الوقت - منذ اندلاع حرب غزة في أكتوبر 2023، لم يقتصر الأمر على توسيع نطاق العمليات العسكرية الإسرائيلية ليشمل كامل المنطقة فحسب، بل شرع هذا الکيان في ترسيخ واقع جيوسياسي جديد على الحدود المشتركة مع الدول المجاورة؛ واقعٌ تسميه السلطات في تل أبيب بـ«أحزمة الأمان»، بينما يرى منتقدوها أنها مشروع لتغيير الحدود الرسمية وفرض نظام أمني جديد على الشرق الأوسط.
تحتل حكومة الاحتلال الصهيوني اليوم أكثر من 800 كيلومتر مربع من أراضي لبنان، وأكثر من 60% من غزة، وأجزاء واسعة من جنوب سوريا في مرتفعات الجولان المحتلة وصولاً إلى قمة جبل الشيخ، وتسعى إلى إخلاء سكان هذه المناطق تحت ذريعة إقامة مناطق عازلة، والاحتفاظ بها بشكل دائم تحت سيطرتها؛ وهو ما يعتبره كثير من المحللين مؤشراً على تحول هذا الکيان من استراتيجية الردع التقليدية إلى استراتيجية جديدة تقوم على السيطرة المباشرة على الجغرافيا وإقامة مناطق عازلة دائمة.
هذا التحوّل ليس مجرد خطوة عسكرية مؤقتة، بل قد يكون بداية مرحلةٍ جديدة من المنافسات الجيوسياسية وعدم الاستقرار المزمن في غرب آسيا.
العقيدة الأمنية الجديدة للکيان الصهيوني
يستند بنيامين نتنياهو وكبار القادة العسكريين في "إسرائيل" إلى أن هجوم حركة حماس في 7 أكتوبر 2023، بالإضافة إلى الهجمات الصاروخية والطائرات المسيرة التي شنّها حزب الله اللبناني، أثبتت أن الحدود الحالية غير قادرة على ضمان أمن "إسرائيل". ومن هذا المنطلق، يُعتبر إرساء «عمق استراتيجي» خارج الحدود الرسمية لـ "إسرائيل"، ضرورة حتمية لمنع تكرار مثل هذه الهجمات.
لكن حجة نتنياهو، التي استُخدمت ذريعةً لتوسيع العمليات العسكرية في دول الجوار، ليست جديدةً، فهي في جوهرها إعلان عن حق أساسي لـ "إسرائيل" في امتلاك حدود قابلة للدفاع، وهو حق ينبع من ظروف استراتيجية وقانونية تشكّلت مباشرةً بعد حرب الأيام الستة عام 1967، التي استولى فيها الجيش الصهيوني على الضفة الغربية لنهر الأردن، وصحراء سيناء المصرية، ومرتفعات الجولان السورية.
ومع ذلك، وبحسب التفسير الجديد الذي تبنته حكومة نتنياهو اليمينية، فإن ضمان الأمن الدائم للمستوطنات والمدن الإسرائيلية على طول قطاع غزة (وحتى حدود رفح مع مصر)، وجنوب لبنان وجنوب سوريا، يتطلب قطع الاتصال المباشر بين هذه المناطق من خلال إقامة مناطق عازلة تُسمى «أحزمة أمان» داخل حدود الأعداء. ويُجادل الصهاينة بأن التواجد العسكري المباشر في هذه المناطق، يعزّز من قدرة المراقبة على تحركات العدو والاستجابة السريعة، ويرفع تكلفة أي هجوم على "إسرائيل"، مما يُسهم في توفير ضمانات أمنية لليهود المقيمين في الكيبوتسات.
وقد امتدت إعادة تصميم الأمن الحدودي هذه، إلى نموذج السياسة الأمنية في العلاقات الخارجية للکيان. ففي حين كانت مبادرة السلام العربية التي أُقرت عام 2002 قائمةً على مبدأ «الأرض مقابل السلام»، أي انسحاب الاحتلال من الأراضي المحتلة في الضفة الغربية وغزة مقابل تطبيع العلاقات مع الدول العربية، فإن التوسع في الاحتلال في غزة ولبنان وسوريا، وحتى الأردن، يسير عملياً عكس هذا المنطق.
