الوقت - بينما يسعى دونالد ترامب باستمرار إلى تصوير نفسه كمنتصر في الحملة العسكرية مع إيران، تُقدّم استطلاعات الرأي والواقع الاقتصادي في الولايات المتحدة صورةً مختلفةً تمامًا، إذ تُشير إلى تزايد المخاوف، وارتفاع تكاليف الحرب، وتراجع الدعم الشعبي لسياسات البيت الأبيض.
في هذا السياق، تُشير نتائج أحدث استطلاع رأي مشترك أجرته رويترز/إيبسوس، عبر الإنترنت بمشاركة 4505 بالغين أمريكيين، وبهامش خطأ يبلغ نقطتين مئويتين، إلى أن نتائج الحرب مع إيران كارثية على الأمريكيين. يُظهر الاستطلاع أنه بعد مرور أكثر من خمسة أشهر على بدء الحرب الأمريكية مع إيران، يعتقد 50% من الأمريكيين أن أي عمل عسكري ضد إيران خلال العام المقبل سيزيد من زعزعة استقرار الشرق الأوسط.
في هذا الاستطلاع، يعتقد 17% فقط أن هذه الحرب ستؤدي إلى زيادة الاستقرار في المنطقة. كما يعتقد 16% أن الوضع لن يتغير بشكل ملحوظ، بينما لم يُجب 17% أو أعربوا عن جهلهم. وتشير نتائج هذا الاستطلاع أيضًا إلى انخفاض في التأييد الشعبي للحرب، حيث أيّد 35% فقط من الأمريكيين استمرارها.
في الوقت نفسه، يحاول ترامب وحلفاؤه استمالة الرأي العام لاستمرار سياساتهم الحربية بتبرير هذه الحرب، لكن يبدو أن هذا النهج قد أتى بنتائج عكسية حتى الآن، إذ زاد من المخاوف بشأن تكاليف الحرب وعواقبها.
وبينما دأب ترامب على مهاجمة الديمقراطيين ووصف الأداء الاقتصادي لإدارة بايدن بأنه من أسوأ ما يكون في تاريخها، أظهر أحدث استطلاع للرأي، ولأول مرة منذ بدء استطلاعات الرأي في أواخر عام 2024، أن الناخبين الأمريكيين قيّموا الديمقراطيين بفارق ضئيل عن الجمهوريين في إدارة الحرب ومكافحة الإرهاب وإدارة الاقتصاد.
كما شككت استطلاعات رأي أخرى في الأسابيع الأخيرة في أداء إدارة ترامب. أبرز هذه الاستطلاعات هو استطلاع رأي أجرته وكالة أسوشيتد برس بالتعاون مع مركز نورك للأبحاث، ونُشر في الثاني من أغسطس/آب، والذي أظهر أن نحو ثلثي الأمريكيين (66%) يعتقدون أن الحرب مع إيران "لم تكن تستحق القتال". في المقابل، لم تتجاوز نسبة المؤيدين لتعامل ترامب مع الحرب مع إيران 28%، بانخفاض قدره 6 نقاط مئوية عن شهر يونيو/حزيران. ومن النتائج المهمة الأخرى استطلاع رأي أجرته شبكة سي إن إن الأسبوع الماضي، والذي أظهر أن 74% من المشاركين يرون أن ترامب لا يملك خطة واضحة لإنهاء الحرب.
الرأي العام متشائم بشأن تحسن وضع الوقود
على الرغم من محاولات مسؤولي البيت الأبيض وترامب نفسه تصوير الحرب مع إيران على أنها حققت مكاسب إيجابية للاقتصاد الأمريكي، إلا أن نتائج استطلاع رأي أجرته رويترز بالتعاون مع إيبسوس تُظهر عكس ذلك. ففي هذا الصدد، يسود التشاؤم بين الناس بشأن التداعيات الاقتصادية للحرب، ويتوقع 58% من المشاركين في الاستطلاع ارتفاع أسعار البنزين، بينما يعتقد 15% فقط أن انخفاضها أمر مرجح.
أكدت وكالة أسوشيتد برس، في تحليلها لنتائج استطلاعات الرأي العام بالتعاون مع مركز نورك، الأسبوع الماضي، أن زيادة الإنفاق العسكري، وارتفاع أسعار البنزين، واستمرار الصراع دون حسم واضح، هي أهم العوامل التي أدت إلى تراجع شعبية الحرب.
