الوقت - في حديث مثير، نقل ستيف ويتكوف، المبعوث الخاص لدونالد ترامب لشؤون الشرق الأوسط، تساؤلات الرئيس الأمريكي التي أثارت اهتماماً كبيراً، فقد تساءل ترامب، بدهشةٍ واستغراب، عن السبب الذي يمنع إيران من الاستسلام رغم ما فُرض عليها من ضغوطٍ خانقةٍ وما حُشد ضدها من أساطيل بحرية، قال: “لماذا لم يأتوا إلينا ليعلنوا أنهم تخلوا عن الأسلحة؟ لماذا لم يُظهروا رغبتهم في السلام؟”
تزامنت تصريحات ويتكوف مع تذمر السيناتور الجمهوري المتطرف، ليندسي غراهام، من نصائح بعض مستشاري ترامب الذين أوصوه بالامتناع عن شنّ هجومٍ عسكري على إيران، معبّراً عن امتعاضه من هذا النهج المتحفظ.
للإجابة عن تساؤل ويتكوف حول رفض طهران الانصياع لإملاءات ترامب، لا بد من التوقف عند بعض الحقائق الجوهرية، إن الأزمة الراهنة بين إيران وأمريكا ليست مجرد خلافٍ عابر أو نزاعٍ تقني حول الملف النووي، بل هي تقاطعٌ بين أزماتٍ بنيويةٍ عميقةٍ تتشابك كخيوط العنكبوت، إنها أزمة تتداخل فيها الرؤية السياسية، والصراع على الهيمنة الإقليمية، مع الفشل الذريع للمؤسسات الدولية في تحقيق الأمن الجماعي، وتراجع استراتيجيات الردع التقليدية، هذه العوامل المتشابكة أفضت إلى حالةٍ من “شبه الحرب”، حيث تبدو كل مقدمات الصراع العسكري الكامل حاضرةً، لكن التكلفة غير المتوقعة لهذا الصراع تجعل الطرفين مترددين، يراوحان بين شبح المواجهة وأمل التفاوض.
إن الطريق الذي تسلكه العلاقات بين الطرفين، سواء أفضى إلى طاولة الحوار أو ميادين القتال، يمر عبر ممرٍ ضيقٍ من “الاختيار القسري”، حيث تصبح القرارات رهينة حساباتٍ دقيقة بين التكلفة والمنفعة في ظروفٍ مفعمة بالمخاطر.
جذور الأزمة: صراع الرؤى حول أمن الشرق الأوسط
تتجذّر الأزمة بين أمريكا وإيران في تعارضٍ وجودي بين رؤيتين متناقضتين لنظام الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط، فمن جهة، ترى الولايات المتحدة وحليفها الرئيسي في المنطقة (الکيان الصهيوني)، أن الأمن المطلق لا يتحقق إلا بهيمنةٍ بلا منازع، تُقصي أي منافسٍ إقليمي قادرٍ على تحدي هذا النظام، ومن جهة أخرى، ترى إيران أن برنامجها النووي وصواريخها الباليستية ونفوذها الإقليمي يشكّلون صمام أمانٍ ودرعاً يقيها من الأخطار المحدقة، ويمنحها عمقاً استراتيجياً في بيئةٍ معادية.
هذا التباين الجذري بين الرؤيتين يجعل التوافق بينهما شبه مستحيل، فإحداهما تسعى لاحتكار قوة الردع، والأخرى تطالب بحدٍ أدنى منها لضمان البقاء، لقد كان انهيار الاتفاق النووي شاهداً على هذه الهوة العميقة، إذ تحول الملف من أزمة نووية إلى مواجهةٍ مفتوحةٍ بين مساعي الهيمنة الأمريكية وحق إيران في حماية وجودها.
ويتفاقم هذا التعارض البنيوي في ظل ضعفٍ متبادلٍ يُكبل كلا الطرفين، فقد وقعت أمريكا في فخ “استعراض القوة”، حيث دفعها هوسها بإظهار الهيمنة إلى اختزال خياراتها بين التفاوض المهين أو الضربة العسكرية، وفي المقابل، وجدت إيران نفسها في مأزق “الأزمات المصطنعة”، التي تُفرض عليها من الخارج، لتُبقيها في حالة استنزافٍ دائم.
