الوقت - على مشارف دخول الحرب الأوكرانية عامها السادس، وبعد مرور عامين على تلك الـ 24 ساعة التي وعد فيها “ترامب” بإنهاء هذه الحرب بمجرد عودته إلى البيت الأبيض، يقطع اثنان من أشدّ المقربين للرئيس الأمريكي هذه الأيام المسافات بين موسكو وكييف، بحثاً عن بصيص أمل للتوصل إلى الحل الذي يطمح إليه ترامب.
جاءت جولة “ستيف ويتكوف” و"جاريد كوشنر" في موسكو ثم كييف في ظل أجواء خيّم عليها تدني سقف التوقعات من هذه المهمة منذ انطلاقتها الأولى. فالمفاوضات التي جرت سابقاً بوساطة أمريكية بين روسيا وأوكرانيا، توقفت بعد جولات عدة دون إحراز أي تقدم ملموس، ولا يزال الطرفان يتخبطان في هوة الخلاف حول أهم القضايا الجوهرية لإنهاء الحرب، لا سيما مسألة الأراضي والترتيبات الأمنية المستقبلية.
بل إن خطة السلام المكونة من 20 بنداً، والمدعومة من واشنطن وكييف، عجزت هي الأخرى عن ردم هذه الهوة، يُضاف إلى ذلك انعدام ثقة الأوكرانيين في الدور الداعم لإدارة ترامب، حيث تساورهم مخاوف جمة من أن يُصبحوا كبش فداء لـ “إصرار” ترامب على اقتناص إنجاز في السياسة الخارجية خلال الشهر المتبقي قبل الانتخابات النصفية.
في الواقع، لا تكمن المعضلة الأساسية في مسار المفاوضات الراهنة في غياب قنوات التواصل بين الطرفين؛ بل تتجلى المشكلة في البون الشاسع بين ما تطمح إليه موسكو وما تستعد كييف لقبوله، فضلاً عن فشل واشنطن في كسب ثقة أي من الطرفين كوسيط نزيه.
التفاوض تحت ظلال الحرب
تحمل تصريحات المبعوثين الأمريكيين حول مسار المفاوضات في طياتها ملامح التقدم، إلا أن الواقع الميداني يرسم مشهداً مغايراً تماماً. فبعد جولة المفاوضات الأولى مع “زيلينسكي” يوم الأحد، صرح “ويتكوف” للصحفيين بأن هذه المباحثات كانت “جوهرية” و"مهمة"، مضيفاً: “نحن متفائلون جداً”. من جانبه، أكد “كوشنر” في تصريحات منفصلة أن ترامب “عاقد العزم بكل قوة على رؤية نهاية لهذه الحرب”.
ولكن، في ذات الأيام التي كان فيها مبعوثا ترامب يتنقلان بين موسكو وكييف، كانت العاصمة الأوكرانية وضواحيها لا تزال تقبع تحت وطأة هجمات الطائرات المسيرة، بينما واصلت كييف هجماتها في عمق الأراضي الروسية وصولاً إلى العاصمة. بل إن الهجوم بالمسيرات الذي استهدف مبنى جهاز الأمن الأوكراني في كييف، قبل يوم واحد فقط من وصول المبعوثين الأمريكيين، كان دليلاً دامغاً على أن لغة السلاح هي التي لا تزال تتصدر المشهد وتتفوق على ما عداها.
ورغم أن توقف الهجمات الروسية على كييف لمدة ثلاثة أيام يمكن تفسيره على أنه فرصة محدودة لخفض التصعيد وخلق بيئة آمنة للتفاوض، إلا أنه لا يُعد بحد ذاته مؤشراً على تغيير في استراتيجية موسكو. فبينما كان “بوتين” يجدد التأكيد على مواقفه السابقة، أوضح الكرملين جلياً أنه لا توجد حتى الآن شروط مسبقة ومحددة للتوصل إلى اتفاق سلام.
