الوقت - إن استشهاد المرشد الإيراني السيد علي الخامنئي لم يترك الحزن مقتصراً على إيران الإسلامية فحسب، بل شعر به أيضاً حلفاء المقاومة في أنحاء المنطقة، وخاصةً الشعب الفلسطيني وقادته، الذين وجدوا في فقدان شخصية كانت طوال عقود دعامةً ثابتةً لقضية فلسطين، وملهماً للمقاومة، ومرتكزاً آمناً للمجاهدين في هذه الأرض.
تاريخ لقاءات القائد الشهيد مع قادة المقاومة الفلسطينية يدل على أن فلسطين لم تكن في منظومته الفكرية مجرد ملف سياسي أو جيوسياسي، بل كانت تحتل مكانةً عقائديةً واستراتيجيةً، وهو أمر يؤكده اليوم العديد من قادة المقاومة الفلسطينية في سردهم لعلاقاتهم مع الجمهورية الإسلامية والقائد الشهيد.
وفي هذا السياق، تحدث أسامة حمدان، عضو المكتب السياسي لحركة حماس، في مقابلة مع موقع «العهد»، على هامش مراسم تشييع جثمان القائد الشهيد، عن نقاط التحول في العلاقة بين حماس وإيران، وكشف جوانب من لقاءات قيادة الحركة مع الإمام الخامنئي الشهيد.
أسامة حمدان، عند وصفه لشخصية القائد الشهيد، يبرز أولاً النظرة الإيمانية التي كان يحملها تجاه فلسطين. يقول: «الإمام الشهيد كان يرى فلسطين كقضية إيمانية وصراع بين الحق والباطل، ولم يتعامل معها كقضية سياسية قابلة للمساومة أو الحسابات المصلحية». وفي تأكيد لما قاله عضو حماس، أكد الإمام الشهيد في لقاء مع المشاركين في المؤتمر الدولي السادس لدعم الانتفاضة الفلسطينية في فبراير 2017: «قضية فلسطين ليست مسألةً تكتيكيةً أو مؤقتةً لدى الجمهورية الإسلامية، بل هي مسألة مبدئية وعقائدية».
هذه النظرة تُبرز الفارق الجوهري في منهج المرشد الإيراني الشهيد مقارنةً بكثير من القادة السياسيين في العالم، إذ أن فلسطين في فكره لم تكن قضيةً تتغير بتغير الحكومات أو تحولات المنطقة أو الضغوط الدولية، بل كانت جزءاً من مسؤولية دينية وإنسانية.
فلسطين عامل الوحدة بين المسلمين
وفي استكمال حديثه، أشار حمدان إلى المكانة الخاصة لقضية فلسطين في فكر القائد الشهيد، قائلاً إنه كان يعتبر فلسطين ملكاً لكل الأمة الإسلامية، ويُعرفها كعامل وحدة للمسلمين في مواجهة المشاريع التي تهدف إلى تفريقهم. هذا الوصف يتوافق مع مواقف القائد المتكررة حول ضرورة تحويل قضية فلسطين إلى محور تجمّع وتلاحم العالم الإسلامي، وهو موقف تكرّر في السنوات الماضية في خطبه المتعلقة بيوم القدس العالمي، وكذلك في لقاءاته مع الوفود الفلسطينية.
وقد قال القائد الشهيد مراراً: «قضية فلسطين هي القضية الأولى في عالم الإسلام. لا ينبغي أبداً تجاهل أهمية الدعم السياسي للشعب الفلسطيني. يمكن للأمم الإسلامية بمختلف توجهاتها وأساليبها أن تتوحد حول محور فلسطين». وعلى هذا الأساس، كان الدفاع عن الشعب الفلسطيني في نظره ليس مرتبطاً بالظروف السياسية، بل ينبع من واجب دائم ومستمر.
وأشار حمدان في جانب آخر من حديثه إلى صفة هامة أخرى، اعتبرها كثير من قادة المقاومة سر استمرار دعم إيران لفلسطين، مؤكداً: «المواقف التي شهدها قادة حماس في كل لقاءاتهم مع الإمام الخامنئي الشهيد، تُظهر أن لديه التزاماً لا مثيل له تجاه فلسطين، وهذا الالتزام لم يقتصر على أشكال الدعم التقليدية فقط، بل كان دائماً يبحث عن سُبل جديدة لتعزيز صمود المقاومة والشعب الفلسطيني».
هذه الكلمات ترسم صورةً واضحةً عن أسلوب إدارة القائد الشهيد الخامنئي. فالدعم للمقاومة في عهد قيادته لم يقتصر على المواقف السياسية أو إظهار التضامن، بل تحوّل إلى عملية مستمرة لتعزيز قدرات المقاومة. وكان القائد الثوري يؤكد في لقاءاته المختلفة مع قادة فلسطين، أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية ستدعم كل فصيل فلسطيني يسير في طريق مقاومة الاحتلال، وأن هذا الدعم سيستمر، لأنه كان يرى في نصر فلسطين مصلحةً للجميع في الأمة الإسلامية.
