الوقت- تأتي الذكرى السادسة لعودة طالبان إلى السلطة (الرابع والعشرين من اغسطس 2026) في وقت أصبحت فيه أفغانستان مجدداً مسرحاً لتطورات أمنية وسياسية ودولية واسعة النطاق.
ما كان يُوحي في البداية بصورة حكومة مركزية مهيمنة، اكتسب الآن تعقيدات جديدة مع ظهور حركات عسكرية جديدة، وتزايد التحركات الدبلوماسية، والضغوط الدولية، والأهم من ذلك، الانقسامات الداخلية العميقة في بنية سلطة طالبان. تتناول هذه المقالة مختلف أبعاد هذه التطورات من خلال التمييز بين التقارير الموضوعية والتحليلات التخمينية.
الشؤون العسكرية والأمنية
في المجال العسكري، كان أبرز التطورات الميدانية في الأشهر الأخيرة ظهور جماعات مسلحة جديدة تحدّت احتكار طالبان للعنف.
في أواخر يوليو/تموز 2026، سيطرت جماعة "سباهيان ميهان" المُشكّلة حديثًا، بقيادة قيوم ملنغ، لفترة وجيزة على مركز مديرية يفتل بايين في ولاية بدخشان، ونزعت راية طالبان، ورفعت رايتها. ورغم مغادرة الجماعة للمنطقة بعد ساعات، إلا أنها كانت المرة الأولى التي يُنتزع فيها مركز مديرية من سيطرة طالبان منذ 2020.
في الوقت نفسه، وسّعت كل من "جبهة المقاومة الوطنية"، بقيادة أحمد مسعود، و"جبهة التحرير الأفغانية"، بقيادة ياسين ضياء، نطاق أنشطتها.
في الاونة الاخيرة، أعلنت "جبهة المقاومة الوطنية" مسؤوليتها عن اغتيال عبد الرحمن منصور، عمدة طالبان في فيض آباد، عاصمة بدخشان، وأعلنت أن الهجوم وقع على بُعد 100 متر من مبنى حكومة الولاية.
لا يقتصر نطاق هجمات المعارضة على بدخشان، بل شنت جماعات المعارضة عملياتٍ في ولايات قندوز وبغلان وكابول وفارياب وغور وهيرات وقندهار وهلمند. كما أعلنت "جبهة الجمهورية الأفغانية" الوليدة مسؤوليتها عن هجومٍ استهدف سيارةً تقلّ رئيسَ مخابرات طالبان في حيّ هيجده بكابول.
ومع ذلك، ووفقًا لتقريرٍ صادرٍ عن مجلس الأمن الدولي في ديسمبر/كانون الأول 2025، لم تُشكّل جماعات المعارضة المسلحة سابقًا "تحديًا كبيرًا" لحركة طالبان؛ لذا، يُعدّ التصعيد الأخير للعمليات العسكرية ظاهرةً حديثةً نسبيًا، وسيستغرق الأمر وقتًا لتقييم أثره النهائي على استقرار حكومة طالبان.
الانقسامات الداخلية
إلى جانب التهديدات الخارجية، تُشكّل الانقسامات الداخلية العميقة في أعلى هرم السلطة في حركة طالبان تهديدًا متزايدًا لهيكلها هذه الأيام.
ويُعتبر دور وسلطة زعيم طالبان، هيبة الله أخوند زاده، نقطة خلافٍ رئيسية. يقف على أحد جانبي هذا التوتر هيبة الله أخوند زاده ودائرة قندهار، وعلى الجانب الآخر سراج الدين حقاني، وزير الداخلية وقائد شبكة حقاني، وحلفاؤه. وتتجلى بوادر هذا الخلاف بوضوح في الأوساط العامة.
ففي حفل تخرج طلاب دينيين في مدرسة دينية غرب كابول، برز مشهد مواجهة مباشرة بين وزيرين بارزين في حكومة طالبان؛ إذ انتقد سراج الدين حقاني، عقب كلمة ألقاها ندا محمد نديم، وزير التعليم العالي وأحد المقربين من هيبة الله أخوند زاده، بشكل غير مباشر "ضيق الأفق والضعف" لدى قيادة طالبان. وحذر حقاني في كلمته من أن الوضع قد بلغ مرحلةً لا يجيب فيها نظام طالبان على تساؤلات الشعب، واتهم بعض زملائه "باحتكار الدين الإسلامي وتشويه سمعته". كما انتقد علنًا سياسات طالبان في ولاية خوست، قائلاً: "إن حكومةً تقوم على الخوف والقمع لن تدوم".
لم تقتصر هذه الخلافات على الجدالات الكلامية فحسب، بل اتخذت بعدًا عمليًا أيضًا. فقد أظهر الملا هيبة الله أخوند زاده مرارًا وتكرارًا عدم تسامحه مع النقد، وأقصى نهائيًا منتقديه من داخل صفوف السلطة، بمن فيهم عباس استانكزاي، نائب وزير الخارجية السابق، الذي نُفي إلى الإمارات العربية المتحدة بعد خلاف مع زعيم طالبان.