وبناءً عليه، يتبع هذا الکيان مشروع التطبيع ليس عبر تقديم الأرض، بل من خلال توسيع الهيمنة الإقليمية وخلق تهديد دائم للدول المعادية والجيران. ومن اللافت أن تعريف العدو لدى نخب الکيان لم يعد يقتصر على الدول المجاورة ذات النزاعات الإقليمية، بل يشمل أيضاً الدول التي ترفض تطبيع العلاقات.
والسؤال الآن: هل ثمة تصميم أكبر يكمن وراء قضية «حزام الأمان»؟ والأهمّ، هل سيؤدي احتلال المزيد من الأراضي إلى تحقيق أمن مستدام للکيان، أم أن هذه السياسة ستتحول إلى نقطة ضعف أمنية ذاتية؟ وللإجابة على هذه الأسئلة، ينبغي أولاً إلقاء نظرة على تصميم أربعة أحزمة أمان تمتد من سوريا إلى لبنان وغزة والأردن.
غزة؛ مختبر العقيدة الجديدة
كانت غزة، قبل أي مكان آخر، الميدان الذي اختبر فيه القادة الصهاينة الطبيعة الحقيقية لاستراتيجيتهم الجديدة في إقامة أحزمة الأمان.
بعد اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025، كشفت قوات الاحتلال عن خطة «الخط الأصفر» لتحديد المناطق التي تخضع لسيطرتها في غزة، والتي تبلغ مساحتها نحو 200 كيلومتر مربع. ومع ذلك، شهدت هذه المنطقة توسعاً مستمراً خلال هذه الفترة.
وقد أفادت صحيفة «هآرتس» مؤخراً بأن «بنيامين نتنياهو» رئيس وزراء الاحتلال أكّد رسمياً أن تل أبيب، بانتهاكها لاتفاق وقف إطلاق النار، وسّعت نطاق سيطرتها في قطاع غزة من 53% إلى 60%. وادعى نتنياهو في خطاب ألقاه خلال حفل في القدس المحتلة: «اليوم نتحكم في 60% من غزة».
وتُثبت البيانات التي نشرتها قناة الجزيرة هذا الأمر أيضاً، فمثلاً في شمال غزة، وسّعت القوات الصهيونية سيطرتها من 67.3 كيلومتر مربع إلى 73.9 كيلومتر مربع، ما يعني السيطرة على 54.7% من شمال القطاع. كما تؤكد الصور الفضائية وجود دمار واسع وغير معلن خارج المناطق العسكرية المعلنة، مثل حي الشجاعية.
لذا، فإن السيطرة على أكثر من 60% من هذا الشريط الضيق تحت غطاء جهود إقامة أحزمة أمان ومناطق عازلة، تدل على أن تل أبيب تعيد تعريف الجغرافيا السياسية لغزة. ويرى كثير من المحللين أن تل أبيب تسعى إلى خلق واقعٍ يجعل من المستحيل على غزة أن تعمل كوحدة سياسية وجغرافية متماسكة. وحتى بعض الشخصيات الصهيونية المتشددة، مثل بن غفير وزير الأمن الداخلي في الحكومة، اقترح بقاء "إسرائيل" في المناطق المسيطر عليها إلى الأبد وبدء مشاريع الاستيطان في هذه المنطقة.
سوريا؛ من أهمية الحدود إلى نهب الموارد المائية
ربما تكون أهمّ جزئية في الاستراتيجية الجديدة للکيان الصهيوني، هي توسيع حضورها في سوريا.
بعد سقوط حكومة بشار الأسد وظهور فراغ أمني في بعض مناطق سوريا، رأت "إسرائيل" فرصةً للتقدم في المناطق الحدودية المناسبة. تُعدّ السيطرة على جبل الشيخ (الحرمون) ذات أهمية عسكرية قصوى، إذ توفر هذه المرتفعات إشرافاً استخباراتياً وعملياتياً على مساحة واسعة من جنوب سوريا ولبنان وحتى شمال فلسطين المحتلة.
