الوقت- قدّم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، خلال كلمته الأخيرة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، نموذجاً صارخاً لسياسي يختار المكابرة العلنية بديلاً عن التراجع، في مشهد تكرر للعام الثاني على التوالي حين غادرت وفود عديدة القاعة فور بدء كلمته. ولم يتوانَ نتنياهو عن مخاطبة المنسحبين مباشرة بوصفهم "جبناء أخلاقياً"، بل طالب من بقي في القاعة بمغادرتها إن كان يشاركهم الشعور ذاته، في رسالة تحدٍّ سافرة لا تشبه عادة خطاب رئيس حكومة يبحث عن دعم دولي متجدد، بل أقرب إلى تصريحات سياسي يعلم أن فرص كسب مزيد من التأييد الدولي باتت شبه معدومة، فاختار بدلاً منها تكريس صورة "الصامد الوحيد" أمام العالم بأسره. ويرى محللون سياسيون أن هذا النمط المتكرر من التحدي العلني، بدلاً من محاولة ترميم صورة إسرائيل الدولية المتضررة، يعكس قناعة راسخة لدى نتنياهو بأن أي محاولة لاسترضاء المجتمع الدولي لن تغيّر جوهرياً من موقفه القانوني والسياسي، ما يجعل المكابرة الصاخبة خياراً أكثر جدوى من منظوره الشخصي والسياسي على حد سواء.
استعراض عسكري يخفي حسابات انتخابية داخلية
لم يكن خطاب نتنياهو موجهاً فعلياً للمجتمع الدولي بقدر ما كان رسالة مباشرة للناخب الإسرائيلي قبيل استحقاق انتخابي حاسم، إذ استهل كلمته بمهاجمة رئيس بلدية نيويورك زهران ممداني، أحد أبرز منتقديه، قائلاً له إنه لن يستطيع إسكاته، بعدما وصفه ممداني سابقاً بـ"مجرم حرب". كما تباهى نتنياهو بتدمير المنشآت النووية الإيرانية واصفاً القرار بأنه كان من أسهل القرارات التي اتخذها، مدعياً أنه لولا هذا التدمير لكانوا جميعاً اليوم بحكم الموتى، فيما أشاد بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب ووصفه بـ"أكبر شريك" لإسرائيل، ووجّه انتقادات حادة لتركيا متهماً إياها بالسعي للاستيلاء على أجزاء واسعة من سوريا. هذا المزيج من الاستعراض العسكري والهجوم السياسي المباشر يكشف أن الخطاب كان أداة دعاية انتخابية بامتياز، تستثمر الاستقطاب الداخلي لتكريس صورة نتنياهو بوصفه السياسي الوحيد القادر على مواجهة الاشتراطات الخارجية والدفاع عن الأمن القومي الإسرائيلي، بحسب ما رصدته تحليلات إعلامية عربية متابعة للمشهد.
احتجاجات إسرائيلية ودولية تحاصر زيارته
قوبلت زيارة نتنياهو إلى نيويورك باحتجاجات متزامنة من الداخل الإسرائيلي والخارج معاً، إذ تظاهر عشرات الإسرائيليين في حديقة يونيون سكوير حاملين لافتة صفراء كتب عليها "نتنياهو، انتهى وقتك"، بالتزامن مع مظاهرات مؤيدة لفلسطين أمام مقر الأمم المتحدة رفعت شعارات تطالب بوقف القصف والقتل في غزة ونزع السلاح عن إسرائيل. وقد تصاعدت حدة هذه الاحتجاجات في ظل تحذيرات أممية من أن اقتصاد غزة يعاني من أسوأ أزمة اقتصادية سُجلت في العالم على الإطلاق، بحسب وصف الأمين العام بالإنابة لمؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، إذ دُمرت تسع من كل عشر منشآت تجارية في القطاع، وباتت نسبة 92 بالمئة من المنشآت الاقتصادية هناك متضررة أو مدمرة بالكامل، وهي أرقام كانت حاضرة بقوة في خلفية المشهد الاحتجاجي المرافق لزيارته. ويلاحظ مراقبون أن تزامن هذه الاحتجاجات الشعبية الإسرائيلية مع المظاهرات المؤيدة لفلسطين، رغم اختلاف دوافع كل طرف، يعكس حالة استثنائية من التقاطع النادر بين معارضي نتنياهو داخل إسرائيل وخارجها، ما يزيد من عزلته السياسية على مستويين مختلفين في آن واحد.
مذكرة اعتقال دولية تلاحقه أينما ذهب
يضاعف من حدة هذا التحدي العلني أن نتنياهو يخوض هذه المعارك السياسية والدبلوماسية وهو مطلوب فعلياً بموجب مذكرة توقيف دولية أصدرتها المحكمة الجنائية الدولية في نوفمبر/تشرين الثاني 2024 بحق كل من نتنياهو ووزير دفاعه السابق يوآف غالانت، على خلفية اتهامات موثقة بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في قطاع غزة. ورغم أن هذه المذكرة لم تمنعه من زيارة نيويورك ومخاطبة الجمعية العامة علناً، فإن استمرار سريانها القانوني يجعل من كل ظهور دولي له مغامرة سياسية ودبلوماسية محسوبة، تحاصره فيها لافتات المتظاهرين التي تصفه بأنه مطلوب بتهمة الإبادة الجماعية، في مؤشر على أن العزلة القانونية التي يواجهها باتت تلاحقه حتى داخل أروقة المؤسسات الدولية التي يخاطبها.
اعتراف نادر بعزلة اقتصادية متصاعدة
في مؤشر لافت على إدراكه الداخلي لحجم هذه العزلة المتصاعدة، سبق لنتنياهو أن أقر صراحة، خلال مؤتمر للمحاسب العام في وزارة المالية الإسرائيلية، بأن إسرائيل تواجه عزلة اقتصادية متنامية جراء استمرار الحرب، مؤكداً أنها سيتعين عليها أن تصبح أكثر اعتماداً على نفسها، ومضيفاً أنه رغم كونه من أنصار السوق الحرة تقليدياً، فإن إسرائيل قد تجد نفسها مضطرة للتوجه نحو اقتصاد الاكتفاء الذاتي، وهي كلمة أكد أنه يكرهها بشدة. هذا الاعتراف النادر بالعزلة الاقتصادية، الصادر من رئيس الوزراء نفسه لا من معارضيه، يكشف تناقضاً صارخاً مع خطاب التحدي العلني الذي يواصل تبنيه في المحافل الدولية، ويعكس فجوة متسعة بين الاعتراف الداخلي الهادئ بحجم الأزمة والاستعراض الخارجي الصاخب الذي يصر على تقديمه أمام العالم.
مقامرة سياسية محسوبة بثمن باهظ
في نهاية المطاف، يبدو أن نتنياهو اختار مواصلة التحدي العلني والاستقطاب الداخلي بدلاً من البحث عن مخرج تفاوضي مع تنامي الضغوط الدولية عليه. وبين خطاب أممي يخاطب قاعدته الداخلية بقدر ما يخاطب المجتمع الدولي، ومذكرة اعتقال دولية سارية، واعتراف متزايد بتداعيات العزلة الاقتصادية، تتضح فجوة بين خطابه التصعيدي والضغوط التي تواجهها إسرائيل سياسيًا واقتصاديًا. ويبقى السؤال الأساسي: هل يستطيع نتنياهو تحويل هذا النهج إلى مكسب سياسي داخلي، أم أن استمرار التصعيد سيؤدي إلى تعميق العزلة الدولية ورفع كلفتها على المدى الطويل؟