ومع ذلك، فشل أخوند زاده حتى الآن في التعامل بالمثل مع سراج الدين حقاني. فرغم محاولاته تقليص نفوذ حقاني عبر الحد من صلاحياته وسلطاته، ونقل بعض قادته، وإضعاف منصبه التنفيذي، إلا أنه لم يتمكن من إقصائه تمامًا من هيكل طالبان نظرًا لنفوذه الأمني والعسكري والشبكي.
وفي آخر التطورات، أفادت مصادر مقربة من سراج الدين حقاني بأنه أرسل رسالة إلى هيبة الله أخوند زاده في قندهار، يطالبه فيها بإقالة عبد الحكيم شريعت، وزير العدل في طالبان. تشير التقارير أيضًا إلى أن الخلاف بين سراج الدين حقاني وعبد الحكيم شريعت قد بلغ مرحلة خطيرة، وأن وزير العدل قد حدّ من صلاحيات وزير الداخلية.
وقد زاد رحيل سراج الدين حقاني، والملا عبد الغني برادر، وعباس استانكزاي من أفغانستان في وقت واحد، وغيابهم الطويل عن العمل، من حدة الشائعات حول وجود انقسامات عميقة في قيادة طالبان. كما أكد مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة وجود انقسامات خطيرة داخل طالبان في تقاريره.
النزعة الإقصائية العرقية وتحدي الأقليات
إلى جانب هذه الانقسامات الداخلية، أصبحت الإجراءات الأخيرة التي اتخذتها حركة طالبان ضد الطائفة الشيعية الأفغانية محورًا رئيسيًا للتوترات الداخلية. فقد أعلن مجلس علماء الشيعة الأفغان أن وزارة العدل التابعة لحكومة طالبان فرضت "قيودًا على مراسم إحياء ذكرى عاشوراء وتعليق أنشطة بعض المراكز الدينية والإعلامية". واستنادًا إلى الأدلة الميدانية المتوفرة، اتخذت حكومة طالبان عدة إجراءات خلال أيام عاشوراء، شملت جمع الأعلام ورموز الحداد من بعض المساجد والحسينية، واعتقال عدد من مسؤولي المساجد والتكايا لرفعهم رموز الحداد، ووقف بث قناة تمدن عشية عاشوراء. كما أغلقت طالبان أيضًا حوزة خاتم النبيين، التي تُعد أكبر مركز علمي وديني للطائفة الشيعية الأفغانية. استُهدفت سلسلة من المراكز التي أنشأها آية الله محمد آصف محسني في غرب كابول، بما في ذلك مدرسة خاتم النبيين، وجامعة خاتم النبيين، وقناة تمدن التلفزيونية، بالإغلاق. وانتقدت لجنة حماية الصحفيين هذه الخطوة، واصفةً إياها بأنها مؤشر على تصعيد قمع وسائل الإعلام المستقلة في أفغانستان.
وعلى الصعيد الإقليمي، تحوّل التوتر في بلدة جبرائيل بولاية هرات إلى بؤرة توتر للعنف. وأكدت مصادر محلية لبي بي سي أن احتجاجات الرجال والنساء في بلدة جبرائيل بولاية هرات قوبلت برد فعل عنيف من قوات طالبان الحكومية. وأطلقت قوات طالبان النار على المتظاهرين، ما أسفر عن مقتل شخص وإصابة 22 آخرين.
كما أصبحت قضية بلدة أميد سبز (المعروفة ببلدة حاجي نبي) في غرب كابول تحديًا خطيرًا بين طالبان والطائفة الشيعية. وأصدرت وزارة العدل التابعة لطالبان، برئاسة عبد الحكيم شاريا، أمرًا بإخلاء هذه البلدة الهزارية. بحسب بيان الوزارة، أعلنت محكمة الإمارة الخاصة أن أكثر من 1507 هكتارات من الأراضي في البلدة أصبحت أراضي غير مأهولة، ويجب إخلاؤها. آلاف العائلات التي بنت منازلها بعد سنوات من المعاناة والمشقة تعيش الآن في حالة من عدم اليقين. رداً على هذا القرار، توجه سكان البلدة إلى قندهار لتقديم التماس إلى زعيم طالبان، هيبة الله أخوند زاده. ومن المثير للاهتمام، أنه بعد عدم تلقيهم رداً مناسباً من مجلس شورى قندهار ورجال الدين التابعين لحاكم قندهار، توجهوا إلى وزارة الداخلية وسراج الدين حقاني، في خطوة تشير بحد ذاتها إلى وجود مركزين متوازيين للسلطة داخل هيكل طالبان. كما أصدر "الحاج نبي خليلي"، شقيق كريم خليلي، نائب الرئيس الأفغاني السابق الذي وزع الأراضي في البلدة، بياناً يحتج فيه على الحكم ويطالب بمراجعته.