لكن لهذا التواجد تداعيات تتجاوز سوريا. فتركيا، التي تعتبر نفسها الفاعل الرئيسي في تطورات سوريا، من المحتمل أن تنظر إلى توسع نفوذ الاحتلال الصهيوني في جنوب سوريا كتهديد لمصالحها طويلة الأمد. فقد سعت أنقرة خلال السنوات الماضية إلى تثبيت نفوذها في شمال ووسط سوريا لمواجهة تهديدات الأكراد وتنظيم حزب العمال الكردستاني (ب ك ك) والفصائل السورية الموالية له، والآن قد تواجه قوةً جديدةً تفرض نفسها تدريجياً كقوة حاسمة في جنوب سوريا.
من ناحية أخرى، تهدف السيطرة على جنوب سوريا والحدود مع لبنان إلى الضغط على المقاومة اللبنانية، وهو ما يُعتبر تهديداً مباشراً للمصالح الاستراتيجية لمحور المقاومة. ولهذا قد يتحول جنوب سوريا إلى أحد المراكز الأساسية للصراع بين "إسرائيل" وتركيا.
ويمكن ملاحظة هذا الأمر في تصريحات وزير دفاع الاحتلال، يسرائيل كاتس، الذي أعلن بوضوح أن الکيان لا يهدف فقط إلى دفع مقاتلي حزب الله نحو شمال الليطاني، بل يسعى أيضاً إلى تدمير كامل لـ «البيئة الداعمة» على الشريط الحدودي. ووفقاً لتقارير الجيش الصهيوني، تشمل الخطة تدمير جميع القرى والمدن اللبنانية الواقعة على طول الخط الحدودي الأول وبعمق يتراوح بين 3 و8 كيلومترات. والهدف هو منع عودة السكان نهائياً، وتحويل المنطقة إلى أرض خالية من السكان والبنى التحتية.
لكن المسألة ليست أمنيةً فقط، بل تسمح المنطقة العازلة للصهاينة أيضاً بنهب المزيد من الموارد المائية من جنوب سوريا. ففي جنوب سوريا، توجد عدة مصادر وروافد مائية مهمة، تشكّل التوسعات الاستعمارية الصهيونية تهديداً مباشراً لها، سواء من ناحية السيطرة عليها أو التأثير على تدفق وجودة المياه. وأبرز هذه الموارد هي حوض نهر اليرموك، سد الوحدة، المنطرة، كودنة، غدير البستان، وسد الرقاد. ووفقاً لمصادر محلية، فإن جميع هذه السدود والمصادر المائية تقع ضمن مناطق تصل إليها دوريات الاحتلال الإسرائيلي، التي يمكنها في أي وقت منع وصول المياه إلى محافظات القنيطرة، درعا، والسويداء في جنوب سوريا.
وتترتب على هذه الإجراءات تبعات خطيرة تشمل جفاف الينابيع، انخفاض مخزون السدود، وتدمير شبكات المياه، مما يزيد من خطر انهيار الأمن الغذائي في تلك المناطق.
لبنان؛ على طول نهر الليطاني
امتدت استراتيجية إقامة أحزمة الأمان حول الحدود إلى لبنان أيضاً. فقد احتل الجيش الصهيوني نحو 600 إلى 800 كيلومتر مربع من أراضي جنوب لبنان، ويسعى لربط حزام أمني يمتد من الغرب إلى الشرق، وصولاً إلى الحدود السورية على طول نهر الليطاني.
على غرار النموذج في غزة، يتبع الجيش الصهيوني سياسةً توسعيةً لتعزيز نفوذه العسكري في الأراضي اللبنانية، حيث كانت تحذيرات الإخلاء في السابق تقتصر على القرى الحدودية وجنوب نهر الليطاني، لكنها في الأسابيع الأخيرة امتدت لتشمل القرى والمدن جنوب نهر الزهراني، بما فيها صيدا والنبطية.
