعية الدفاعية الأمريكية. وترى الصحيفة أن الحرب الإيرانية قد كشفت النقاب عن نقاط ضعف عميقة في صلب القاعدة الصناعية الدفاعية للولايات المتحدة.
وتكمن خطورة هذه المعضلة في أن القوة الأمريكية لا تُقاس فحسب بعدد ما تملكه من طائرات أو بوارج أو صواريخ؛ فسرعة إحلال الأسلحة المستنفدة في الحروب الطويلة، هي ركن ركين من أركان القوة العسكرية. فإذا ما استطاعت قوة عظمى شن عمليات واسعة النطاق، لكنها عجزت عن تعويض الذخائر والمعدات المستهلكة بالسرعة الكافية، فإن قدرة الردع لديها في الحروب طويلة الأمد تغدو في مهبّ الريح.
أمريكا لم تعد كسابق عهدها
وفي تحليل بعنوان “انحدار وسقوط الإمبراطورية الأمريكية”، يجادل “بول كروغمان”، الخبير الاقتصادي الحائز على جائزة نوبل، بأن أمريكا لم تعد تلك القوة الاقتصادية والعسكرية المهيمنة كما كانت في سالف الأوان، وأن الدور العالمي لواشنطن أضحى اليوم، أكثر من أي وقت مضى، مرتهناً بوجود حلفاء يثقون بالوعود الأمريكية.
وتحمل هذه النقطة في طياتها أهميةً بالغةً، إذ تؤكد أن القوة الأمريكية لا تقتصر على “القوة الصلبة”. فلطالما استمدت واشنطن، على مدى العقود المنصرمة، قسماً كبيراً من نفوذها عبر شبكة معقدة من الحلفاء، والمؤسسات الدولية، وهيمنة الدولار، والاقتصاد العالمي، و"القوة الناعمة". وأي شرخ يعتري الثقة بهذه الشبكة، من شأنه أن ينخر في عصب القوة الأمريكية على المدى الطويل.
تآكل القوة الناعمة
وفي السياق عينه، أفاد مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي في يوليو/تموز 2026، استناداً إلى بيانات مؤسسة “غالوب”، بأن الصين قد أزاحت أمريكا عن عرش مؤشر الشعبية العالمية. ووفقاً لهذه البيانات، هوى صافي النظرة الإيجابية تجاه الولايات المتحدة في عام 2025 إلى سالب 15 بالمئة، في حين قارب هذا المؤشر بالنسبة للصين الصفر. ويؤكد معدو التقرير أن هذا التطور لا يُعزى فحسب إلى تنامي النفوذ الصيني، بل هو مؤشر دامغ على ضمور القوة الناعمة الأمريكية.
ويكتسي هذا التحول أهميةً استراتيجيةً قصوى؛ فالهيمنة لا تُصان بقوة السلاح وحدها. وحينما تشرع الدول الأخرى في تنويع علاقاتها مع الصين وروسيا وقوى أخرى بدلاً من الانضواء تحت لواء القيادة الأمريكية، فإن فاتورة فرض النفوذ ستغدو باهظة جداً على واشنطن.
الأفول الأمريكي؛ شعورٌ يتردد صداه في الداخل
كما كشف استطلاع وطني للرأي، أجراه باحثو “مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي” في يناير/كانون الثاني 2026، أن أغلبية الأمريكيين باتوا يوقنون بأن قوة بلادهم ونفوذها العالمي في طور الأفول. وأقر قرابة ثلثي المستطلعة آراؤهم بأن قوة الصين أضحت اليوم توازي قوة أمريكا أو تتفوق عليها.
وهذا المعطى جدير بالاهتمام؛ فمقولة “الأفول الأمريكي” لم تعد مجرد سردية خارجية، بل إن شريحةً من المجتمع الأمريكي ذاته باتت تستشعر أن بلادها قد فقدت مكانتها المتسيّدة التي عهدتها.
ترامب؛ ترياق للأفول أم محفزٌ له؟
وفي خضم هذا المشهد، يجادل عدد من الخبراء بأن سياسات “دونالد ترامب”، وعوضاً عن كبح جماح هذا الأفول، قد تفضي إلى تسريع وتيرته.
فقد عكف مركز “التقدم الأمريكي” (American Progress) في تقرير نشره عام 2026، على دراسة 131 حالة اعتبرها المركز سبباً في تقويض الأمن والاقتصاد والنفوذ العالمي للولايات المتحدة.
ومن هذا المنطلق، فإن سياسة ليّ أذرع الحلفاء، والتنصل من الالتزامات الخارجية، وخوض الحروب المستنزفة، والإفراط في توظيف الأدوات الاقتصادية والعسكرية، قد تُفلح في استعراض عضلات القوة الأمريكية على المدى القصير، لكنها ستنال حتماً من منسوب الثقة بواشنطن على الأمد البعيد.
وهو ما ذهب إليه “جوزيف ستيغليتز”، الخبير الاقتصادي الأمريكي الحائز على جائزة نوبل، حين استنتج أن سياسات ترامب قد تكتب السطر الأخير في كتاب الهيمنة الأمريكية، لتفقد الولايات المتحدة جزءاً من مكانتها المهيمنة في ملامح الاقتصاد العالمي المرتقب.
