الوقت - على عكس التوقعات السائدة خلال الأشهر الماضية التي اعتبرت أن الحرب بين روسيا وأوكرانيا ستنتهي قريباً بعد أربع سنوات من التآكل العسكري والاقتصادي، فإن التطورات الميدانية في الأسابيع الأخيرة أظهرت أن السلام ليس في الأفق فحسب، بل إن الطرفين، بدخولهم مرحلةً جديدةً من المواجهة، رفعوا مستوى الصراع إلى أعلى درجاته.
وكانت نقطة التحول في هذا التصعيد هي الهجمات الأوكرانية على البنى التحتية الحيوية في عمق الأراضي الروسية، والتي بدورها حددت خطوطاً حمراء جديدة في الكرملين.
وفي المقابل، لم تعد موسكو تملك ما يمنعها من استخدام أسلحة متقدمة، ففي العملية الواسعة التي شملت ضربات صاروخية وطائرات مسيرة نفذت فجر الأحد، استخدمت للمرة الأولى الصاروخ الباليستي الأسرع من الصوت "أورشنيك".
لا يمكن النظر إلى هذا الحدث على أنه مجرد عملية عسكرية أخرى، بل هو بيان جيوسياسي يحمل في طياته تحذيراً واضحاً، مفاده أنه ليس فقط كييف، بل العواصم الأوروبية وحتى واشنطن أصبحت في مرمى نيران سلاحٍ لا يمكن إيقافه.
خصائص صاروخ "أورشنيك"
لقد حطّم صاروخ "أورشنيك" من الناحية التقنية كل حدود الدفاع التقليدي. إذ يسير هذا الصاروخ بسرعة تبلغ 10 ماخ (أكثر من 12 ألف كيلومتر في الساعة)، ما يعني أنه يقطع مسافة ثلاثة كيلومترات في كل ثانية. وهذه السرعة الهائلة تجعل أكثر أنظمة الدفاع الصاروخي الغربية تطوراً، من "باتريوت" الأمريكية إلى "IRIS-T" الأوروبية، تفقد عملياً القدرة على اعتراضه.
والأمر الأكثر رعباً في هذا السلاح هو نظام الرؤوس الحربية المتعددة والمستقلة الذي يمتلكه، حيث يمكنه حمل ما بين 10 إلى 11 رأساً حربياً منفصلاً، توجه كل منها إلى هدف مختلف، مما يرفع من تعقيد مهمة الاعتراض إلى مستوى يكاد يكون مستحيلاً.
أما المدى المعلن للصاروخ، الذي يتراوح بين 3000 إلى 5500 كيلومتر، فيصنفه ضمن صواريخ العبور القارية. وقد حذّر "باول بودفيغ"، الباحث الرئيسي في معهد نزع السلاح التابع للأمم المتحدة في جنيف، من أن "أورشنيك" قادر على تهديد السواحل الغربية للولايات المتحدة من أقصى الشرق الروسي، ولا شك أن كامل القارة الأوروبية تقع ضمن نطاقه.
ولهذا السبب، أحدث استخدام هذا الصاروخ المخيف حالةً من الذعر في أوساط الأوروبيين. فقد وصفت "كايا كالاس"، المسؤولة عن السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، استخدام روسيا لصاروخ "أورشنيك" في الحرب ضد أوكرانيا بأنه "تكتيك ترهيب سياسي" و"مقامرة نووية". كما وصفته فرنسا ودول أوروبية أخرى بأنه تصعيد متوتر للأوضاع.
نهاية احتكار التكنولوجيا في الغرب
مع الأخذ في الاعتبار هذه القدرات الفريدة، لا يمكن اعتبار إطلاق صاروخ "أورشنيك" على البنى التحتية العسكرية والطاقة في أوكرانيا مجرد عملية تكتيكية عابرة. فهذه الخطوة تمثل تحذيراً جيوسياسياً مباشراً لحلف الناتو والولايات المتحدة الأمريكية. إذ أعلن الكرملين من خلال هذا الهجوم عملياً أن الغرب لم يعد يحتكر التفوق في التقنيات الهجومية والدفاعية.
وفي هذا السياق، حذّر سيرغي كاراكاييف، قائد القوات الصاروخية الاستراتيجية الروسية، بصراحة قائلاً: "الاستخدام الواسع لصاروخ أورشنيك سيكون بمثابة استخدام للسلاح النووي". ويجب قراءة هذا التصريح في ضوء التهديد الأخير من موسكو باستخدام الأسلحة الاستراتيجية في حال "تهديد سلامة الأراضي".
بإظهار هذا السلاح، رسمت روسيا خطاً أحمر جديداً، مفاده أن أي تدخل مباشر أو دعم تسليحي يستهدف البنى التحتية الحيوية الروسية قد يواجه برد كارثي يتجاوز إطار الرد المناسب. وقد تم استخدام هذا الصاروخ أيضاً في المناورة النووية التي جرت الأسبوع الماضي في روسيا، ليثبت استعداد موسكو الكامل لمواجهة أي سيناريو من الغرب.
لفهم الأبعاد العميقة وراء استخدام صاروخ "أورشنيك" لا بد من العودة إلى الوراء. حتى عام 2019، كانت معاهدة "INF" (حظر الصواريخ البرية ذات المدى من 500 إلى 5500 كيلومتر) التي وُقعت في فترة الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، تحظر نشر مثل هذه الأسلحة، إلا أن دونالد ترامب، رئيس الولايات المتحدة، اتهم روسيا بانتهاك هذه المعاهدة، وانسحب من الاتفاقية بشكل أحادي الجانب.