يحمل هذا التمييز أهميةً بالغةً؛ فشتّان بين الهدنة المؤقتة واتفاق السلام. إذ يمكن لموسكو أن تخفف من وتيرة هجماتها لفترة وجيزة، دون أن تتزحزح قيد أنملة عن مطالبها الأساسية. كما قد تطالب كييف بوقف الهجمات، لكنها في الوقت عينه تعوّل على استمرار الدعم العسكري والأمني الغربي. وقد دعا “زيلينسكي” في خطابه يوم أمس إلى استمرار الدعم المالي والعسكري الغربي، قائلاً إن أوكرانيا “تُعوّل حقاً على الحزمة الشتوية” المقدمة من الولايات المتحدة وأوروبا لتتمكن من الصمود في وجه شتاء آخر تعصف به الحرب.
وفي إشارة إلى الغاز الطبيعي المسال، أضاف: “لقد ناقشنا هذه المسألة تحديداً مع ستيف وجاريد، وكذلك مع شركائنا الأوروبيين: الدفاع الجوي، ودعم قطاع الطاقة، وكما تعلمون، نحن نعتمد بشكل كبير على الاستخدام الجاد للغاز المسال الأمريكي”.
يساور الكثير من الأوكرانيين قلق عميق من امتداد الحرب لعامها الخامس، ويترقبون الشتاء القادم بتوجّس وخيفة. وفي هذا الأسبوع، صرح “سيرهي بيسكرستنوف”، مستشار تكنولوجيا الدفاع لزيلينسكي، لصحيفة الجارديان بأنه يتعين على الحكومة التفكير في إجلاء كبار السن من كييف، لأن بوتين أصدر أوامره للجيش الروسي “بالاستعداد لشن هجمات واسعة النطاق” على منشآت الطاقة الأوكرانية.
فضلاً عن ذلك، تواجه أوكرانيا نقصاً حاداً في الصواريخ الاعتراضية من طراز “باتريوت” أمريكية الصنع. حيث نُفذت العديد من الهجمات الروسية الأخيرة بواسطة طرازات جديدة من الطائرات المسيرة النفاثة، التي يمكن أن تصل سرعتها إلى 250 ميلاً في الساعة، مما يجعل اعتراضها أمراً بالغ الصعوبة.
واليوم، وإلى حد ما بفضل تورط أمريكا في حرب إيران وما نتج عن ذلك من نقص في صواريخ الباتريوت، باتت الدفاعات الجوية الأوكرانية تعاني من هشاشة شديدة في قدرتها على التصدي لعمليات القصف. ونتيجةً لذلك، قد يبدي كلا الطرفين دعمهما لمبدأ “التفاوض”، إلا أنهما يمتلكان تعريفات متناقضة لماهية النتيجة المرجوة منه.
فجوة باردة بين موسكو وكييف
تُظهر المواقف الروسية أن موسكو لا تزال ترفض حصر إنهاء الحرب في مجرد وقف للعمليات العسكرية، بل تصر على معالجة ما تطلق عليه “جذور الصراع”. كما تحدث بوتين، خلال لقائه بمبعوثي ترامب، عن تقدم القوات الروسية في ميدان المعركة، معرباً عن ثقته التامة في تحقيق الأهداف المحددة.
ويشير هذا الأمر إلى أن الكرملين لا يزال يرى أن إرادة أوكرانيا والغرب غير كافية للتوصل إلى تسوية حقيقية للخلافات والقبول بالواقع الجيوسياسي والحدودي الجديد.
وفي المقابل، لم تتراجع كييف قيد أنملة عن مواقفها فحسب، بل إنها تعوّل على الدعم الأوروبي والأمريكي لمواصلة الحرب واستعادة أراضيها. وعلى الرغم من أن ضعف الدفاعات الجوية الأوكرانية والنقص الحاد في صواريخ “باتريوت” الاعتراضية يضعان كييف تحت ضغط هائل، إلا أن الدعم العسكري الأوروبي وبرامج إنتاج الطائرات المسيرة بعيدة المدى لصالح أوكرانيا لا تزال مستمرةً على قدم وساق.
وعليه، فإن موسكو لا ترى أن الحرب قد وضعت أوزارها بعد، كما أن كييف لا تجد نفسها مضطرةً للرضوخ لاتفاق تراه مجحفاً بحقها. وفي خضم هذه الظروف، تواجه واشنطن في مسعاها للتقريب بين الطرفين معضلةً تتجاوز حدود الوساطة التقليدية: إذ يتعين عليها أولاً وقبل كل شيء تغيير الحسابات الاستراتيجية لكلا الجانبين.
