الوقت- نشر وزير الأمن القومي الإسرائيلي المتطرف إيتمار بن غفير، على صفحته في منصة "تيك توك"، مقطعاً مصوّراً جديداً يوثق تنكيل جنود الاحتلال بأسرى فلسطينيين داخل أحد سجون الاحتلال، يظهر فيه الأسرى وهم يرفعون أيديهم فوق رؤوسهم منبطحين أرضاً أمام سجانين يصوبون أسلحتهم نحوهم مباشرة، دون أن يكشف المقطع عن تاريخ التصوير أو موقع السجن المحدد. ما يستحق التوقف عنده في هذا الحادث ليس المشهد بحد ذاته فحسب، بل كونه صادراً عن الوزير المسؤول رسمياً عن إدارة السجون الإسرائيلية، الذي اختار عرض هذه الممارسات علنًا وبمبادرة شخصية منه، في مؤشر صارخ على تحول تعذيب الأسرى وإذلالهم من فعل يُخفى ويُنكر إلى مادة دعائية يُفتخر بنشرها أمام الرأي العام. فبينما دأبت دول العالم عبر التاريخ على إنكار انتهاكاتها بحق المعتقلين أو التستر عليها بأفضل السبل، يبدو أن الاحتلال الإسرائيلي في عهد الحكومة اليمينية المتطرفة الحالية قد قلب هذه المعادلة رأساً على عقب، إذ يتحول التوثيق الذاتي لأعمال التعذيب إلى أداة سياسية مقصودة تخاطب قاعدة انتخابية معينة، بمعزل تام عن أي اعتبارات قانونية أو أخلاقية دولية.
نمط متكرر من الاستعراض العلني للانتهاكات
لا يمثل هذا الفيديو حادثة معزولة، بل يأتي ضمن سلسلة متصلة من المقاطع المماثلة التي دأب بن غفير على نشرها منذ توليه منصبه، وكان آخرها ما وثّقه بنفسه خلال اقتحامه لزنازين الأسيرات في سجن الدامون قرب حيفا، حين أعرب صراحة عن "فخره" بتشديد ظروف احتجازهن، في وقت وصف فيه نادي الأسير الفلسطيني ذلك الاقتحام بأنه اعتداء صريح على كرامتهن الإنسانية. وسبق للوزير المتطرف أيضاً أن نشر مقطعاً آخر يُظهر حراس سجن النقب وهم يقتحمون زنازين الأسرى ويجبرونهم تحت تهديد السلاح على الركوع وطلاء الجدران عقاباً على كتابات وجدوها تحمل عبارات مثل "القدس عربية". هذا النمط المتكرر من التوثيق الذاتي للانتهاكات يكشف عقلية مختلفة تماماً عن أي انتهاك سابق يُرتكب سراً ثم يُنكر لاحقاً؛ إذ بات الاحتلال، ممثلاً بأعلى مسؤول عن ملف السجون، يستخدم هذه المشاهد كأداة ترهيب علنية وتفاخر سياسي أمام قاعدته الانتخابية اليمينية المتطرفة.
سياسة ممنهجة توثقها المنظمات الحقوقية
تؤكد تقارير حقوقية فلسطينية وإسرائيلية على حد سواء أن ما يظهر في هذه المقاطع المصورة ليس سوى الجزء الظاهر من منظومة انتهاكات أوسع بكثير وممنهجة بعناية. فمنذ توليه إشرافه على مصلحة السجون في ديسمبر/كانون الأول 2022، أصدر بن غفير تعليمات متتالية شملت تقليص كميات الطعام والمياه المقدمة للأسرى، وتقييد زيارات العائلات، وتقليص مدة الاستحمام، وإلغاء امتيازات أساسية كانت مكفولة سابقاً، إلى جانب نقل المئات من الأسرى بين السجون كإجراء انتقامي متكرر. وتوثق تقارير أخرى ممارسات أشد قسوة تشمل تقييد الأيدي وتعصيب الأعين لساعات طويلة، والضرب المبرح، إلى جانب أشكال متعددة من الإهانة الجسدية والجنسية، وحرمان الأسرى من النوم والطعام والذهاب إلى المرحاض، وهي ممارسات وصفها مركز فلسطين لدراسات الأسرى بأنها ساهمت في ارتفاع حصيلة شهداء الحركة الأسيرة إلى 328 شهيداً منذ عام 1967، بينهم 91 شهيداً منذ السابع من أكتوبر 2023 وحده، فيما وثّقت منظمة "أطباء من أجل حقوق الإنسان الإسرائيلية" 98 حالة وفاة داخل الأسر خلال الفترة ذاتها.