وقد حذرت أوروبا والعديد من المحللين من أن هذا القرار سيطلق العنان لسباق تسلح جديد، وصار "أورشنيك" الآن ثمرةً مباشرةً لانهيار تلك الاتفاقات. لذلك، لم تكتفِ روسيا بتصميم هذا الصاروخ بعد خروجها من قيود معاهدة INF، بل اختبرته أيضاً في ظروف حرب حقيقية.
وفي تصريحات حديثة، قال فلاديمير بوتين، رئيس روسيا، حول توجه البلاد لتطوير مثل هذه الأسلحة: "اضطرت روسيا، بعد انسحاب الولايات المتحدة من معاهدة الصواريخ المضادة للصواريخ الباليستية، إلى ضمان أمنها الاستراتيجي بنفسها".
وبالتالي، أصبح "أورشنيك" كابوساً لأقطاب واشنطن، إذ من جهة، أنظمة الدفاع الغربية الحالية عاجزة عن التصدي له، ومن جهة أخرى، أتاح انسحاب ترامب من المعاهدة لموسكو فرصة نشر هذا السلاح على نطاق واسع قرب حدود أوروبا، وبالأخص داخل الأراضي البيلاروسية.
تحدي مشاريع ترامب
إن دخول صاروخ "أورشنيك" ساحة المعركة يشكّل تحدياً خطيراً للمشاريع الاستراتيجية الأمريكية، ومنها محاولات السيطرة على جزيرة غرينلاند بغرض مراقبة التحركات العسكرية الروسية، وكذلك مشروع "القبة الذهبية" وأوامر إجراء اختبارات الأسلحة النووية.
وبالنظر إلى قدرة "أورشنيك" على الضربة الفورية، فإن سباق التسلح في غرينلاند يعني أن قواعد الولايات المتحدة في القطب الشمالي وأوروبا وحتى داخل الأراضي الأمريكية نفسها، معرضة لتهديد يحرم البنتاغون من فرصة الرد، ويرسل رسالةً واضحةً إلى واشنطن بضرورة التوقف عن المغامرات في غرينلاند وغيرها من المناطق المهددة بالأزمة، لأن موسكو تمتلك الأدوات الكفيلة لمواجهة هذه التحركات التصعيدية.
أما مشروع "القبة الذهبية" الذي كان ترامب قد أطلقه وما يزال في مراحله الأولى، فهو مصمم لمواجهة الصواريخ الباليستية القديمة ذات المسار الثابت، وبالتالي فإن تنفيذه، حتى لو تم، سيكون غير فعال عملياً أمام سرعة "أورشنيك" الفائقة وقدرته العالية على المناورة.
من جهة أخرى، فإن اختبار الأسلحة النووية الذي ركّز عليه ترامب لتعزيز الردع الأمريكي تجاه الصين وروسيا، لن يفيد واشنطن كثيراً في ظل وجود صواريخ مثل "أورشنيك"، لأن الروس سيردون على أي تحرك من حلف الناتو برد فعل مناسب. ولهذا السبب، يولي بوتين اهتماماً خاصاً بهذا السلاح الجديد، مشيراً إلى القدرات العسكرية لبلاده بقوله:"يمكن تجهيز صواريخ أورشنيك برؤوس نووية، وروسيا تعمل تدريجياً على تطوير قدراتها النووية".
ومن الجدير بالذكر أنه بالتزامن مع دخول "أورشنيك" حيز التشغيل، كشفت روسيا مؤخراً عن منظومة صاروخية جديدة تحمل اسم "سارمات"، يُقال إن مدى إطلاقها قد يتجاوز 35 ألف كيلومتر. ولذلك وصف بوتين "سارمات" بأنها أقوى منظومة صاروخية في العالم، وتفوق طاقتها الإجمالية أربعة أضعاف أي نظير غربي.
وبناءً على ذلك، يرى المحللون أن "أورشنيك" أعاد توازن القوى بحيث إذا ما تخطت واشنطن الاتفاقات النووية أو القيود العسكرية، فإن موسكو تدخل اللعبة بقفزة نوعية في التكنولوجيا. وهذا ما يسميه الخبراء "تصعيد المنافسة لخفض العتبة النووية".
والنتيجة التحليلية لهذه التطورات هي ابتعاد السلام أكثر فأكثر عن أوروبا. فقد أثبتت أوكرانيا قدرتها على ضرب عمق الأراضي الروسية، وردّت روسيا بردود تفوق التصورات التقليدية. وفي هذه الظروف، لم يعد وقف إطلاق النار احتمالاً وارداً فحسب، بل أصبح خطر امتداد الحرب إلى مواجهة مباشرة بين الناتو وروسيا أكثر واقعيةً من أي وقت مضى. لذا، يقبع الغرب في مأزق؛ فاستمرار دعمه لأوكرانيا يعني قبول خطر الانتقام بأسلحة لا يمكن اعتراضها، والتوقف عن الدعم يعني انتصاراً استراتيجياً للكرملين.
في الختام، لا يُعتبر صاروخ "أورشنيك" مجرد سلاح جديد، بل هو رمز لقفزة نوعية في منطق الردع، حيث حلّ عصر "الرد الصادم وغير القابل للسيطرة" محل "الرد المناسب". لذلك، لم يقترب الناتو ولا موسكو من السلام، بل دخلا مرحلةً قد تؤدي فيها حسابات خاطئة بسيطة من أي طرف إلى عواقب أكثر رعباً من السنوات الخمس الماضية. إن تصعيد الصراع واستخدام الأسلحة الاستراتيجية يعكسان حقيقةً مفادها أن البشرية، على الرغم من كل التجارب المريرة في التاريخ، فضّلت مرةً أخرى سباق التسلح على منطق الدبلوماسية.