ثلاثة سيناريوهات تلوح في أفق إيران وأمريكا
لقد أفضى هذا المشهد المتأزم إلى امتزاج التوتر بالاضطراب، حتى غدت الأزمة الراهنة في منعطفٍ تُصبح فيه “الحكمة التقليدية” بلا جدوى، لتحل محلها قوى الانفعال ومنطق البقاء الذي يحكم الطرفين، مترجماً نفسه في ثلاثة سيناريوهات محتملة تمتد على طيفٍ بين الحوار والتناحر.
أولاً: سيناريو الدبلوماسية الهشة
تسعى المفاوضات الحالية، في جوهرها، إلى بعث رسائل ردع، ورسم خطوط حمراء، وكسب الوقت، دون أن تتطرق إلى جذور الخلافات العميقة، وفي أفضل الأحوال، قد تُفضي إلى اتفاقٍ مؤقت هش أشبه بترميم جدارٍ على وشك السقوط، دون أن تضمن استدامة الحلول.
ثانياً: سيناريو المواجهة المحدودة والمضبوطة
هذا الخيار، بطبيعته، يحمل في طياته عوامل الانفجار، إذ قد تفسر أي دولةٍ مضغوطة كل هجومٍ مهما صغر حجمه بأنه بداية لحربٍ شاملة، فترد بكل ما أوتيت من بأسٍ وقوة، وهكذا، يبقى خطر التصعيد غير المقصود نحو حربٍ طاحنة قائماً، بل مرتفعاً إلى حدٍ لا يُستهان به.
ثالثاً: سيناريو الحرب الواسعة وغير القابلة للسيطرة
في هذا المشهد، تنهار قواعد الردع، وتصبح المنطقة مسرحاً لحربٍ مستعرة تمتد على عدة جبهات، تلقي بظلالها الكثيفة على الاقتصاد العالمي عبر تعطيل شريان الطاقة في مضيق هرمز، وتُشعل فوضى عارمة تُفضي إلى فراغٍ أمنيٍ خطيرٍ في المنطقة.
دور اللاعبين الإقليميين
في خضم هذه الأجواء الملتهبة، تتخذ الدول الإقليمية، وعلى رأسها السعودية والإمارات، موقعاً محورياً في صياغة معادلة التوازن، فقد اتجهتا نحو تغيير استراتيجي، متخلّيتين عن “فخ الأمن التقليدي”، ليعتمدا نهج “الوساطة القسرية” و"الأمن المركب".
هذا التحول ينبع من إدراكهما لجملة من المعطيات: الخوف من سيناريو الفوضى الشاملة، والوعي بأن هزيمة إيران قد تُفضي إلى هيمنة إسرائيلية لا تُنازع تُخلخل التوازن الإقليمي، فضلاً عن السعي لتنويع الشركاء الأمنيين وتخفيف الاعتماد المطلق على الولايات المتحدة، حفاظاً على هامش الاستقلالية في التعامل مع قوى صاعدة كالصين وروسيا، وهكذا، أصبحت المنطقة تقف على حافة هاوية، حيث تتناقض الحسابات العسكرية مع منطق التوازنات العقلانية بين التكلفة والمردود.
لا يكمن مخرج دول الجوار في انتصار طرفٍ على حساب الآخر، بل في تبني واقعية جديدة تُقر بثلاثة مبادئ أساسية: استحالة إقصاء إيران، غياب الرغبة الحقيقية لدى معظم الأطراف الإقليمية في الحرب، وضرورة صياغة إطارٍ أمنيٍ متعدد الطبقات وغير احتكاري يعترف بحق جميع الدول في المنطقة بالأمان والاستقرار.
من منظور الدول العربية، فإن الدبلوماسية الحالية لا تعدو كونها أداةً لكسب الوقت، غير أن تجاوزها إلى مستوى الحلول الاستراتيجية يتطلب تغييراً جذرياً في فلسفة الأمن والنظام الإقليمي، وابتكار رؤيةٍ شاملة تُعيد صياغة العلاقات بين الأطراف وفق أسسٍ أكثر عدالةً واستدامةً.
إلى أين ستفضي المفاوضات بين عراقجي وويتكوف؟
إن قراءة المشهد الراهن تشير إلى أن الطرفين قد آثرا اللجوء المؤقت إلى منصة الحوار، غير أن هذه المفاوضات لا تعدو كونها ضرباً من “الدبلوماسية المُنهِكة”، حيث لا يُرتجى منها التوصل إلى اتفاقٍ كبيرٍ أو تسويةٍ شاملة، وإنما تنحصر أهدافها في غايتين اثنتين: أولهما، إيصال رسائل الردع ورسم الخطوط الحمراء بوضوحٍ أشدّ؛ وثانيهما، كسب الوقت لتعزيز موقف كل طرف داخلياً ودولياً، وإضعاف خصمه تدريجياً.