القائد الشهيد في لقاءه مع رمضان عبد الله شلح، الأمين العام السابق للجهاد الإسلامي الفلسطيني، في أكتوبر 2014، أشار إلى أن «حركة المقاومة يجب أن تزيد من جاهزيتها يوماً بعد يوم وتعزّز مخزون قوتها في غزة. يجب أن نجعل الكيان الصهيوني يشعر بالقلق ذاته من الضفة الغربية كما يشعر من غزة». هذه التصريحات تؤكد ما ذكره أسامة حمدان من أن دعم إيران لم يقتصر على فصيل واحد، بل شمل جميع فصائل المقاومة الفلسطينية التي نالت دعم الجمهورية الإسلامية والقائد الشهيد شخصياً.
نتيجةً لهذا الفكر، كما يعترف القادة الفلسطينيون أنفسهم، كانت زيادةً ملحوظةً في قدرة المقاومة في ميادين مختلفة. مقاومة كانت في السابق تعتمد فقط على عمليات محدودة، أصبحت اليوم تصل إلى مستوى من الردع الذي يجبر الكيان الصهيوني على توظيف كامل قوته العسكرية والأمنية لمواجهتها. وقد أكد العديد من قادة المقاومة مراراً أن هذا التحول لم يكن ليتحقق لولا الدعم المستمر من إيران في عهد قيادة آية الله السيد الخامنئي.
ومن النقاط المهمة أيضاً في حديث أسامة حمدان، النظرة العابرة للحدود التي كان يحملها القائد الشهيد تجاه فلسطين. يقول: «الإمام الشهيد الخامنئي كان يعتبر فلسطين قضية أمة الإسلام بأسرها وليس فقط الفلسطينيين. ولذلك، كان يؤكد في لقاءاته المتعددة أن هذه القضية يجب أن تكون عاملاً موحّداً للمسلمين في مواجهة مشاريع الفرقة والتقسيم».
هذه النظرة تنبع من مواقف ثابتة للقائد الشهيد، الذي حذّر مراراً من أن أعداء العالم الإسلامي يسعون إلى إخراج قضية فلسطين من أولويات المسلمين، واستبدالها بالخلافات الطائفية والعرقية، في حين أن فلسطين يجب أن تبقى محور وحدة وتلاحم الأمة الإسلامية.
القائد الشهيد مؤسس العلاقات بين حماس والجمهورية الإسلامية
وأشار حمدان في جزء مهم من حديثه إلى بداية العلاقات الرسمية بين حركة حماس والجمهورية الإسلامية، وقال: «أولى الاتصالات الرسمية بين حركة حماس والجمهورية الإسلامية الإيرانية تمت بأمر مباشر من الإمام الشهيد الخامنئي». وأضاف أن القائد الشهيد هو من رسم إطار هذه العلاقات شخصياً، وهو إطار ظلّ ثابتاً لأكثر من ثلاثة عقود رغم كل التحولات التي شهدتها المنطقة.
هذه الرواية تكشف أهمية المكانة الاستراتيجية التي كانت لفلسطين في فكر الإمام الشهيد، حيث تأسست العلاقات بين إيران وحماس على استراتيجية طويلة الأمد. ولهذا السبب، حتى في فترات الأزمات المعقدة التي مرت بها المنطقة، لم يتغير مبدأ دعم المقاومة الفلسطينية.
القائد الشهيد أولی اهتماماً دقيقاً لأدقّ مشاكل المقاومة
يُعدّ أحد أبرز محاور حديث أسامة حمدان، الإشارة إلى متابعة القائد الشهيد المباشرة لمسائل المقاومة الدقيقة. فقد كشف أنه خلال زيارة عام 2018، عرض قادة المقاومة على آية الله الخامنئي مشكلةً فنيةً كانت تعيق بعض أنشطة المقاومة، فأصدر الإمام على الفور أمراً بحلها، وتمت معالجة الإشكالية بسرعة.
تُظهر هذه الرواية أن دعم القائد لم يكن يقتصر على المستوى الاستراتيجي والسياسي الكلي، بل كان يتابع أدقّ احتياجات المقاومة وتفاصيلها. ومن خلال هذه الإدارة الدقيقة، تم توفير العديد من القدرات الجديدة للمجموعات الفلسطينية، واستمرت عملية تعزيز قدرات المقاومة بوتيرة متسارعة.
إلى جانب هذا الدعم، كان من المبادئ الأساسية التي أكد عليها القائد الشهيد استقلالية القرار لدى الفصائل الفلسطينية. يوضح أسامة حمدان: «الإمام الشهيد الخامنئي كان يتعامل مع فصائل المقاومة كشركاء مستقلين وليس كأدوات تنفيذية. الجمهورية الإسلامية تقدّم الدعم والمشورة والمساعدة، ولكن القرارات السياسية والعسكرية تبقى بيد الفصائل نفسها».