وقد تزايدت مخاوف الأمريكيين بشأن ارتفاع أسعار البنزين في وقتٍ تسببت فيه اضطرابات حركة الملاحة عبر مضيق هرمز في تعطيل سوق الطاقة العالمية. ورغم مزاعم ترامب المتكررة بإعادة فتح هذا الممر المائي الاستراتيجي والتوصل إلى اتفاق مع إيران لخفض أسعار ناقلات الطاقة، فإن استمرار القيود المفروضة على هذا الطريق الحيوي يعني ضآلة الأمل في انخفاض سريع لأسعار الوقود في الولايات المتحدة. وبالتالي، زادت تكاليف الطاقة المرتفعة من الضغط السياسي على البيت الأبيض، حيث حث ترامب شركات النفط على خفض أسعار النفط في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي يوم الأربعاء، وهو نداء يعكس قلق الحكومة الأمريكية بشأن التداعيات الاقتصادية لأزمة الطاقة.
كل ذلك على حساب الجمهوريين
قد تشكل نتائج استطلاعات الرأي العام تحديًا سياسيًا لترامب والحزب الجمهوري، الذين هم على أعتاب انتخابات الكونغرس. بحسب استطلاع رأي أجرته رويترز/إيبسوس، على الرغم من أن 80% من الجمهوريين راضون عن أداء ترامب عموماً، و66% يؤيدون تعامله مع الحرب مع إيران، إلا أن 41% فقط يعتقدون أن الحرب ستؤدي في نهاية المطاف إلى مزيد من الاستقرار في الشرق الأوسط.
وقد اعتبرت وسائل الإعلام الأمريكية هذا التوجه مؤشراً على أن الحرب مع إيران باتت تشكل تحدياً سياسياً لإدارة ترامب. وكتب معهد بروكينغز مؤخراً في تحليل له أن الحرب مع إيران قد سرّعت من تراجع شعبية ترامب، حتى أن بعض الناخبين الجمهوريين باتوا متشككين في جدوى استمرار الحرب.
موجة معارضة بين المسؤولين
لم تقتصر موجة المعارضة لسياسات إدارة ترامب تجاه إيران على الرأي العام الأمريكي فحسب، بل حذر أعضاء في الكونغرس ومحللون أيضاً من غياب استراتيجية واضحة لإنهاء الحرب، والتكاليف المالية الباهظة، وتداعياتها على جاهزية الجيش الأمريكي.
اتهم زعيما الحزب الديمقراطي في مجلس الشيوخ، إليزابيث وارين وكريس فان هولين، الجمهوريين في 31 يوليو/تموز بإساءة استخدام السلطة القانونية للكونغرس فيما يتعلق بالحرب على إيران. وحذرت وارين من أن الكونغرس يجب ألا يصبح مجرد أداة لتمرير قرارات ترامب الحربية. وصرح النائب الجمهوري توماس ماسي، وهو من منتقدي الحرب، مؤخرًا: "لقد أضعفت الحرب على إيران الولايات المتحدة بشكل كبير". وكان ماسي من بين الجمهوريين القلائل الذين شككوا علنًا في سياسة ترامب الحربية. كما صرحت النائبة الديمقراطية آمي كيرني، بعد تصويتها لصالح تقييد صلاحيات ترامب الحربية: "لقد كانت هذه الحرب فشلًا استراتيجيًا ومكلفًا لبلادنا".
بالإضافة إلى ذلك، قال ديفيد شينكر، الذي شغل منصب كبير مسؤولي وزارة الخارجية لشؤون الشرق الأوسط خلال ولاية ترامب الأولى، إن الآثار الاقتصادية للصراع قد تستمر حتى لو انتهت الحرب سريعًا.
وقال جاستن لوغان، مدير دراسات الدفاع والسياسة الخارجية في معهد كيتو: "كانت هذه الحرب غير شعبية منذ اليوم الأول، وازدادت شعبيتها انخفاضًا منذ ذلك الحين". وأضاف لوغان أن ترامب يواجه وضعًا صعبًا. وضع الرئيس أهدافًا طموحة للصراع، مثل تدمير القدرات الصاروخية الإيرانية ومنعها من امتلاك أسلحة نووية، مع سعيه في الوقت نفسه إلى الحد من الخسائر البشرية والتكاليف السياسية للحرب. هذا التخبط، أو بالأحرى انعدام الهدف، في إدارة الحرب يُفاقم مشاكل الرئيس.