احتمال نجاح هذه المفاوضات في معالجة جذور الخلافات يبدو ضئيلاً إلى حد التلاشي، إذ تغيب أرضية الثقة اللازمة لتبادل جوهري يفضي إلى حلول مستدامة، والحد الأقصى الذي يمكن أن تسفر عنه هذه المفاوضات هو اتفاقٌ مؤقتٌ هش، يقوم على تبادل امتيازات صغيرة وقابلة للقياس، كأن يتم نقل كميات محدودة من اليورانيوم المخصب مقابل تحرير جزئي للأصول الإيرانية المجمدة، وهو ما يخلق مساحةً زمنيةً لتخفيف التوتر، غير أن هذا الاتفاق لا يعدو كونه هدنةً هشةً، إذ سرعان ما قد ينهار مع تغير معادلة القوة بين الطرفين.
إن نجاح هذه الدبلوماسية، مهما بدا محدوداً، يتوقف على قدرة الأطراف على التحرر المؤقت من شرك الحالة النفسية المتشنجة وقبول ما يُعرف بـ"اللعبة غير الصفرية"، ولو لبرهةٍ قصيرة، ولتحقيق ذلك، لا بد من بناء آليات ثقة صغيرة ولكن ملموسة، تُظهر حسن النية دون أن تخل بالمعادلات الكبرى.
قيود أمريكا على التصعيد العسكري
أما الحقيقة الجلية، فهي أن الولايات المتحدة ليست مستعدةً لخوض حربٍ شاملة، بل إنها حتى تجد نفسها مُكبلةً بقيودٍ تحول دون خيار الحرب المحدودة، ورغم أن هذا الخيار قد يبدو نظرياً جذاباً للطرف المُهاجم، إذ يقوم على توجيه ضربةٍ دقيقةٍ تهدف إلى إنهاك قدرات الخصم وإجباره على القبول بشروطٍ مُذلة دون الانزلاق إلى أتون حربٍ شاملة، فإن هذا السيناريو يصطدم بـ"مغالطةٍ كبرى"، تتجلى في افتراضٍ خاطئٍ بأن الطرف المُدافع سيُصمم ردّه وفق نماذجٍ خطيةٍ تتسم بالتناسب مع حجم الهجوم، لكن الحقيقة أن دولةً تتعرض لضغطٍ أقصى وتستشعر تهديداً وجودياً لبقائها، لا تخضع في ردود أفعالها لمنطق التناسب، وإنما لمنطق البقاء، حيث تتلاشى الفوارق بين “الضربة المحدودة” و"الهجوم الكاسح".
طهران: منطق الردع المطلق
في نظر طهران، أي هجومٍ خارجي، مهما كان محدوداً، يُعد شرارةً تُطلق العنان لتوظيف جميع أدواتها المتاحة، ما يُفضي إلى حربٍ إقليميةٍ شاملةٍ تُغير ملامح المنطقة، ولهذا، يبقى سيناريو المواجهة المحدودة خياراً غير مستقر بطبيعته، إذ يحمل في طياته بذور التصعيد غير المقصود نحو حربٍ ضروسٍ قد تستمر حتى تنهك الطرف المُهاجم وتُحطمه.
حين نتأمل تصريح ويتكوف المُفعم بالدهشة من رفض الإيرانيين الاستسلام، نتبين أن الحدّ من البرنامج النووي الإيراني لا يعني تجنب الحرب، بل يشكّل جزءاً من استراتيجية تهدف إلى التأثير في منظومة العقوبات، هذه الاستراتيجية تخلو من خط واضحٍ للاستسلام، الأمر الذي قد يُجبر أمريكا، حفاظاً على هيبتها، على قبول هذه الحقيقة ولو بشكلٍ مؤقت.
إن اليوم الذي يلي إطلاق النار من حاملة الطائرات “أبراهام لينكولن” قد يكون يوماً محفوفاً بالمجهول، لا في واشنطن وحدها، بل في أرجاء العالم بأسره، حيث تتغير معالم الساحة الدولية بما لا يمكن توقعه.
