الوقت- تصاعدت التوترات بين أفغانستان وباكستان مجدداً، وللمرة الثانية في أقل من عام، وصلت العلاقات بين البلدين إلى مرحلة حرجة، حيث اصطف الجاران في مواجهة بعضهما البعض.
بدأت جولة جديدة من المواجهة مع الغارات الجوية للجيش الباكستاني، حيث استهدفت طائرات مقاتلة باكستانية منطقة "برمال" في ولاية بكتيكا شرقي أفغانستان صباح السبت، وأكد وزير الإعلام الباكستاني رسمياً هذه العملية في بيان.
صرح مسؤول باكستاني بأن العمليات الجوية استهدفت سبع قواعد تابعة لحركة طالبان باكستان وتنظيم "داعش" في خراسان الإرهابيين في بعض المناطق الحدودية لأفغانستان، ووفقًا لمصادر أمنية باكستانية، قُتل ما لا يقل عن عشرة عناصر إرهابية، بينهم "أختر محمد"، في ولاية بكتيكا.
ويُقال إن مدرسة دينية استُهدفت في هجوم شنته طائرات حربية باكستانية في ولاية بكتيكا، وأعلن مسؤول حكومي أفغاني عن مقتل 17 مدنيًا في هجوم باكستاني آخر على ولاية ننكرهار، وهددت حركة طالبان قائلةً: "تعتبر وزارة الدفاع الوطني الأفغانية حماية أراضي البلاد وضمان أمن الشعب مسؤولية دينية ووطنية، وتحذر من أنه سيتم الرد على هذا العمل في الوقت المناسب وبشكل مدروس، لأن الهجمات على أهداف مدنية ومراكز دينية تُشير إلى قصور في أجهزة الاستخبارات والأمن الباكستانية".
وكانت الحكومة الباكستانية قد أعلنت سابقًا عن تخطيط ثلاث هجمات انتحارية على قوات الأمن الأفغانية داخل أفغانستان خلال الأيام الماضية، وأن مواطنين أفغان شاركوا في هذه الأعمال الإرهابية، أكدت باكستان على تقاعس حركة طالبان الأفغانية عن السيطرة على أراضي البلاد ومنع استخدامها من قبل الإرهابيين، وهددت في الوقت نفسه بأن الإرهابيين، أينما كانوا وبغض النظر عن مواقعهم، سيظلون هدفًا مشروعًا لباكستان.
تجدر الإشارة إلى أن هجمات الجماعات الإرهابية، بما فيها حركة طالبان باكستان وتنظيم "داعش"، ضد الجنود والمدنيين الباكستانيين قد تصاعدت بشكل ملحوظ في الأشهر الأخيرة، وقد شن الجيش الباكستاني هجمات متكررة على مقرات هذه الجماعات، ما أسفر عن مقتل عدد من عناصرها، إلا أن هذه الجماعات الإرهابية، رغم هذه الضربات، لا تزال تنشط في مناطق متفرقة، ما يعيق إرساء الاستقرار والأمن في البلاد.
وتأتي هذه الجولة الجديدة من التوترات في وقت كانت فيه باكستان وأفغانستان على خلاف لعدة أيام في أكتوبر الماضي، وعقب ذلك، عُقدت جولات عديدة من محادثات السلام ووقف إطلاق النار بين الجانبين بوساطة قطر وتركيا والسعودية، إلا أنها لم تُفضِ إلى نتيجة دائمة.
قصة التعاون بين كابول وطالبان
لفهم أسباب استمرار هذا الصدام، لا بد من النظر إلى الجوانب الأعمق والأكثر توتراً في العلاقات بين كابول وإسلام آباد، وهي علاقات تذبذبت لسنوات بين تعاون متقطع وانعدام ثقة بنيوي، وأي تطور أمني قد يدفعها سريعاً إلى حافة الانفجار.
في هذا السياق، قال إسماعيل باقري، الخبير في الشؤون الأفغانية، في مقابلة مع مراسل صحيفة الوقف: "لطالما كان هناك خلاف بين أفغانستان وباكستان حول خط ديوراند، وحركة طالبان لا تعترف بهذا الخط، ومع عودة طالبان إلى السلطة في كابول، اعتقد المسؤولون في إسلام آباد أن الخلافات حول هذه القضية ستنتهي بتشكيل حكومة عميلة في كابول، لكن هذا التفاؤل سرعان ما تحول إلى قلق، بالتزامن مع تشكيل الحكومة الجديدة في كابول في أغسطس/آب 2021، اتسع نطاق الهجمات المنسوبة إلى طالبان في المناطق القبلية وإقليم خيبر بختونخوا".
أكد باقري أن "إسلام آباد صرّحت مرارًا وتكرارًا بأن عناصر من حركة طالبان تتخذ من الأراضي الأفغانية ملاذًا آمنًا ومنصة لتنظيم عملياتها، وهو ادعاء نفته كابول"، وأضاف: "كانت إسلام آباد تتوقع من حكومة طالبان اعتقال قادة الحركة وتسليمهم، لكن كابول لم تُعر هذا الأمر أي اهتمام".
في الوقت نفسه، تعتقد إسلام آباد أن كابول تفتقر إلى القدرة والإرادة اللازمتين لاحتواء الحركة، وقد أصبحت هذه القضية أحد أبرز مصادر الخلاف وعاملًا في تصعيد التوترات الأخيرة بين البلدين، من وجهة نظر حكومة طالبان المؤقتة، تُعدّ الهجمات الباكستانية محاولةً لنقل الضغط الداخلي إلى الساحة الخارجية أكثر منها إجراءً دفاعيًا.