أرقام صادمة تكشف حجم الكارثة الإنسانية
يقبع اليوم داخل السجون الإسرائيلية أكثر من 9600 معتقل فلسطيني، بينهم 350 طفلاً و73 امرأة، يعانون جميعاً بحسب منظمات حقوقية متعددة من التعذيب الممنهج والتجويع المتعمد والإهمال الطبي الذي أودى بحياة عشرات منهم. واللافت أن الأسرى الفلسطينيين أنفسهم، وفق شهادات موثقة، يصفون فترة تولي بن غفير هذا المنصب بأنها "الأسوأ" في تاريخ السجون الإسرائيلية بأكمله، وهو وصف تؤكده أيضاً بيانات إسرائيلية رسمية كشفت عن ارتفاع حاد في عدد الشكاوى المقدمة من السجناء ضد الحراس بسبب استخدام القوة غير المشروعة منذ تولي بن غفير منصبه. هذه الأرقام، الصادرة من مصادر متعددة ومتقاطعة، فلسطينية وإسرائيلية وحقوقية دولية، تنفي أي محاولة لتصوير ما يحدث بوصفه حوادث فردية معزولة، وتؤكد بدلاً من ذلك أنه سياسة عقابية جماعية مقصودة تستهدف كل أسير فلسطيني دون استثناء.
إدانات فلسطينية وصمت دولي مخزٍ
قوبل هذا الفيديو الأخير، كسابقيه، بإدانة فلسطينية واسعة، إذ وصفه المركز الفلسطيني للإعلام بأنه "تحدٍّ علني جديد لكافة القوانين الدولية"، فيما سبق لحركة حماس أن ندّدت بممارسات مماثلة لبن غفير، محذرة من تحويل السجون إلى ساحات انتهاكات ممنهجة، وداعية المجتمع الدولي إلى التحرك الجاد لمحاسبة الاحتلال على هذه الجرائم الموثقة. غير أن المفارقة الصارخة تكمن في أن هذه الإدانات، رغم تكرارها ووضوح أدلتها المصوّرة التي ينشرها الجاني بنفسه دون أي محاولة للإنكار، لم تقابلها حتى الآن أي استجابة دولية فعلية تتجاوز حدود الشجب اللفظي، في وقت وصفت فيه منظمات حقوقية عربية الصمت الدولي إزاء هذه الانتهاكات المتكررة بأنه "صمت مخزٍ"، يمنح الاحتلال غطاءً ضمنياً لمواصلة استعراض جرائمه علناً دون خشية أي ثمن سياسي أو قانوني حقيقي.
حين يتحول التوثيق إلى دليل إدانة لا يحتاج تحقيقاً
في نهاية المطاف، يضع إقدام مسؤول حكومي رفيع على توثيق جرائمه بنفسه ونشرها علناً المجتمع الدولي أمام حالة نادرة لا تحتاج فيها أي هيئة تحقيق إلى جهد استقصائي معقد لإثبات وقوع الانتهاك، إذ يقدّم الجاني نفسه دليل إدانته كاملاً وموثقاً بالصوت والصورة. فحين يتباهى وزير بمنصبه الرسمي بإذلال معتقلين عزّل تحت تهديد السلاح، ويكرر ذلك مراراً دون أي رادع، فإن استمرار الاكتفاء بردود الفعل الخجولة يعني عملياً تشجيع مزيد من هذا الاستعراض العلني للوحشية. ويبقى السؤال الجوهري معلقاً: كم من الأدلة المصورة الذاتية يحتاج القضاء الدولي كي يتحرك فعلياً لمحاسبة مسؤول يوثق جرائمه بيده ويفتخر بها علناً، أم أن الإفلات المستمر من العقاب سيظل يشجع على مزيد من هذه المشاهد المهينة إلى أن يفقد العالم القدرة على التفريق بين ما هو استثناء وما أصبح، للأسف، هو القاعدة؟
