الوقت - فتحت التطورات الميدانية المتسارعة في اليمن باباً جديداً على معادلات الأمن السعودي، مرحلةً باتت فيها اتفاقية الدفاع المشتركة المعروفة بـ"ميثاق مكة"، الموقّعة بين السعودية وباكستان وتركيا، على مرمى حجر من أزمة اليمن. وفي هذا السياق، تكتب “الجزيرة” في تحليل لها أن سيطرة قوات أنصار الله على ميناء المخا، وتقدّمها نحو التحكّم بمسار مضيق باب المندب الاستراتيجي، بالتزامن مع الهجمات التي تستهدف مواقع داخل الأراضي السعودية، أعاد إلى الواجهة سؤالاً محورياً: هل بلغ ميثاق مكة حدّ التفعيل الفعلي؟
وبحسب “الجزيرة”، فإن الهجمات الأخيرة التي طالت المنشآت الطاقية والمدنية والدفاعية في السعودية، إلى جانب التهديد المتصاعد لمضيق باب المندب، رفعت من حدّة الضغوط الواقعة على كاهل الرياض. وتشير الشبكة إلى أن استمرار هذه الهجمات قد يدفع السعودية إلى اللجوء إلى آلية الدفاع الجماعي الجديدة مع باكستان وتركيا.
في سبتمبر 2025، وقّعت السعودية وباكستان اتفاقاً للدفاع المتبادل، ثم توسّع هذا الاتفاق في أغسطس 2026 بانضمام تركيا إليه، ليتحوّل إلى “اتفاقية الدفاع المشترك لمكة”. وقد أنشأت الدول الثلاث سكرتارية مشتركة في الرياض، تتولّى باكستان رئاستها الأولى لمدة ثلاث سنوات.
ومع ذلك، لا يزال هذا الميثاق يفتقر إلى آلية واضحة ومحدّدة للتدخل العسكري، فقواعد الاشتباك، وأسلوب اتخاذ القرار، ومستوى الاستجابة العسكرية المطلوب من الأعضاء، لم تُصاغ بعد بشكل كامل.
ومما تسلّط “الجزيرة” الضوء عليه في تقريرها، تصريحات وزير الدفاع الباكستاني خواجة آصف، الذي أعلن أن “أي عدوان غير مستفزّ ضدّ السعودية أو انسياب الحرب اليمنية إلى داخل أراضيها”، يمكن أن يفعّل ميثاق الدفاع المشترك لمكة دون أدنى تردّد.
ومع هذا، يبقى نوع المساعدة العسكرية مرهوناً بطلب صريح من السعودية. وتكتب “الجزيرة” أنه إذا طلبت الرياض تدخلاً مباشراً من القوات الباكستانية، فإن إسلام آباد ستكون ملتزمةً بذلك في إطار الاتفاقية، لكن حجم هذا التدخل وشكله لا يزالان مرهونين بتشاور بين الأعضاء.
من جانبه، سبق لوزير الخارجية التركي أن أوضح أن ميثاق مكة صُمّم ليعمل بصورة تشبه إلى حدّ ما آلية حلف شمال الأطلسي (ناتو)، أي أن الدولة المستهدفة بالعدوان هي من يتقدّم بطلب المساعدة، وهي أيضاً من يحدّد طبيعة الدعم المطلوب.
وبناءً عليه، فإن تفعيل الميثاق لا يعني بالضرورة إرسال قوات باكستانية وتركية إلى اليمن، بل قد يتّخذ الدعم أشكالاً أخرى، كالدفاع الجوي، أو تبادل المعلومات الاستخباراتية، أو تقديم المعدات العسكرية، أو الدعم البحري، أو المساعدات التقنية. وتذكّر “الجزيرة” بأن تركيا وباكستان قدّمتا في السابق قدراتهما الدفاعية للسعودية.
وعلى الرغم من تصاعد الضغوط على السعودية، يرى كاتب المقال في “الجزيرة” أن احتمالية قيام القوات الباكستانية بعمليات مباشرة على الأراضي اليمنية تبقى ضعيفة. فتجربة باكستان المريرة في حرب أفغانستان، ومخاوفها من التداعيات الأمنية والاقتصادية والطائفية على مناطقها الغربية، تدفع إسلام آباد إلى التحوّط بشدّة من الانخراط المباشر في حرب ضدّ أنصار الله، أو الدخول في اشتباك مع إيران.
لهذا السبب، يبدو السيناريو الأكثر ترجيحاً هو تصعيد باكستان لضغوطها الدبلوماسية على طهران، وتعزيز الدفاعات السعودية، والسعي لتشكيل تحالف بحري متعدد الجنسيات لحماية مضيق باب المندب.
وفي واقع الأمر، تمثّل التقدّمات الأخيرة لأنصار الله أول اختبار جادّ لمنظومة الأمن السعودي الناشئة. فقد طالبت واشنطن، خلال السنوات الأخيرة، دول المنطقة بتحمّل مسؤولية أكبر في الدفاع عن نفسها، وباتت الرياض اليوم مضطرةً لأن تُظهر إلى أي مدى يمكن لاتفاقياتها الجديدة أن تعوّض غياب الدعم الأمريكي المباشر. وتؤكد “الجزيرة” أن السعودية لم تُفعّل رسمياً، حتى الآن، ميثاق مكة للحصول على مساعدة عسكرية من باكستان أو تركيا.