تعزيز المعارضة السياسية والضغط الدولي
شهدت الساحة السياسية عدة تحركات، كان لكل منها تأثيرها الخاص. وصف الرئيس الأفغاني السابق أشرف غني، الذي التزم الصمت لفترة، أفغانستان بأنها "على مفترق طرق بين الحياة والدمار" في رسالة بمناسبة عيد الأضحى المبارك عام 2026ـ. وأكد في كلمته أنه "لا داعي للعفو عن طالبان" وأن الجماعة يجب أن تُحاسب أمام الشعب الأفغاني. في المقابل، جدد الرئيس السابق حامد كرزاي، في مقابلة مع صحيفة "كورييري ديلا سيرا" الإيطالية، أنه يعتبر طالبان "إخوة له" ولا يعتبر تعليم الفتيات "قضية سياسية".
على الصعيد الدولي، مدد مجلس الأمن الدولي ولاية فريق مراقبة العقوبات المفروضة على طالبان في 12 فبراير/شباط 2026 باعتماد القرار 2816، كما أفادت بعثة الأمم المتحدة للمساعدة في أفغانستان (يوناما) في تقريرها الفصلي باستمرار القيود المفروضة على النساء، والاعتقالات، والعقاب البدني، والضغط على وسائل الإعلام.
أربع نقاط رئيسية
استنادًا إلى الأدلة والتجارب التاريخية، تُطرح عدة نقاط جديرة بالدراسة عند تحليل التطورات المذكورة أعلاه، وهي في جوهرها تكهنات مبنية على الأدلة المتوفرة:
أولًا، يُظهر نمط الأنشطة العسكرية للمعارضة أن تركيز تحركاتها يتركز في مناطق كانت تُعتبر سابقًا معاقل تقليدية لأحزاب وحركات المعارضة.
ثانيًا، تُعزز الروابط التاريخية لحزب إسلامي بقيادة قلب الدين حكمتيار مع أجهزة المخابرات الباكستانية فرضية أن أي تحرك لهذا الحزب في باكستان ما كان ليحدث دون تنسيق مع إسلام آباد.
ثالثًا، يُثير تزامن التحركات العسكرية للمعارضة مع تصاعد التوترات الحدودية بين أفغانستان وباكستان تساؤلًا حول ما إذا كانت باكستان تسعى إلى تعزيز نفوذها على طالبان من خلال تفعيل حركات المعارضة في ظل هذه الظروف الجديدة.
رابعًا، فيما يتعلق بـ"الخطة الغربية" و"مثلث أمريكا والسعودية وباكستان"، تجدر الإشارة إلى أن هذا الادعاء مجرد تكهنات لا أساس لها من الصحة، ولم يُقدَّم أي تقرير موثوق به عن خطة منسقة بهذه الخصائص.
عمومًا، تشير التطورات الأمنية والسياسية الأخيرة في أفغانستان إلى بداية تحدٍّ أمني خطير يهدد الاستقرار النسبي لحكومة طالبان الثانية. فظهور جماعات عسكرية جديدة، وتكثيف أنشطة جبهة المقاومة الوطنية وجبهة الحرية، وتوسع نطاق عمليات المعارضة، كلها مؤشرات على أن احتكار طالبان للعنف في بعض المناطق - لا سيما الشمال الشرقي، بما فيها بدخشان - قد واجه تحديًا خطيرًا.
مع ذلك، فإن ما زاد من غموض مستقبل الحركة أكثر من التهديدات الخارجية هو الانقسامات الداخلية العميقة بين مجلس كابول بقيادة سراج الدين حقاني ومجلس قندهار بقيادة هيبة الله أخوند زاده.
وصلت الخلافات حول أسلوب الحكم، وتشكيل حكومة شاملة، ومسألة منع الفتيات من التعليم، والأهم من ذلك، كيفية التعامل مع الأقليات الدينية - وخاصة الشيعة - إلى نقطة تشكل فيها مركزان متوازيان للسلطة بشكل فعلي داخل هيكل طالبان.
تشير إجراءاتٌ كفرض قيودٍ على مراسم العزاء خلال شهر محرم، واعتقال علماء الشيعة، والتحكم في المناهج الدراسية، وإغلاق حوزة خاتم النبيين، وإغلاق قناة تمدن التلفزيونية، واعتقال النساء في بلدة جبرائيل بولاية هرات، وأمر إخلاء بلدة أميد سبز، إلى تصعيد سياسات التوحيد الديني، الأمر الذي أثار ردود فعلٍ واسعة النطاق.
أما على الصعيد الدولي، فقد ساهم تمديد العقوبات والتقارير النقدية الصادرة عن بعثة الأمم المتحدة للمساعدة في أفغانستان (يوناما) في إبقاء الضغط على حركة طالبان عند مستوى ثابت. وتشير التوقعات إلى أنه في حال استمرار هذا التوجه، ستواجه طالبان تحدياً متزايداً في الحفاظ على الأمن والتماسك الداخلي. في ظل هذه الظروف، يتطلب أي حلٍّ مستدام لأفغانستان حواراً شاملاً بين جميع الجماعات السياسية والعرقية، فضلاً عن انخراطٍ بنّاء مع المجتمع الدولي، وهو ما يبدو صعب المنال في ظل الوضع الراهن.