تشكّل هذه التصريحات ردّاً واضحاً على ادعاءات المسؤولين الصهاينة المتكررة حول اعتماد المقاومة الفلسطينية الكلي على إيران. وكان القائد الشهيد يؤكد دوماً في لقاءاته مع قادة المقاومة على حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، مشدّداً على أن الجمهورية الإسلامية تدعم أي قرار يتخذه الفلسطينيون للدفاع عن حقوقهم. كما كان يقول: «نحن ندافع عن فلسطين لأن الدفاع عن شعب مظلوم واجب علينا»، وكان يكرر مراراً أن قرار وإرادة المقاومة بيد الفلسطينيين أنفسهم.
اهتمام القائد الشهيد بوحدة الجبهات
وفيما يتعلق بنظرة القائد الشهيد الخاصة للتعاون بين فصائل المقاومة في المنطقة، أكد أسامة حمدان أن آية الله خامنئي «لم يكن يفصل بين دعم حزب الله ودعم المقاومة الفلسطينية، بل كان يعتبرهما جبهتين في معركة واحدة». ومن هنا، فإن مشاركة حزب الله في دعم غزة تمثّل، من وجهة نظر قادة حماس، ثمرة سنوات من الفكر الاستراتيجي والجهود التي بذلها القائد الشهيد لتشكيل وحدة المقاومة ومنع عزلة أي من هذه الجبهات.
وقد كرّر القائد الشهيد تأكيده على وحدة جبهة المقاومة، وكان يرى أن أمن دول المنطقة مرتبط ببعضه البعض، وأن أي إضعاف لفلسطين يعني تهديداً لأمن جميع الدول الإسلامية. وقد مهّد هذا الفكر لتشكيل تعاون واسع بين فصائل المقاومة في السنوات الأخيرة.
دعم عملية «طوفان الأقصى»
أما فيما يخص الدعم الواسع الذي قدمته الجمهورية الإسلامية للمقاومة الفلسطينية في المعركة الأخيرة مع الكيان الصهيوني، فقد أوضح حمدان أن الإمام الشهيد الخامنئي أشاد منذ الأيام الأولى بعملية «طوفان الأقصى». وكان القائد الشهيد يثني دوماً على إنجازات المقاومة، معتبراً إياها نجاحات في كسر هيبة الجيش الصهيوني، ومؤكداً أن الإرادة والإيمان قادران على تغيير ميزان القوى.
وفي الذكرى السنوية لرحيل الإمام الخميني (ره) في 14 يونيو 2024، وصف آية الله الخامنئي عملية «طوفان الأقصى» بأنها نقطة تحول في تحولات المنطقة، وقال: «طوفان الأقصى أدخلت المنطقة في حركة جديدة، ونفذت في لحظة تاريخية حساسة، وأفشلت المخطط الأمريكي الهام للمنطقة وأوقفت مسار التطبيع مع الكيان الصهيوني. لقد تعرض الكيان الصهيوني في هذه العملية لهزيمة عسكرية واستخباراتية لا يمكن تعويضها».
ويمكن رؤية تأثير رؤية القائد الشهيد في دعم القضية والمقاومة الفلسطينية أيضاً من خلال تقييمات قادة فلسطينيين آخرين. فقد وصف حسين محمد قاسم، رئيس مجلس علماء فلسطين، الذي حضر مراسم تشييع القائد الشهيد في طهران، آية الله خامنئي بـ«أب المظلومين في العالم»، مؤكداً أنه ظلّ وفياً لقضية فلسطين والمقاومة حتى آخر لحظة في حياته، وقدّم تضحيات كبيرة لدعم حركات المقاومة.
تعكس هذه التصريحات من القادة الفلسطينيين أن القائد الشهيد لم يكن بالنسبة إليهم مجرد قائد لإيران، بل كان دعامةً استراتيجيةً وروحيةً للمقاومة. ومن وجهة نظرهم، فإن جزءاً كبيراً من تقدم المقاومة في المجالات العسكرية والسياسية والردعية، تحقق في ظل الدعم المستمر للجمهورية الإسلامية خلال فترة قيادته، وهو دعم مكّن المقاومة الفلسطينية من تجاوز مرحلة الدفاع المحدود لتصبح لاعباً مؤثراً في معادلات المنطقة.
وبالنظر إلى هذه الرؤية الحكيمة والبصيرة التي تميّز بها القائد الشهيد في دعم المقاومة، فإن قادة فلسطين لا يشعرون بالقلق من أن يؤثر غيابه على الدعم الممتد لعقود من الجمهورية الإسلامية للمقاومة. وهو ما أكده أيضاً أسامة حمدان، قائلاً إن كل التعاون والتنسيق مع الجمهورية الإسلامية بعد استشهاد الإمام الخامنئي بقي على حاله دون أي تراجع في مستوى الدعم أو الالتزام. وأضاف هذا القائد في حماس أن الجمهورية الإسلامية ستواصل هذا الطريق بقيادة جديدة، وأن محور المقاومة سيبقى موحداً ومتماسكاً.