وفي حين يبرّر الجيش الصهيوني تحركه شمال نهر الليطاني وإجبار السكان المحليين على إخلاء المناطق جنوب نهر الزهراني، بأنه خطوة لمواجهة عمليات حزب الله، فإن تهجير السكان وتدمير البنى التحتية الاقتصادية والزراعية بشكل منهجي، يشير إلى سيناريو أوسع من أجل احتلال طويل الأمد لهذه المناطق ومنع عودة اللاجئين، بما يتماشى مع استراتيجية أحزمة الأمان.
وادي الأردن؛ الحزام الأمني الشرقي
بينما ركّز الرأي العام الإقليمي خلال العامين الماضيين على أحزمة الأمان التي أُنشئت في غزة وجنوب لبنان وجنوب سوريا، يرى العديد من الدوائر الاستراتيجية في "إسرائيل" أن الحلقة الأهمّ في هذه العقيدة الأمنية، تكمن في الجبهة الشرقية ووادي الأردن. فعلى عكس المناطق الشمالية والجنوبية التي حظيت بالاهتمام بعد حرب غزة، فإن وادي الأردن يُعتبر منذ عقود في الفكر الأمني الإسرائيلي «الحدود الدفاعية النهائية»؛ منطقة يعتبرها القادة العسكريون والسياسيون في "إسرائيل" جزءاً لا يتجزأ من البنية الأمنية طويلة الأمد للکيان، وليس مجرد منطقة عازلة مؤقتة.
في مقال له بعنوان «حدود قابلة للدفاع لضمان مستقبل إسرائيل»، يؤكد اللواء المتقاعد أوزي دايان أن وادي الأردن لا بديل له على الجبهة الشرقية. ويشير إلى أن الخصائص الجغرافية والتضاريس الفريدة للمنطقة، تجعلها الحدود الطبيعية الوحيدة القابلة للدفاع في الشرق. فعرض الأراضي المحتلة من البحر المتوسط إلى نهر الأردن، الذي يبلغ متوسطه حوالي 64 كيلومتراً فقط، يجعل من مسألة «العمق الاستراتيجي» هاجساً أساسياً في الأوساط العسكرية الصهيونية. ولهذا السبب، يُنظر إلى وادي الأردن في الفكر الأمني لتل أبيب ليس كمسألة سياسية، بل كضرورة حيوية للبقاء.
وتزداد أهمية هذه المنطقة عندما نُمعن النظر في تركيبها الطبيعي، حيث يبلغ عرض وادي الأردن في بعض النقاط بين 7 إلى 14 كيلومتراً فقط، بينما يصل الفرق في الارتفاع بين نهر الأردن ومرتفعات الضفة الغربية إلى أكثر من ألف متر. هذه الخصائص تجعل من وادي الأردن عقبةً طبيعيةً متميزةً من الناحية العسكرية، تتيح السيطرة عليه مراقبةً فعالةً والدفاع ضد أي تحركات عسكرية من الشرق. ولذلك، حافظ الجيش الصهيوني على تواجده العسكري المكثّف في هذه المنطقة حتى بعد توقيع معاهدة السلام مع الأردن، واعتبر دائماً نشر القوات القتالية وأنظمة المراقبة هناك من متطلبات الأمن القومي.
لكن أهمية وادي الأردن لا تقتصر على الاعتبارات العسكرية فقط. ففي السنوات الأخيرة، وخصوصاً بعد صعود الحكومات اليمينية المتطرفة، أصبح هذا الوادي ركيزةً أساسيةً في مشروع الضمّ التدريجي للضفة الغربية. إذ يرى العديد من التيارات الحاكمة في الکيان أن إقامة دولة فلسطينية مستقلة دون سيطرة إسرائيلية على وادي الأردن، ستكون تهديداً مباشراً لأمن الکيان. ومن هنا، أصبحت العقيدة الجديدة لأحزمة الأمان، أداةً لمنع تحقيق السيادة الفلسطينية الكاملة على الحدود الشرقية للضفة الغربية.