ويعتقد مسؤولون في كابول أن إسلام آباد تحاول تحميل أفغانستان مسؤولية إخفاقاتها في احتواء الموجة الجديدة من الإرهاب، وذلك بتكثيف العمليات العسكرية على طول الحدود، ويرون أن هذا النهج، بدلًا من حل الأزمة الأمنية في باكستان، قد يزيد من حدة التوترات الثنائية ويعمّق حالة انعدام الثقة.
أشار باقري أيضًا إلى تعاون حركة طالبان مع قادة كابول، قائلاً: "على الرغم من استقلال حركة طالبان عن حركة طالبان الأفغانية، إلا أنها تربطها بها روابط تاريخية وفكرية وعرقية، تتألف قبيلة البشتون من ثلاث قبائل: غلزاي، ودوراني، وسرباني، وسارباني، الذين يتواجد معظمهم في باكستان، هم من قبيلتي البشتون الأفغانية والعقبة التابعتين لطالبان، تقول حركة طالبان لقادة كابول إنهم ساعدوا هذه الجماعة في مواجهة الأمريكيين خلال عشرين عامًا من احتلال أفغانستان، وقد حان الآن وقت التعويض، وعلى الحكومة المؤقتة في كابول أن تساعدهم حتى يتمكنوا من تشكيل الإمارة الإسلامية التي يختارونها في إقليم خيبر بختونخوا".
في معرض حديثه عن تحركات باكستان لمواجهة كابول، أشار باقري إلى أنه: "سعياً لتحقيق أهدافها، حاولت باكستان في البداية الضغط على حكومة طالبان عبر المحافل الدولية، ولما لم يُجدِ هذا الإجراء نفعاً، لجأت إلى الخيار الثاني، وهو طرد مليون ونصف المليون لاجئ أفغاني، ثم حاولت في نهاية المطاف وضع حكومة طالبان في ضائقة اقتصادية بإغلاق الحدود التجارية والجمركية".
ووفقاً لهذا الخبير في الشؤون الأفغانية، "تعتزم طالبان أيضاً استغلال الرأي العام الباكستاني للترويج لمخططاتها في هذا البلد، ومن جهة أخرى، تسعى حكومة كابول، من خلال استغلال زخم "مجلس السلام في غزة"، الذي تُعد باكستان عضواً فيه، إلى الإيحاء للعالم الإسلامي بأن إسلام آباد قد تخلت عن القضية الفلسطينية، وذلك لزيادة الضغط السياسي على خصمها".
دور الهند في التوتر بين الجارتين
إلى جانب الخلافات بين باكستان وأفغانستان حول الجماعات الإرهابية، والتي تُعد السبب الرئيسي لانعدام الأمن على الحدود، كان هناك دائماً أثر لعامل خارجي في هذه التوترات، تزعم باكستان أن الهند وحركة طالبان تتآمران ضدها، وتعتبر عدم استقرار الأوضاع على حدودها مع أفغانستان وتصاعد الإرهاب نتيجةً لاستغلال نيودلهي للعلاقات المتوترة بين باكستان وأفغانستان، وهو اتهام تنفيه الهند مرارًا وتكرارًا.
وفيما يتعلق بمدى تورط الهند في انعدام الأمن في باكستان، أكد باقري: "مع أن الهند قد تكون متورطة بشكل مباشر في التخطيط لهجمات الجماعات الإرهابية في باكستان، إلا أنها دأبت على دعم جماعات مثل جيش تحرير بلوشستان لزعزعة أمن باكستان، ورغم عدم وجود وثائق أو أدلة رسمية في هذا الشأن، تزعم باكستان، وخاصة جهاز الاستخبارات العسكرية الباكستانية (ISI)، أن الهند تلعب دورًا فعالًا في هذه الأزمات، الهند وباكستان عدوتان لدودتان، ومن المحتمل أن تقدم نيودلهي بعض الدعم لحركة طالبان باكستان".
أشار باقري إلى عدم وجود أي مؤشرات إيجابية لخفض التوترات بين أفغانستان وباكستان، قائلاً: "تحاول إسلام آباد إجبار طالبان على قبول مطالبها، لكن قادة كابول يرفضون ذلك، ونظرًا لموقف كابول المتمثل في الرد بشكل متناسب على الغارات الجوية الأخيرة، يبدو أن هذه الاشتباكات ستستمر بشكل محدود بين الجانبين، وقد تلجأ باكستان إلى ضرب الحركة عبر الغارات الجوية وعدم الاعتراف بحكومة طالبان المؤقتة".
وبشكل عام، أظهرت التوترات الأخيرة مجددًا أن العلاقات بين كابول وإسلام آباد لا تزال تدور حول انعدام ثقة متجذر وتنافس أمني، وهي معادلة هشة قد تدخل سريعًا في مرحلة حرجة مع أي حادث حدودي، في ظل هذه الظروف، يبدو إحياء القنوات الدبلوماسية وإنشاء آليات مشتركة لمراقبة الحدود وإدارتها أكثر ضرورة من أي وقت مضى، وإلا، فإن أي حادث أمني قد يتحول إلى دوامة متصاعدة من المواجهة، تتجاوز عواقبها الأمن الداخلي لباكستان وأفغانستان، وتؤثر سلبًا على الاستقرار الإقليمي.