ترامب في مستنقع إيران
على عكس مزاعم ترامب بأن الحرب مع إيران حققت إنجازات عظيمة لواشنطن، ترى وسائل الإعلام الغربية أن واشنطن تخوض حرب استنزاف وتواجه تحديات جسيمة في تحقيق أهدافها المعلنة وإيجاد مخرج من هذه الأزمة.
كتبت وكالة رويترز في تحليل لها يوم الأربعاء الماضي: "ترامب عالق الآن في حرب بلا مخرج واضح، وبعد ستة أشهر من الحرب، لم تتحقق العديد من أهداف البيت الأبيض المعلنة، وترامب محاصر بين قبول تنازلات لإيران أو تصعيد الحرب".
كتبت صحيفة وول ستريت جورنال في تقريرها الصادر في 30 يوليو/تموز: "إن الحرب التي اعتقد ترامب أنها ستنتهي في غضون أسابيع قليلة، باتت الآن مصحوبة بتزايد الخسائر العسكرية الأمريكية، وارتفاع أسعار النفط، وتراجع التأييد الشعبي، ويواجه الرئيس الأمريكي حربًا لا تلوح في الأفق نهاية واضحة لها".
كما حذرت صحيفة نيويورك تايمز، في أحد أهم تحليلاتها المنشورة في 31 يوليو/تموز، من أن إدارة ترامب لا تملك فهمًا صحيحًا لدوافع إيران وقدراتها، وأن هذا سوء الفهم قد يتحول إلى خطأ استراتيجي فادح للولايات المتحدة.
وأكدت وكالة أسوشيتد برس هذه الحقيقة، وكتبت في تقريرها الصادر في 5 أغسطس/آب: "تأمل إيران في استنزاف الولايات المتحدة في حرب طويلة، لأنها في الوضع الراهن تعوّل على تقليص مخزون الذخيرة وتنامي السخط الشعبي في الولايات المتحدة".
وعلى الرغم من المعارضة الواسعة النطاق لاستمرار الحرب، يصر ترامب على مواصلة الضغط العسكري على إيران، وهو ما أثقل كاهل الحكومة الأمريكية بتكاليف مالية باهظة. في هذا السياق، طلب البنتاغون تمويلًا إضافيًا من الكونغرس بقيمة 60 مليار دولار لتغطية تكاليف العمليات العسكرية.
يأتي هذا في حين تُشير بعض التقارير الإعلامية إلى أن التكلفة الحقيقية للحرب أعلى بكثير من هذا الرقم، وتُقدّر بمئات المليارات من الدولارات. مع ذلك، أعلن وزير الحرب الأمريكي، بيت هيغسيت، في اجتماعٍ عُقد مؤخرًا للجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ، أن التكلفة المباشرة للحرب حتى الآن تُقدّر بنحو 37 مليار دولار.
بالتزامن مع نشر استطلاعات الرأي والتقارير الإعلامية حول التداعيات الاقتصادية للحرب، اشتدت أيضًا هجمات البيت الأبيض على وسائل الإعلام الناقدة. وقد وصف ترامب مؤخرًا التقارير التي تتحدث عن نقص الأسلحة ومشاكل الحرب بأنها "خيانة عظمى"، واتهم وسائل الإعلام بتقويض المصالح الأمريكية.
ذكرت صحيفة وول ستريت جورنال الأسبوع الماضي أن ترامب أمر بفتح تحقيق مع مُبلّغين عن المخالفات بعد نشر تقارير عن نقص الذخيرة والصواريخ الأمريكية. ويُظهر التقرير أن البيت الأبيض قلقٌ للغاية بشأن تغطية وسائل الإعلام لتآكل القوة العسكرية الأمريكية. قبل أيام، انتقد بيت هيغسيت تقرير شبكة CNN حول خفض مخزونات الصواريخ بنسبة 80%، قائلاً إن الإعلام يركز فقط على الجوانب السلبية للحرب ويتجاهل نجاحات الجيش الأمريكي.
بشكل عام، تُظهر التطورات في الأسابيع الأخيرة أن إدارة ترامب تواجه ضغوطًا داخلية متزايدة، بالإضافة إلى التحديات العسكرية في ساحة المعركة. تراجع التأييد الشعبي، ومخاوف الكونغرس بشأن تكلفة الحرب، ونضوب مخزونات الصواريخ، وتصاعد التوترات مع وسائل الإعلام، كلها مؤشرات يراها الأمريكيون دلالة على دخول واشنطن مرحلة مكلفة ومُنهكة، لن يكون من السهل على البيت الأبيض الخروج منها، خاصةً عشية الانتخابات الرئاسية الأمريكية القادمة.