في هذا السياق، يقارن المسؤولون الصهاينة وادي الأردن بـ«ممر فيلادلفيا» على حدود غزة ومصر. فمن وجهة نظرهم، كما أن ضعف السيطرة على حدود غزة في السابق أتاح تهريب الأسلحة والمعدات إلى الفصائل الفلسطينية، فإن تقليص الوجود الإسرائيلي في وادي الأردن، قد يحوّل الضفة الغربية إلى ممر لتهريب الأسلحة وتوسيع نفوذ الفاعلين الإقليميين. ولهذا، تصر دوائر الأمن الإسرائيلية على بقاء السيطرة الكاملة على الحدود الشرقية في يد تل أبيب، حتى في حال التوصل لأي اتفاق سياسي مع الفلسطينيين.
مع ذلك، يعتقد كثير من المحللين أن ما يُطرح اليوم تحت عنوان «الضرورات الأمنية» في وادي الأردن، يتجاوز في الواقع استراتيجيةً دفاعيةً بحتةً. فالسيطرة الدائمة على هذه المنطقة تفصل الضفة الغربية عن العالم العربي، وتقضي على إمكانية قيام دولة فلسطينية ذات حدود مستقلة، وتمهّد الطريق للضمّ التدريجي لأراضٍ فلسطينية إضافية. ولهذا، يعتبر الفلسطينيون والعديد من الدول العربية سياسة "إسرائيل" في وادي الأردن، جزءاً من مشروع أوسع لتثبيت الاحتلال وتغيير الواقع الجيوسياسي للمنطقة.
من جهة أخرى، قد يكون لتوسع النظرة الأمنية الإسرائيلية نحو الحدود الأردنية، تداعيات هامة على العلاقات بين تل أبيب وعمان. فبينما الأردن من الدول العربية القليلة التي تربطها معاهدة سلام مع "إسرائيل"، فإن أي محاولة لتثبيت السيطرة الدائمة على وادي الأردن، قد تثير حساسيات سياسية وأمنية جديدة في المملكة. خاصةً وأن جزءاً كبيراً من سكان الأردن من أصول فلسطينية، وأي تغيير في وضع الضفة الغربية يؤثر مباشرةً على التوازنات الداخلية في هذا البلد.
بالمحصلة، يجب اعتبار وادي الأردن الحلقة الشرقية من عقيدة أحزمة الأمان الجديدة للکيان الصهيوني؛ حلقة، رغم عدم انخراطها في حرب مفتوحة حتى الآن، إلا أنها ربما تمثّل الأهمّ استراتيجياً في هذا المشروع. فإذا كانت أحزمة الأمان الشمالية والجنوبية تهدف إلى خلق عمق دفاعي لمواجهة التهديدات العسكرية، فإن الحزام الشرقي، بالإضافة إلى وظيفته الأمنية، يلعب دوراً حاسماً في مستقبل القضية الفلسطينية، ومصير الضفة الغربية، وحتى الحدود النهائية للأراضي المحتلة؛ ما يدل على أن استراتيجية أحزمة الأمان ليست مجرد خطة عسكرية، بل جزء من مشروع إعادة تصميم جيوسياسية أوسع لصالح کيان الاحتلال.
ضرورة أمنية أم «إسرائيل الكبرى»؟
يُعدّ أحد أبرز النقاشات حول السياسة الجديدة للکيان الصهيوني في إقامة المناطق العازلة، هو الدوافع الحقيقية الكامنة وراءها.
فبين صفوف النخب الصهيونية، وخاصةً التيارات اليمينية المتطرفة في حكومة نتنياهو، لا يقتصر الإيمان على فكرة «إسرائيل الكبرى» الممتدة من النيل إلى الفرات فحسب، بل يُلحّون على أهمية انتهاز الفرصة التاريخية الراهنة، خاصةً مع وجود إدارة دونالد ترامب في السلطة والفراغ الأمني وعدم الاستقرار الذي أحدثته العمليات العسكرية للکيان خلال السنوات الثلاث الماضية في مختلف أنحاء المنطقة.
في هذا السياق، لا تُعدّ عمليات الاستيلاء الجديدة مجرد رد فعل على تهديدات أمنية، بل هي جزء من مشروع أيديولوجي يسعى إلى تغيير الخريطة السياسية للمنطقة.