دبلوماسية ترامب في مرمى الانتقادات
وفي غضون ذلك، يُوجَّه أحد أبرز الانتقادات إلى اختيارات ترامب لمبعوثيه. فـ “ستيف ويتكوف”، وهو شخصية بارزة في قطاع العقارات، لم يكن يمتلك أي خبرة سابقة قبل دخوله دهاليز الملفات الدبلوماسية حين عيّنه ترامب عام 2024 مبعوثاً شخصياً له لشؤون السلام. أما “جاريد كوشنر”، فيُعرف قبل كل شيء بصفته صهراً لترامب ومستشاراً له، على الرغم من الدور الذي لعبه في فترة الرئاسة الأولى في مسار ما سُمي بـ “اتفاقيات أبراهام”.
ولا تقتصر المسألة على مجرد الافتقار إلى التخصص الفردي لهذين الرجلين فحسب؛ بل إن الحرب الأوكرانية تُعد ملفاً شائكاً تتشابك فيه القضايا العسكرية، والإقليمية، والأمنية، والاقتصادية، ومستقبل المنظومة الأمنية في القارة الأوروبية برمتها. لذا، يرى المنتقدون أن دبلوماسية ترامب القائمة على مبدأ “الصفقات”، والتي ترتكز على الثقة الشخصية في المقربين وإمكانية إبرام اتفاقيات مباشرة بين القادة، ستصطدم بعقبات كأداء أمام أزمة بالغة التعقيد كهذه.
قد ينجح ويتكوف وكوشنر في شقّ قناة تواصل مباشر مع الكرملين، غير أن نسج علاقة مع الزعيم الروسي لا يعادل بأي حال من الأحوال حل الخلافات المستعصية والجذرية بين روسيا وأوكرانيا.
بصيص أمل أم كسب للوقت؟
في نهاية المطاف، تبدو مهمة ويتكوف وكوشنر أقرب إلى محاولة مستميتة للحيلولة دون انسداد الأفق الدبلوماسي بالكامل، منها إلى مؤشر على اقتراب نهاية الحرب. وحتى وإن أُضفيت على المحادثات صفات من قبيل “الجوهرية” و"المهمة" و"البناءة"، فلا تلوح في الأفق حتى الآن أي بوادر للاتفاق على القضايا المفصلية.
ومن هذا المنطلق، تكمن معضلة ترامب في حاجته الماسة إلى اتفاق سريع ليصنع منه إنجازاً يُحسب له، في حين لا يستشعر أي من طرفي النزاع حاجةً وجوديةً لمثل هذا الاتفاق في الوقت الراهن. فبوتين لا يزال يعقد الآمال على تحسين الموقف الروسي في ساحات الحرب، وكييف، متكئةً على الدعم الأوروبي واستمرار المساعدات الغربية، تفتقر إلى أي دافع لقبول اتفاق قد يُفسر على أنه هزيمة لها.
ولهذا السبب بالتحديد، ينبغي النظر إلى جولات موسكو وكييف على أنها مسعى لكسب الوقت لصالح الدبلوماسية أكثر من كونها محاولةً نهائيةً لإبرام اتفاق سلام. وما لم تتقلص الفجوة العميقة بين مطالب الطرفين، وما لم يُبدِ أحدهما استعداده لدفع الثمن الحقيقي للتسوية، فإن مجرد إحياء مسار المفاوضات لن يعني بالضرورة اقتراب موعد طيّ صفحة الحرب.
في ظل هذه المعطيات، يبقى وعد ترامب بالإنهاء السريع للحرب منفصلاً عن الواقع الميداني، ومن شأن الإخفاق المحتمل لهذه المهمة أن يطرح مجدداً التساؤل الملح: هل الدبلوماسية الشخصية القائمة على الصفقات، والتي ينتهجها الرئيس الأمريكي، قادرة حقاً على فك طلاسم أعقد حربٍ شهدتها أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية؟