ويرى بعض المحللين أن لنتنياهو دوافع داخلية أيضاً، إذ يواجه أزمات سياسية متعددة، وملفات قضائية، وانقسامات اجتماعية عميقة داخل "إسرائيل". في هذا الإطار، يمكن أن يسهم استمرار الأجواء الحربية والأمنية في حشد الرأي العام حول التهديدات الخارجية، مما يُخفّف الضغوط على الحكومة.
ولهذا السبب، يعتقد كثير من المراقبين أن استمرار التوتر في غزة ولبنان وسوريا ليس نتيجةً غير مقصودة، بل جزء من الحسابات السياسية للحكومة الحالية.
قبل عام 1967، كان «الحزام الضيق» لـ "إسرائيل" - أي المسافة بين المدن الساحلية في المنطقة المركزية والضفة الغربية المحتلة - لا تتجاوز حوالي 12 كيلومتراً، وهو ضعف كبير من حيث العمق الاستراتيجي.
وفي الواقع، كانت هشاشة الکيان واضحةً جداً بسبب تركيز 70% من سكان البلاد، و80% من قدراتها الصناعية، والأهداف الحيوية للبنية التحتية (مثل مطار بن غوريون، وطريق ترانس "إسرائيل" السريع، والشركة الوطنية للمياه، وخطوط الكهرباء ذات الفولتية العالية) في هذا الشريط الساحلي الضيق.
ومن هنا، كان معمارو عقيدة الأمن الوطني في هذا الکيان، من ييجال ألون إلى موشيه دايان وإسحاق رابين، يعارضون دائماً وبحزم العودة إلى حدود عام 1967. فقد كان الاستراتيجيون والقادة الصهاينة يبحثون دوماً عن حدود جديدة تمكّن "إسرائيل" من الدفاع عن نفسها، وهو هدف تجلّى في مفهوم «الحدود القابلة للدفاع» وأصبح جزءاً لا يتجزأ من الاستراتيجية الدفاعية-الأمنية لكل حكومات هذا الکيان.
تجربة تاريخية: لماذا تفشل أحزمة الأمان الإسرائيلية؟
يُطرح أحد أهمّ الأسئلة حول الاستراتيجية الجديدة للکيان الصهيوني في إقامة أحزمة أمان في غزة ولبنان وسوريا ووادي الأردن، وهو ما إذا كانت هذه السياسة قد حققت نجاحاً في تاريخ هذا الکيان أم لا. وتشير مراجعة التجارب السابقة إلى أن تل أبيب حاولت مراراً فرض السيطرة الأمنية عبر احتلال المناطق الحدودية، إنشاء أشرطة عازلة، والاعتماد على قوات محلية تابعة لها، لكنها في معظم الحالات واجهت نتائج عكسية وتهديدات أمنية أكبر.
أبرز مثال على ذلك يقع في جنوب لبنان، حيث أنشأت "إسرائيل" بعد غزوها عام 1982 منطقة «الحزام الأمني» على طول حدودها الشمالية بهدف القضاء على منظمة التحرير الفلسطينية ووقف الهجمات الحدودية. وقد استمر الاحتلال العسكري لهذه المنطقة وحلفائها لما يقرب من عقدين، وكان الهدف منها خلق حاجز دائم بين الأراضي المحتلة ومجموعات المقاومة. لكن الواقع كان مختلفاً تماماً، إذ أدى هذا الاحتلال إلى بروز حزب الله كأحد أقوى الفاعلين المناهضين لـ "إسرائيل" في المنطقة.
لفهم أسباب هذا الفشل، يجب النظر إلى تطورات جنوب لبنان بعمق. فبعد تأسيس "إسرائيل" عام 1948 وتهجير الفلسطينيين، لجأ آلاف من سكان شمال فلسطين إلى جنوب لبنان، الذي كان مرتبطاً تاريخياً بعلاقات اقتصادية واجتماعية مع مناطق الجليل الفلسطينية، وتحوّل تدريجياً إلى جبهة الصراع العربي الإسرائيلي. ومنذ خمسينيات القرن الماضي، بدأت "إسرائيل" سياسة النفوذ التدريجي في الشريط الحدودي، شملت التلاعب بالحدود، ومصادرة الأراضي الزراعية، وزيادة الضغط على المجتمعات المحلية.
وفي سبعينيات القرن الماضي، ومع تصاعد نشاط الجماعات الفلسطينية في جنوب لبنان، أصبح هذا الشريط مسرحاً للصراع بشكل أكبر. استغلت "إسرائيل" الانقسامات اللبنانية والحرب الأهلية لتشكيل قوة محلية تابعة لها، وهي «جيش جنوب لبنان» بقيادة سعد حداد، مدعوم بالكامل مالياً وعسكرياً ومعلوماتياً، ليكون درعاً أمنياً لتل أبيب على الحدود الشمالية.
كانت "إسرائيل" تحاول تطبيق نموذج مشابه لما تسعى إليه اليوم، وهو إقامة منطقة عازلة تعتمد على قوات محلية لتقليل تكاليف الاحتلال المباشر. وإلى جانب الدعم العسكري، أُطلقت مشاريع مثل «الحصار الجيد» لجذب السكان المحليين وربط اقتصاد المناطق الحدودية بالأراضي المحتلة، لكن هذه السياسات فشلت في كسب شرعية اجتماعية.
عكس ذلك، أدت سياسات جيش جنوب لبنان وسياسات التمييز الإسرائيلية إلى تعميق الانقسامات الاجتماعية والطائفية. وعمليات الهدم والتهجير القسري ومحاولات التغيير الديموغرافي، قد زادت من مشاعر المقاومة ضد الاحتلال. وفي هذا المناخ، برز حزب الله كقوة مقاومة ناجحة، وتمكّن من ترسيخ مكانته بين السكان المحليين.
النتيجة كانت بعكس ما توقعته "إسرائيل": ففي عام 2000، اضطر الجيش الإسرائيلي للانسحاب الكامل من جنوب لبنان تحت ضغط عمليات المقاومة، وتفكك جيش جنوب لبنان خلال أيام، وهرب العديد من أعضائه إلى الأراضي المحتلة، وانتهى المشروع الذي استمر لعقود بلا تحقيق أهداف استراتيجية. بل إن خروج "إسرائيل" قوّى حزب الله، الذي تحوّل إلى رمز لانتصار المقاومة على «الجيش الذي لا يُقهر»، مما زاد من شرعيته السياسية والاجتماعية بشكل غير مسبوق.
إن تجربة غزة تعيد تكرار نفس النمط إلى حد كبير. فبعد عقود من الاحتلال المباشر، انسحبت "إسرائيل" أحادياً عام 2005، لكن غياب الحل السياسي واستمرار الحصار والصراع جعل المقاومة الفلسطينية تتعزز بدلاً من الانهيار. والآن، رغم احتلال أكثر من 60% من غزة ومحاولات إقامة أحزمة أمان جديدة، لا توجد ضمانات لتحقيق أهداف الاحتلال.
كما هو الحال في لبنان، فإن التدمير الواسع للبنية التحتية والتهجير الجماعي قد يهيئ أرضيةً لتكوين أجيال جديدة من المقاومة. والتاريخ يبيّن أن الاحتلال وإنشاء مناطق حائل قد يمنح تفوقاً عسكرياً مؤقتاً، لكنه غالباً ما يؤدي على المدى الطويل إلى ظهور مقاومة جديدة، وتعميق الكراهية، وارتفاع كلفة الأمن.
من هذا المنطلق، فإن استراتيجية الاحتلال الحالية لإنشاء أحزمة أمان ليست ابتكاراً جديداً، بل عودة إلى نماذج سبق اختبارها وأثبتت فشلها. ولهذا، يعتقد كثير من المحللين أن الأحزمة الأمنية الجديدة قد تواجه مصيراً مشابهاً لحزام جنوب لبنان، أي التحول من أداة أمنية إلى عاملٍ يساهم في إعادة إنتاج عدم الأمن، وتشكيل تهديدات جديدة على "إسرائيل" نفسها.
